ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

20 تغريدة 4,494 قراءة Apr 10, 2020
في ظل الأزمة التي يعيشها العالم جراء فيروس كوفيد 19
ووسط توقعات تموج هنا وهناك بشأن أزمة اقتصادية ربما تضرب العالم قريبًا، نعود بكم للوراء كي نعاين ونرى عن قرب قصة الكساد العظيم الذي فتك بالعالم يومًا ما، مخلفًا وراءه فقرًا وبطالة واضطرابا ونظامًا عالميًا جديدًا !
في يوم الخميس الرابع عشر من أكتوبر عام 1929 وفي ظلال بورصة نيويورك، ودون مقدمات تم طرح نحو 12.9 مليون سهم للبيع دفعة واحدة وهو ثلاثة أضعاف الحجم المعتاد طرحه يوميا، أثار حجم الأسهم المطروحة فزع الجميع، ولم تجد تلك الأسهم المطروحة من يشتريها.
ترسخ لدى الجميع شعورًا بانتكاسة ما قادمة، وهو ما أدى إلى فرار المستثمرين نحو بيع أسهمهم أكثر فأكثر، حيث وصل عدد الأسهم المعروضة للبيع خلال أيام إلى نحو 30 مليون سهم في يوم عرف بالثلاثاء الأسود، وبالتالي تساوت أسعارها فعليًا بالتراب.
حول بورصة نيويورك تجمع آلاف الأشخاص من أجل الحصول على معلومات كافية حول ما يجري، لكن المعلومات شحيحة، وكل ما يستطيعون سماعه فقط هو صرخات المضاربين وبكائهم الحاد بسبب ما لحق بهم من خسائر، والذي كان مقدمة لكساد عالمي استمر لمدة عقد كامل.
ولكي نستوعب ما حدث وكيف تطورت الأوضاع لتصل إلى هذا الحد من الانهيار المفاجئ؛ علينا أن نعود بالزمن إلى عام 1919، حيث أمريكا قد خرجت للتو منتصرة من الحرب العالمية الأولى وبأقل الأضرار، والتفاؤل هو السائد والاقتصاد في أفضل حالاته.
الولايات المتحدة الأمريكية حينذاك هي السوق الأوفر حظًا واستقراراً، بينما الدول الأوربية خرجت من الحرب إما منهزمة أو منهكة، الأمر الذي دفع تلك الدول إلى الاعتماد على السوق الأمريكي في توفير حاجيات شعوبها، وهذا بالطبع دفع الاقتصاد الأمريكي إلى ازدهار ونمو لم يشهد مثله من قبل.
سادت الرفاهية بين قطاعات الشعب الأمريكي وأصبح الثراء بالنسبة لأي مواطن حق أصيل، بينما القروض ميسرة والفائدة منخفضة، الأمر الذي دفع الملايين إلى المضاربة في البورصة، فارتفع حجم التداول في بورصة نيويورك بشكل جنوني من 577 مليون عام 1927 إلى 2 مليار دولار في 1929.
في البورصة انتشرت ثقافة اشتري الآن وادفع لاحقًا، لذلك لهثت قطاعات كبيرة من الشعب الأمريكي تجاه شراء السندات عبر الاقتراض، وبحلول نهاية العشرينات كان 90 في المائة من سعر شراء الأسهم في بورصة نيويورك يتم بنقود مقترضة.
ومن القصص اللطيفة التي تدل على انتشار ثقافة المضاربة أن جوزيف كينيدي الأب(تاجر ووالد الرئيس الامريكي) كان يمسح حذائه لدى أحد ماسحي الأحذية، إذ فاجأه هذا العامل البسيط بقائمة يتوقع فيها الأسهم التي ستحقق مكاسبا قوية، تأمل كيندي القائمة ومضى في شرائها وبالفعل صدق توقع هذا العامل.
بالتوازي مع البورصة ظلت الدول الأوربية المنهكة من الحرب تستعيد عافيتها الاقتصادية رويدًا رويدًا، الأمر الذي قلل حاجتها للاستيراد من السوق الأمريكي، فيما الآلة الأمريكية مستمرة في الإنتاج على نفس وتيرتها دون اعتبار لقلة الطلب، مما أدى إلى تكدس البضائع.
