سعيد صالح | Saeed
سعيد صالح | Saeed

@s3eed_176

20 تغريدة 74 قراءة Apr 10, 2020
هل يجب علينا أن نشعر بالعار من "الفتوحات الإسلامية" كما يروّج البعض؟! وماهي الأخطاء التي وقع بها السلفية والليبراليون في تعاملهم مع الموروث؟!
سلسلة تغريدات عن "الإيهام التاريخي" وتأثيره على موضوعية أحكامنا:
حين يخبرك شخص أن ابن سينا كان مجرماً لأنه كان يعالج الغرغرينة ببتر القدم بالمنشار دون بنج، ماذا ستعتبر هذا الحكم؟ لاشك أنك ستعتبره حكماً ظالماً لأنه يطلب من ابن سينا أن يستخدم أدوات لم تتوفر إلا بعد عصره بأحقاب بفضل التراكم المعرفي.
كذلك لا يمكن أن نحاكم أشخاص أو شعوب على أخلاقيات لم تتكون إلا بعد زمنهم، بمعنى لكي تكون أحكامنا موضوعية ، ليس فقط علينا نراعي الأدوات الطبية الموجودة في ذلك العصر بل علينا كذلك أن نراعي الأدوات الفكرية والسقف المعرفي الذي كان موجوداً في كل عصر حتى لا نقع في "إيهام تاريخي".
والإيهام التاريخي هو محاكمة تاريخ الأمس على مالا يمكن تطبيقه إلا اليوم، فمثلاً:
نكون قد وقعنا في إيهام تاريخي إذا أعتبرنا أن ارسطو كان مجرماً ومشرعاً للعبودية لأنه كان يعتبر الإسترقاق دليلاً على تقدم البشرية سنظلمه اذا لم ننتبه لظروف عصره!
لأنه قبل زمن ارسطو كان المنتصر يقتل المهزوم أما في عهد ارسطو فإن المنتصر أصبح لا يقتل المهزوم بل يستبقيه ويسترقّه، وقد أعتبر ارسطو في ذلك تهذيباً وتقدماً للنزعة الإنسانية بدلاً من سلب حياة المهزوم.
خطأ جسيم أن نقتلع فعلاً من الأفعال من أرضه وزمانه ونحكم عليه بمنطق زمان آخر، كأن نحاكم أرسطو المبتلى بزمان كانت فيه مؤسسة الرق تعتبر تقدماً ورحمة مقارنه بزمن سابق عليه بقيمنا الحالية التي تخطت مؤسسة العبودية بسبب أحقاب وأحقاب من التراكم المعرفي الذي هذّب الإنسان عبر الزمن.
إن مؤسسة العبودية لم تنتهي بفضل الضمير الإنساني بل بفضل العهد الصناعي الذي أنهى العبودية حين ظهرت الآلات التي أقنعت الإنسان أنه ليس بحاجة للعبيد بعد الآن، لذا ليس من الموضوعية أن تحكم على التاريخ بأثر رجعي دون الإنتباه لسياق التقدم البشري.
كل ثقافة هي على حق في وقتها، وناقصة بالنسبة للفترة التي بعدها، ولكن بالنظر إلى التاريخ ككل فإنها تامة كاملة، و لولا تكوّن مؤسسة الرق لما نشأت الحضارة ولما ظهرت فلسفة الأنوار، فالفيلسوف كان يحتاج أن يفوّض أعماله الغير مهمة للعبيد ويتفرغ هو للأعمال العظيمة كالتفكير والسياسة.
ومن الأسف أن مرحلة الجور كانت آنذاك صواباً وضرورة، ولكن من حسن حظنا أنه كلما ارتفع وعي البشرية زادت نسبة العدل، لذلك ما كان عادلاً وقانونياً قديماً، نراه الآن جريمة كالرق مثلاً.
ماقلته في السابق مجرد مقدمة للفكرة، الآن سأطرح مثالين تطبيقيين للإيهام التاريخي، الأول وقع فيه السلفيين و الثاني وقع فيه الليبراليين، و القسمة عادلة، ولنبدأ بالسلفيين:
إن السلف لا ذنب لهم فيما يفعله السلفيون في أنفسهم، فهُم فسروا الأمور بأدواتهم المعرفية في ذلك الوقت، ولو امتلكوا أدوات المعرفة الحالية لاختلفت تفسيراتهم.
الذنب ذنب من يأتي بعدهم من الخلف ويستجلب أقوالهم بنصِّها دون أن يدرك التفاوت الزمني، رغم تأكيد السلف على أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان وأحوال المكلفين، كأن يستجلب السلفيون مثلاً موقف ابن تيمية الرافض التام للفرنجة وكل شيئ منهم ويسقطونها على العالم الغربي الآن!
هُنا وقع السلفيون في إيهام تاريخي عندما فاتهم أن يميزوا بين الغرب الحديث وما وراءه من حضارة حية، وبين الحملات الصليبية وماوراءها من إرث ظلامي، وذلك ما كان يرفضه ابن تيمية وحُقَّ له أن يرفضه.
أما الليبراليين فقد وقعوا في إيهام تاريخي حينما إعتبروا الفتوحات الإسلامية "إستعماراً" وبدؤوا بجلد ذواتهم وتجريم أسلافهم ولم يراعوا قوانين العالم القديم، وهم بذلك يحكمون على العالم القديم بمفاهيم الدولة الحديثة.
ففي العالم القديم كان من الطبيعي أن يحكم القوي عدة أعراق ولا يشعروا بالإهانة لأن مفهوم القوميات لم يكن قد تشكل بعد، ولأن القوميات هي نتاج الدولة الحديثة، لذلك لم يضعوا أي أهمية لهوية الحاكم، وسَلّموا بأن القوي هو من يحكم، والمهم أن يعاملهم بعدل ليتبعوه، وأن لايرهقهم بضرائب جائرة.
وكانت الدول الصغيرة في العالم القديم لا تستطيع الإستقلال لأنه لم يكن هناك قانون دولي يحميها ويمنحها استقلالها، لذلك كانت تلك الدول مضطرة الى أن تحتمي بحمى دولة عظيمة وإلا ستكون مستباحة من الدول الأقوى.
ولذلك حين زالت الإمبراطورية البيزنطية لم يبقى لدول الشام ومصر والمغرب العربي إلا الإنضمام بحمى الدولة القوية الصاعدة الإسلامية.
ولهذا لابد أن نحكم على العالم القديم "بمفاهيمه"، فكلمة إستعمار ليس لها أي معنى قبل تشكل الدولة الحديثة ومنتجاتها.
في النهاية أقول أن السلفية والليبرالية يسيران بعقلية متماثلة لكن مضامينها مختلفة؛ فالسلفي يدّعي أن المُثُل العليا تحققت في الماضي و الحل هو في العودة إليها، والليبرالي يدّعي أن المُثُل قد تحققت في الحضارة الغربية و الحل يكون بتقليدها!
جميعهم أخطأوا حين ظنوا بأنهم يمكنهم أن يعيدوا تحقيق تجربة غيرهم للمٌثل، في الوقت الذي ينبغي علينا فيه أن نجرب تحقيق مُثُلِنا الخاصة بأنفسنا انطلاقاً من الواقع الحالي.
-انتهى.
المقال منقول من مدونة "أمير الكادحين" بعد الإستئذان من كاتبه.
amirkad.wordpress.com

جاري تحميل الاقتراحات...