في قصيدة أبي العلاء في رثاء والده التي مطلعها: "نقمتُ الرضى حتى على ضاحك المزن / فلا جادني إلا عبوس من الدجن" (كم هو بيتٌ افتتاحي عظيم! والقصيدة كلها مدهشة)، استوقفني طويلاً بيتُ فيه صورة متكررة في الشعر العربي لكن أبو العلاء تعامل معها تعاملاً مختلفاً.
يقول أبو العلاء:
لقد مسختْ قلبي وفاتُكَ طائراً / فأقسم أن لا يستقر على وكنِ
يقضي بقايا عيشه وجناحه / حثيث الدواعي في الإقامة والظعن
وفاتك مسخت قلبي وحولته إلى طائر أقسم ألا يستقر في موضع، يمضي حياته وجناحه لا يتوقف عن الخفقان في الإقامة والسفر.
لقد مسختْ قلبي وفاتُكَ طائراً / فأقسم أن لا يستقر على وكنِ
يقضي بقايا عيشه وجناحه / حثيث الدواعي في الإقامة والظعن
وفاتك مسخت قلبي وحولته إلى طائر أقسم ألا يستقر في موضع، يمضي حياته وجناحه لا يتوقف عن الخفقان في الإقامة والسفر.
تشبيه القلب المضطرب فجعاً وأسى بطائرٍ تخفق أجنحته ولا يستقر ليس تشبيهاً جديداً، ولعل أبرز مثال نجده في قول قيس ليلى:
"كأن القلب ليلة قيل يغدى / بليلى العامرية أو يراح
قطاة عزها شركٌ فباتت / تجاذبه وقد علق الجناح"
هذه عندي من أجمل الصور الشعرية، ولكني لا أريد مقارنة الصور الآن.
"كأن القلب ليلة قيل يغدى / بليلى العامرية أو يراح
قطاة عزها شركٌ فباتت / تجاذبه وقد علق الجناح"
هذه عندي من أجمل الصور الشعرية، ولكني لا أريد مقارنة الصور الآن.
الشيء الذي أدهشني واستوقفني في هذا البيت هو أن أبا العلاء لم يُشبِّه قلبه بالطائر، ليس كأن أو مثل، بل قال: "مسخت قلبي وفاتك"، لقد تحول قلبه إلى طائرٍ مضطربٍ بهذه الفجيعة. ولا أعلم بصراحة هل هذه صورة جديدة أم لا، أظن أن هذه أول مرة أقرأ صورة انمساخ (حسب ذاكرتي التعيسة!).
وطبعاً أنا عاشقٌ متعصبٌ لأبي العلاء ولذلك من الحتمي عندي أن أرى هذا الانمساخ أعظم بكثير من التشبيه! لدرجة أنني شعرت أن أبا العلاء ربما يخالف الشعراء الآخرين بقصد وأنه بحث عن صورةٍ أقوى من مجرد التشبيه: قلبي ليس فقط مضطرباً وكأنه طائر، لا، لقد انمسخ إلى طائر لا يستقر من الحزن.
وأشعر بأن هذا الرأي قد يكون سليماً بالرغم من أن فيه شطحات العشق والتعصب، لأنني قرأت بعد ذلك في نفس القصيدة بيتاً لا يدع مجالاً للشك بأن أبا العلاء يخالف الشعراء السابقين ولا يرضى لحزنه وفجيعته بصور وتشبيهات نمطية وتقليدية، بل يخترق المعتاد نحو إبداع يليق بفجيعته هذه.
يقول أبو العلاء:
فليتك في جفني موارى، نزاهةً / بتلك السجايا عن حشاي وعن ضبني
وهذا بالطبع ارتقاءٌ واضح من صورة "الدفن في الحشى"، وهي صورة متكررة في الشعر العربي وحتى أبو العلاء استخدمها؛ ولكنه هنا يرثي أباه، هنا مصيبته شخصية، هنا الحزن أعمق فلا بد أن تكون الصورة أعلى.
فليتك في جفني موارى، نزاهةً / بتلك السجايا عن حشاي وعن ضبني
وهذا بالطبع ارتقاءٌ واضح من صورة "الدفن في الحشى"، وهي صورة متكررة في الشعر العربي وحتى أبو العلاء استخدمها؛ ولكنه هنا يرثي أباه، هنا مصيبته شخصية، هنا الحزن أعمق فلا بد أن تكون الصورة أعلى.
القصيدة كلها فيها إبداع عظيم، تصويراً وعاطفةً، ولا أستطيع مقاومة الإشارة لصورة أخرى عظيمة برقتها وإبداعها.
يقول أبو العلاء عن والده:
فيا ليت شعري! هل يَخِفُّ وقاره / إذا صار أُحدٌ في القيامة كالعِهْنِ
وهل يَرِدُ الحوضَ الرَّويَّ مُبادِراً / مع الناس، أم يأبى الزِّحام فيستأني
يقول أبو العلاء عن والده:
فيا ليت شعري! هل يَخِفُّ وقاره / إذا صار أُحدٌ في القيامة كالعِهْنِ
وهل يَرِدُ الحوضَ الرَّويَّ مُبادِراً / مع الناس، أم يأبى الزِّحام فيستأني
مشهد الابتعاد عن ازدحام حوض النبي عليه السلام والتأني يوم القيامة مشهد رقيق جداً، والبيت يعطينا صورةً كاملة عن شخصية والد أبي العلاء وعن وقاره وكرمه وطيبته، وكذلك يعطينا صورة مؤلمة عن مشاعر أبي العلاء ونظرته لوالده. ياه كم هو بيت عظيم... رحمة الله عليك وعلى والدك يا أبا العلاء.
منذ أن سمعتُ مقولة سكورسيزي "الأكثر خصوصيةً هو الأكثر إبداعاً" وأنا أستحضرها كلما قرأت نصاً شخصياً بديعاً.
هذه القصيدة الشخصية جداً أبدع فيها أبو العلاء إبداعاً عظيماً، لم يركن للمعتاد والنمطي، بل ارتقى بحزنه وألمه إلى مستويات جديدة.
رحمك الله يا أبا العلاء كما رحمنا بشعرك...
هذه القصيدة الشخصية جداً أبدع فيها أبو العلاء إبداعاً عظيماً، لم يركن للمعتاد والنمطي، بل ارتقى بحزنه وألمه إلى مستويات جديدة.
رحمك الله يا أبا العلاء كما رحمنا بشعرك...
جاري تحميل الاقتراحات...