يعتمد أي سوق تجاري على مسألة العرض والطلب، حيث يستلزم نجاح السوق واستمراريته على نحو مربح؛ وجود علاقة منطقية واتزان بين هذين العنصرين، وحين يفقد الاتزان مكانته ويميل العرض أو الطلب تجاه الزيادة المفرطة أو النقص المفرط، تحدث الفوضى الاقتصادية وينهار النظام.
نتيجة للنمو الإنتاجي الهائل غير المتكافئ مع الطلب قلت الأسعار بقدر كبير، ومع ذلك لم يجد التجار من يشتري بضاعتهم نتيجة ضعف القوة الشرائية، الأمر الذي تراكمت معه الديون وأفلست كثير من الشركات والمصانع وسُرِح العمال وانتشرت البطالة وانهارت البورصة وحدث الكساد.
يضاف إلى الأسباب التي أدت إلى انهيار الاقتصاد الأمريكي، تباطؤ الدول الأوربية في تسديد ما عليها من ديون مستحقة تجاه الشركات والمؤسسات الأمريكية، ظنًا من تلك الدول أنها في مأمن عن تلك الفقاعة الإنتاجية الكبيرة التي تعيشها أمريكا، لكن ما حدث بعد ذلك قلب الطاولة عليهم.
كان الانهيار الكبير الذي لحق بالاقتصاد الأمريكي وكمحاولة من البنوك المحلية مواجهة الأزمة وتوفير فائض مالي مناسب يلبي حاجة المودعين، لجأت تلك البنوك إلى سحب الودائع والأموال الخاصة بها من البنوك الأوروبية، وهو ما أحدث خللًا ماليًا كبيرًا في معظم الدول الأوروبية.
بالتوازي مع ذلك ومع تعطل الإنتاج كليًا في السوق الأمريكي، توقفت الشركات والمصانع عن استيراد المواد الأولية الخاصة بها من أوروبا، وهو ما زاد الطين بلة، وانتقلت على إثره الأزمة كالنار في الهشيم إلى السوق الأوروبية ومنه إلى كل أسواق العالم.
لم تتوقف آثار الكساد الكبير الذي أصاب العالم عامًا أو اثنين، بل استمرت آثاره الاقتصادية حتى نهاية عقد الثلاثينات، كذلك لم تتوقف أثاره على الجانب الاقتصادي فحسب بل امتدت إلى جوانب أخرى كثيرة سياسية واجتماعية وبالتأكيد أخلاقية.
فقد نحو 10 ملايين أمريكي وظائفهم فيما عمت البطالة أرجاء كبيرة من دول العالم، وترتب على هذا الأمر ازدياد الجوع والفقر، وانتشرت الجريمة وساءت الأخلاق وانكفأ كل شخص على ذاته يبحث لها عن نجاة ومهرب.
كان الكساد بمثابة ضربة قاصمة للرأسمالية، حيث نتج عنه انهماك كل دولة في شأنها الداخلي، وهو ما أتاح المجال لصعود تيارات متطرفة على حين غفلة من التاريخ، مثل هتلر والنازية الذين جاءوا بديلًا لنظام فايمار الألماني الذي كان هذا الكساد أحد أسباب انهياره!
تحول معظم الاقتصاد العالمي بعد الكساد الكبير من نظام السوق الحر إلى نظام آخر أشد قيدًا، حيث أصبحت الأسواق بشكل أو بآخر تحت وصاية الأنظمة، وقل التبادل التجاري، وأصبحت الدول أكثر انغلاقًا على نفسها وباحثة على الاعتماد على نفسها والاكتفاء ذاتيًا.
نفس الأنانية والانكفاء على الذات تطغى في أزمة كورونا، ففي وقت يفترض بالجميع التكامل من أجل وضع حل، تسطو بعض الدول على المساعدات الطبية وتعلن دولة كالولايات المتحدة الأمريكية وقف تصدير المنتجات والأجهزة الصحية بشكل كامل.
هل تتوقعون تغييرا في خارطة كبار العالم ولمن ستكون الغلبة !

جاري تحميل الاقتراحات...