ناصر بن محمد الريامي
ناصر بن محمد الريامي

@nasserriyamy

38 تغريدة 315 قراءة May 23, 2020
(١)
إن من عجائب العمارة العمانية (اليعربية) ثلاثة:
- قلعة نزوى (الشهباء) وبناها الإمام سلطان بن سيف اليعربي (ت ١٦٨٠م)
- حصن جبرين وبناه الإمام بلعرب بن سلطان بن سيف (ت ١٦٩٢م)
- حصن الحزم وبناه الإمام سلطان الثاني بن سيف (ت ١٧١٨م)
(٢)
وقد ذكر الإمام السالمي في تحفته (في معرض حديثه عن الإمام بلعرب) عنهم " فبنى والده قلعة نزوى وهي الشهباء، وبنى هو حصن يبرين وبنى ابن أخيه حصن الحزم والثلاثة من أعاجيب الزمان حتى قيل أن حصن جبرين لا يستطيع أحد أن يصف جميع ما فيه ولو فكر فيه شهرا كاملا بإمعان النظر التام"
(٣)
ومع الوضع في الاعتبار النواحي الجمالية (الكثيرة!) في الحصن، غير أنه يجب النظر إلى عظمة التحصينات الدفاعية فيه والغرض من بناءه وتوقيته (!) وموقعه الجغرافي مع ذكر قصة الإمام بلعرب و الحصار والتراجيديا اللاحقة كونها تمثل تحولًا في خط سير الأسرة اليعربية ومن ما آل إليه الحصن
(٤)
بنى بلعرب بن سلطان حصن جبرين في ١٦٧٥م (أيام إمامة أبيه سلطان) وذلك قبل توليه الإمامة في ١٦٨٠م ونص ابن رزيق و السالمي على أنه بناه من حر ماله، وبالنظر إلى حجم البناء والتزيين فيه فإن الباحث يتمكن من معرفة السيولة المالية المتوفرة آنذاك،
(٥)
كما أن موقعه القريب من نزوى وأهميته العسكرية في التحكم بالمنطقة تثير التساؤلات: فهل بناه بأمر أبيه الإمام؟ أم أنه كانت هناك نوايا استقلالية لبلعرب؟
إلا أنه من المؤكد أن جبرين لم يكن حصنا فحسب بل مدرسة متكاملة خرجت العديد من العلماء وكان بلعرب يصرف عليهم من حر ماله
(٦)
إلا أن البغضاء نبتت وأينعت بين بلعرب وبين أخيه، ورجح المستشرق البريطاني مايلز أن السبب الرئيسي للفتنة كانت الغيرة من سيف على أخيه بلعرب - وهذا الرأي غريب لكن ينبغي البحث بشكل أعمق عن أصل الخلاف الدائر بينهما - رغم قيادة سيف لأسطول الإمامة الحربي وشنه العديد من الغارات
(٧)
وقد كان يسمى الإمام بلعرب "أبا العرب" لجوده إلا أنه صار يسمى أثناء الفتنة "بلاء العرب"، وذلك أن بلعرب خرج من نزوى قاصدا الشمال فلما عاد أراد الدخول إلى نزوى فمنعه أخاه وأخذ من يده المعاقل كلها ولم تبقى له سوى جبرين ...
(٨)
واجتمع أكثر أهل عمان (حسب رواية ابن رزيق) على تولية سيف وسالت الدماء بين الفريقين بقدرها حتى قيل "سيف جلاب وبلعرب قصاب" ولخص ابن رزيق القول في "واختلف قوم فيهما، فمنهم من يصوب بلعرب فيقول (هو الإمام وأخوه سيف باغ عليه) ومنهم من يقول (إن سيف محق والمبطل بلعرب)...
(٩)
والناس فيما يعشقون مذاهب!) ويجب علينا التركيز على العبارة الأخيرة التي أوردها ابن رزيق بعمق!
وذكرا بأن سيف أخذ البيعة غصبا من أهل نزوى خاصة وأهل عمان وبايعوه يتقوا منه شره.. إلا أن السالمي ذكر بأن الآتي:
(١٠)
"ثم إن أكابر هؤلاء وهؤلاء اتفقوا على الكفاف عن الحرب وقالوا الرأي أن نغمد السيف عن بعضنا البعض فإذا اقتتل سيف وأخوه بلعرب وقتل أحدهما الآخر صاحبه صرنا رعية للباقي منهما وتبعا" ورأى الفريقان أنه في حالة عدم قيام المبارزة بينهما سيملا وسيترك سيف مقاتلة أخيه!
