متعب حامد
متعب حامد

@Meteb_Hamid

15 تغريدة 293 قراءة Apr 10, 2020
أثناء تقديم محاضرة بالأمس للممارسين الصحيين كجزء من برنامج "داعم،" للحديث عن بعض الجوانب النفسية التي تخص الجائحة الحالية، اختلست النظر إلى عداد الحضور الذي تجاوز سبعة آلاف ممارس صحي. وأود أن أشارككم بعضا من التأملات، وبعضا من أسئلتهم، وبعضا مما استشعرته، وبعضا مما يهمنا جميعا..
أدهشني عدد الحضور الضخم، وإن كان ثمة ما يعنيه هذا، فهو يعني أن آلافا من الممارسين الصحيين-على أقل تقدير- يحملون همومهم وأسئلتهم وهم يبذلون من وقتهم و مزاجهم، ليبحثوا عمّا يساعدهم على فهم مشاعرهم، وطريقة التعامل مع ما يشعرون به، حتى يتمكنوا من الاستمرار بالبذل والعطاء
رأيت أسئلة، تشبه قطعة من أعماق قلبٍ وجل، يقوم بإيصالها سُعاة التقنية الدؤوبين إلى شاشة تكتظ بالكلام..
"أشعر بأن أهلي في البيت يخشون من الاقتراب مني، وأنا في الأصل أخوف عليهم من أنفسهم، لكنني أشعر بالوحدة، ماذا أفعل؟"
فليتأمل هذا السؤال كل من لايدرك مايمكن أن يمر بأفئدة الممارسين
لا يمكنني الادعاء بأن الممارسين الصحيين جميعهم متشابهون، أو أن قلوبهم أو نواياهم واحدة. لكن الذي أعرفه: إن كنت تعرف هذه الأيام شخصا يخرج من بيته ليذهب إلى مستشفى ليساعد آخرين، أو يجلس وراء شاشة ليمد يده العون لآخرٍ لايستطيع أن يصل إليه. فاشعر به، وإن لم تخفّف عنه فلا تثقل عليه..
وتكرر سؤال آخر عن كيفية التعامل مع القلق في هذه الأيام؛ على الرغم من كثرة وسائل التعامل مع القلق إلا أنه من المهم أن نتذكر أن لانقسو على أنفسنا بالاعتقاد بأن هناك طريقة مثلى ستقضي على كل قلق، وكل خوف أو تضايق. القلق الحالي جزء طبيعي من التعامل مع المجاهيل ومع ما لاندرك تبعاته بعد
وكما هو الحال في الأمور المقلقة مجهولة المعالم: الأجزاء الناقصة في الصورة التي تصنع المخاوف أصلا: "مثلا: كم سيستمر هذا الأمر؟ متى سترجع الأمور كما كانت؟ ما الذي سيحدث؟"
هي نفسها الأجزاء التي يسارع الجميع إلى ملئها وتلوينها بتصوراتهم أو آمالهم.
شخصياتنا تختلف بشكل كبير. ومن التراحم -في ظني- أن نسمح لبعضنا بامتلاك ردود فعلنا الخاصة، فمن يتفاءل، أو يتضايق، أو يتشاءم أكثر مما يجب، له ذلك.
المهم أن لانغفل عن الاحتياطات الأساسية، والتعليمات الوقائية من المصادر الرسمية. وأن لانخلط بين الصورة الأساسية، وما تم تلوينه بفعل فاعل
وأن تكون الأجزاء التي نعرفها من الصورة: تعليمات الوقاية الرسمية، ثابتة وراسخة. وبهذه الطريقة تكون محاولات الآخرين لملئها بتفاؤل غير منضبط أو ادعاءات، أو لملئها بالتخويف والجزع، أمور تخصهم هم، وتخص الطريقة التي عبؤوا بها الأماكن الفارغة المجهولة من الصورة، بأقلام شخصياتهم..
إن أزعجتك الحيرة: لك أن تتجاهل كل شيء. وتكتفي بالتعرف على ما يمكنك فعله من خلال القنوات الرسمية في وزارة الصحة. وكل الفراغات ما بين هذه المعلومات الأساسية الرصينة، أملأها بما شئت، أو اتركها فارغة واصبر عليها. المهم أن لا تملأ الأماكن الفارغة بما يضر الحقائق الثابتة ...
محظوظون نحن بوزارة الصحة لدينا في بلادنا الكريمة، وبالإجراءات الحكومية السريعة، وبكل الجهات التي تحاول أن تتعامل مع ما يحدث بسرعة واحترافية عالية. استثمارنا في العقول وفي التدريب الطبي نحصده الآن وتتوزّع ثماره على الجهات الصحية الممتلئة بأشخاص مخلصين يحاولون أن يفعلواكل ما بوسعهم
وإن كان عدد الحضور الكبير يوضح بالنسبة للممارسين ملامسة احتياجهم خلال هذه الفترة، فهو يوضح بالنسبة لهيئة التخصصات الصحية أنها تقوم بعمل مشرف لدعم الممارسين الصحيين فيما تستطيعه. "برنامج داعم" الذي كان يعتني بالمتدربين سابقًا، نستقبل فيه طلبات الدعم من الممارسين حاليا وبشكل مجاني
يشهد الله أنني لا أقول سوى ماعلمت ورأيت، تعامل د. أيمن عبده الأمين العام لهيئة التخصصات الصحية مع هذه الفترة الصعبة ومحاولته للتفكير فيما من شأنه دعم الممارسين والتخفيف عليهم، يبعث على الارتياح والثقة والفخر وبث روح التعاضد.. فله الشكر والعرفان كله..
كجزء من المنظومة الصحية التي تعتني بنا وتسهر وتعمل من أجلنا، هيئة التخصصات بكل طاقمها -ومن الصعب إحصاء الأسماء هنا- تحاول القيام بما يمكنها، وأدعو زملائي الممارسين الصحيين إلى الاستفادة من المحاضرات التي يتم تقديمها تحت مظلة برنامج "داعم،" ومن الاستشارات المتاحة على موقع الهيئة..
وأرجو الله أن يحفظنا جميعا، ويحفظ لنا من نحب، وأن يسلمكم من كل شر، وأن يديم علينا بلادنا، و نعمة الأمن، ونعمة الأيادي الحريصة التي تحرك من أجلنا مالا نستطيع الوصول إليه وحدنا، ونعمة العقول الساهرة التي تتعقب فيروسا مخرباً ضئيلاً لا يُرى وإن كلّت عقولنا في تتبّع أثره..
لايملك أية بشريٍّ هذه الأيام أن يراهن على النتيجة. نحن هنا جميعاً، يداً بيد، نراهن على الأهم:
نراهن على المحاولة!

جاري تحميل الاقتراحات...