(١١)
الغريب في الأمر أن يفهم من السياق أن الأكابر علموا بحق بلعرب (وفي رقابهم بيعة له) على أخيه.. إلا أنهم آثروا سلامة أنفسهم (وربما أموالهم) على الاصطفاف دفاعًا عنه.. وظنوا بأنها مناوشة ستنتهي بالسِلم
(١٢)
اشتد الحصار على بلعرب في جبرين وهو القائل شعرا:
أتعبت نفسي في عمارة منزلي
زخرفته وجعلته لي مسكنا
حتى وقفت على القبور فقال لي
عقلي ستنقل من هناك إلى هنا
(١٣)
والقائل (ربما أيام الحصار):
ولما بلوت الناس لم أرى
أخا ثقة في النائبات العظائم
وأبصرت فيهم في رخاء وشدة
فلم أرى منهم غير كسب الدراهم
فإن كنت ذا يسر فحولك إنهم
مماليك أو عسر كأضغاث حالم
وثقت بمن أحيى العظام رميمة
وأنشأها خلقًا لطيف المناسم
(١٤)
فلمّا بلغ بلعرب تخاذل القوم عنه.. توضأ وصلى ركعتين وطلب من الله أن يأخذ روحه فاستجاب (حسب رواتيهما) إلا أن مايلز لم يقتنع بذا وأكد على أن بلعرب قتل نفسه (وهذا مستغرب!) وربما مات كمدًا وحزنًا
فخرج من في الحصن وقالوا لسيف أن بلعرب مات فلم يصدقهم وظن أنهم قتلوه فحلفوا له
(١٥)
فدخل سيف الحصن وصلى على أخيه ودفنه في الحصن..
وذكر الإمام السالمي أن كثير من أهل عمان المشهورين بالعلم متمسكين بإمامة بلعرب وأن سيف باغٍ عليه.. وتوفي بلعرب في ١١٠٤ هـ والموافق ١٦٩٢ م
(١٦)
والظاهر أن جبرين في فترة حكم الإمام سيف بن سلطان (قيد الأرض) (قبل عماره مرة أخرى من قبل محمد بن ناصر الغافري) أصبح أثرًا بعد عين واندثرت مدرسته وطمست معالم بهاءه حتى أصبح عبرة وقال المحروقي (حسبما ذكر الإمام السالمي):
كعظة للعارفين وعبرة بما
فعلت أيدي الليالي بيبرينا
(١٧)
وأصبحنا نرى من الشعراء اللذين تخرّجوا من مدرسة جبرين وطعموا من خير بلعرب يمدحون سيفًا ومنهم راشد بن خميس الحبسي..
قصة بلعرب مأساوية بتفاصيلها.. والغائب عنا من تفاصيلها أكثر من الحاضر..
(١٨)
ونحتفي اليوم جميعنا بمآثر وأمجاد قيد الأرض.. وبلعرب ضجيع جبرين الأبدي يداوي جراحه.. ضحية تخاذل القوم عنه.
وربما نعرّج لاحقًا على مآل جبرين بعد بلعرب
رممت وزارة التراث والثقافة الحصن في الفترة بين ١٩٧٦ - ١٩٨٢
(١٩)
وقد شدتني هذه الفقرة من بحث الأستاذ @nassersaif111 عن التغريق الذي نصّ فيه أن سيف كان يصف بلعرب بالجبّار!
وتتبادل لفظة الجبار فتارة يوصف بها بلعرب نفسه وتارة تنطبق على الخارج على إمامه (سيف)!
(٢٠)
صورة سيف الإمام بلعرب بن سلطان عند أحد المهتمين بجمع الآثار في الخليج والصورة من حسابه على الانستاجرام
(٢١)
وهذه مدارسة مع أحد الباحثين حول مسألة توقيت بناء الحصن و وفاة الإمام سلطان بن سيف وبيعة الإمام بلعرب:
(٢٢)
وخلصت إليها إلى الآتي:
(٢٣)
ومن المفيد النظر إلى التحولات الدلالية قي مسألة بيعة الإمام بلعرب، وتجلياتها على النظام السياسي.. فإنها وللمرة الأولى في الدولة اليعربية تكون سلالية (أب لابنه) فما الذي أدى إلى ذلك؟
(٢٤)
المفارقة بين بيعة سلطان بعد ابن عمه الإمام ناصر أن الدولة كانت في حالة حرب لطرد الاحتلال البرتغالي، فالحاجة كانت لإمام يكمل نهج خلفه في الاستراتيجيات الحربية ويضمن ولاء شيوخ القبائل الذين بايعوا ناصر وكانوا موالين له.. أما بيعة بلعرب فكانت في رخاء نسبي..
(٢٥)
أتت بعد فترة غزوات خارجية غَنِم منها العمانيون الأموال الكثيرة.. وعلى حد قول الإمام السالمي "كثرت البيضاء والصفراء في أيدي الناس"
لكن هذا التحول السلالي في النظام السياسي لم يكن دون سلبيات..
(٢٦)
المشكلة عندما تكون البيعة لأخ دون آخر.. قد تسبب بعض الحساسيات والغيرة (ورجح ذلك مايلز في كتابه) وأن الغيرة السبب الأول لخروج سيف على أخيه.. لا سيما وإن نظرنا أن البعض يسير أن سيف كان أكفأ عسكريا من بلعرب..
(٢٧)
كما أن خروج بلعرب من عاصمته السياسية نزوى أدى بشكل أو آخر إلى انحسار القوم عنه واصطفافهم مع أخيه
والدعم إما يكون طمعًا في مال أو رهبة من سلطة!
حتى أن من خلفيات الحصار على جبرين مباشرة رفض دخول الحاكم (بلعرب) إلى نزوى واضطراره العودة إلى جبرين
(٢٨)
ويقول الشيخ سالم بن حمود السيابي في المسألة (خروج سيف بن سلطان على أخيه بلعرب):
"وانها لمن سيئات القضايا وانها لتنذر بزوال هذا الملك من أيديهم عن قريب، فإن بذر الشر وحب الذات داء دفين يسلب الخير من أهله"
(٢٩)
وصدقت نبوءة السيابي، فما هي سنين حتى تناحر آل يعرب بينهم وانقسمت عمان قسمين.. وأشير إلى أحد أبشع المقاتل التي حدثت في تلك الفترة والأولى مقتل الإمام مهنا بن سلطان والثانية مقتل عضده ومسانده الشيخ عدي بن سليمان الذهلي..
(٣٠)
أما الأول فقتله عمّال الإمام يعرب بن بلعرب بن سلطان وذلك بعد أن حاصر مهنا (ابن ابن عمه) في قلعة الرستاق فترة وبعد أن يأس مهنا وأصبح ليس له ناصر من أهل عُمان وخانه الجميع طلب الأمان من يعرب فأعطاه فسلّم نفسه وزالت بذلك إمامته
(٣١)
فلما آيس الحل.. سلّم رقبته وتنازل عن الإمامة فأمر يعرب بقيده وتخشيبه ومن معه بعد أن عاهده وأعطاه الأمان!
ثم هجم عليه عمال يعرب في وهو رهينة الحبس والسجن وذبحوه!
(٣٢)
ولا بد من الإشارة إلى أنه وبالرغم من خلو كتب التاريخ من التصريح بأن القتل جاء بناء على أمر يعرب.. إلا أنه يجب أن نبحث عن المستفيد..
كما نشير بأن القائم بأمر مهنا (الشيخ عدي بن سليمان) وعضده ذهب إلى قاتله يعرب استتاب يعرب تعديه على الناس وقتله مهنا فتاب وبويع بالإمامة!
(٣٣)
إلا أن أمر يعرب لم يطل.. فخرج عليه بلعرب (وفي رواية يعرب) بن ناصر خال سيف بن سلطان الذي تنصل عن إمامته وبيعته عدي بن سليمان..
فتقاتلا.. ثم التجأ عدي بن سليمان إلى الرستاق فلما وصلها .. كان الحتف في إنتظاره!
(٣٤)
يذكر ابن رزيق "فلما وصلها أخذه أعوان بلعرب بن ناصر فصلبوه ومعه القاضي سليمان بن خلفان ثم قتلا وهما مصلوبان وسحبهما أهل الرستاق كما تسحب البهائم الميتة وذلك يوم الحج الأكبر" من سنة ١١٣٤ هـ
إنها الأيام دول!
لا حول ولا قوة إلا بالله!
(٣٥)
إنه التناحر والتنافس الذي أدى بزوال اليعاربة بهذه الطريقة الدموية..
اصطفاف الناس مع الرجل القوي ورضاهم بالوضع الراهن (status quo) أدى إلى التشظي والانقسام..
(٣٦)
يقول السيابي عن مقتل الإمام مهنا بن سلطان:
"هنا ارتكبوا أمرين عظيمين، أولا أمنوه على العهد والميثاق، ثم قتلوه بعد الأمان، أمران أسهلهما عظيم عند الله، بل أصل قيامهم عليه مصيبة كبرى!"
أي لم يوجد المبرر الشرعي/السياسي للخروج على الإمام مهنا في رأيه!
(٣٧)
والأثر السياسي جليٌ للناظر، فالخارج (يعرب بن بلعرب) في الأغلب لم ينادي أو يطالب بالإمامة لنفسه بل تستّرت حركته حول إمامة سيف بن سلطان الصغير..
فيعرب هنا يستخدم إمامة الصغير مطية لتحقيق رغبته في المُلك.. وبذلك يصبح ميكافيليا بالدرجة الأولى وغايته بررت وسيلته!
(٣٨)
لكنه يجب الذكر بأن السيابي عاتب الشيخ عدي بن سليمان على حركته في إيهام العامة بإمامة سيف الصغير رغم سلامة نيتها إلا أن تطبيقها خاطئ.. وسبب ذلك ربكة كان من الممكن تلافيها!

جاري تحميل الاقتراحات...