بارعـة
بارعـة

@bareah0

15 تغريدة 38 قراءة Apr 08, 2020
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ﴾
"يُعِينُ العبدَ على الصبر على أذى الناس عدّةُ أشياءَ دعها نصب عينيك...
أحدها: أن يشهدَ أن الله خالقُ أفعالِ العباد، حركاتهم وسكناتهم وإراداتهم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يتحرك العالم في العلوي والسفلي ذرة إلا بإذنه ومشيئته، فالعباد آلة، فانظر إلى الذي سَلَّطَهم عليك، ولا تَنظُرْ إلى فِعلِهم بكَ، تَسْتَرِحْ من الهمّ والغَمِّ
الثاني: أن يَشْهَد ذنوبه، وأن الله إنما سلطهم عليه بذنبه، كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}. فإذا شهد العبد أن جميع ما يناله من المكروه فسببه ذنوبه، اشتغلَ بالتوبة والاستغفار من الذنوب التي سلَّطهم عليه بسببها
عن ذمهم ولومهم والوقيعة فيهم وإذا رأيت العبد يقع في الناس إذا آذوه ولا يرجع إلى نفسه باللوم والاستغفار فاعلم أن مصيبته مصيبة عظيمة حقيقة قال علي رضي الله عنه كلمة من جواهر الكلام لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن عبد إلا ذنبه وروي عنه وعن غيره ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة.
الثالث: أن يشهد العبدُ حُسْنَ الثواب الذي وعده الله لمن عَفَا وصَبَر، كما قال تعالى: { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}. ولمّا كان الناسُ عند مقابلة الأذى ثلاثة أقسام: ظالم يأخذ فوق حقّه
ومقتصد يأخذ بقدر حقه ومحسن يعفو ويترك حقه ذكر الأقسام الثلاثة في هذه الآية
١ للمقتصدين
٢ للسابقين
٣ للظالمين
ويشهد نداء المنادي يوم القيامة"ألاَ لِيَقُم مَن وَجَب أجرُه على الله"
فلا يقم إلا من عفا وأصلح وإذا شهد مع ذلك فوت الأجر بالانتقام والاستيفاء سهل عليه الصبر والعفو
الرابع: أن يشهد أنه إذا عَفا وأحسنَ أورثَه ذلك من سلامةِ القلب لإخوانه، ونَقائِه من الغِشّ والغِلّ وطلبِ الانتقام وإرادةِ الشرّ، وحصَلَ له من حلاوة العفو ما يزيد لذّتَه ومنفعتَه عاجلاً وآجلاً، على المنفعة الحاصلة له بالانتقام أضعافًا مضاعفةً
ويدخل في قوله تعالى: {والله يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ} (سورة آل عمران: 134) ، فيصير محبوبًا لله، ويصير حالُه حالَ من أُخِذَ منه درهمٌ فعُوضَ عليه ألوفًا من الدنانير، فحينئذٍ يَفرحُ بما منَّ الله عليه أعظمَ فرحًا يكون.
الخامس: أن يعلم أنه ما انتقم أحد قَطُّ لنفسه إلاّ أورثَه ذلك ذُلاًّ يجده في نفسه، فإذا عَفا أعزَّه الله تعالى، وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق حيث يقول: “ما زاد الله عبدًا بعَفْوٍ إلاّ عزًّا” فالعز الحاصل له بالعفو أحب إليه وأنفع له من العز الحاصل له بالانتقام
فإن هذا عز في الظاهر، وهو يورث في الباطن ذلاً، والعفو ذل في الباطن، وهو يورث العز باطناً وظاهراً.
السادس:وهي من أعظم الفوائد أن يشهد أن الجزاء من جنس العمل،وأنه نفسه ظالم مذنب،وأن من عفاعن الناس عفا الله عنه،ومن غفر لهم غفر الله له
فإذا شهد أن عفوه عنهم وصفحه وإحسانه مع إساءتهم إليه سبب لأن يجزيه الله كذلك من جنس عمله فيعفو عنه ويصفح ويحسن إليه على ذنوبه ويسهل عليه عفوه وصبره
السابع: أن يَعلم أنه إذا اشتغلتْ نفسُه بالانتقام وطلب المقابلة ضاعَ عليه زمانُه، وتفرَّقَ عليه قلبُه، وفاتَه من مصالحِه مالا يُمَكِن استدراكُهُ، ولعلّ هذا أعظم عليه من المصيبة التي نالتْه من جهتهم، فإذا عفا وصَفحَ فَرغَ قلبُه وجسمُه لمصالحه التي هي أهمُّ عنده من الانتقام.
الثامن: أن يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتقمَ لنفسِه قَطُّ، فإذا كان هذا خيرَ خلق الله وأكرمَهم على الله لم يَنتقِمْ لنفسِه، مع أن أَذَاه أَذَى الله، ويتعلّقُ به حقوق الدين، ونفسه أشرف الأنفُس فكيف يَنتقِمُ أحدنا لنفسِه التي هو أعلم بها وبما فيها من الشرور والعيوب
التاسع:إن أُوذي على ما فعله لله،أو على ما أُمر به من طاعته ونهي عنه من معصيته،وجب عليه الصبر،ولم يكن له الانتقام فإنه قد أوذي في الله فأجره على الله
ولهذا لما كان المجاهدون في سبيل الله ذهبت دماؤهم وأموالهم في الله لم تكن مضمونة، فإن الله اشترى منهم، فالثمن على الله لا على الخلق.
العاشر: أن يشهد معية الله معه إذا صبر، ومحبة الله له إذا صبر ورضاه.
ومن كان الله معه دفع عنه أنواع الأذى والمضرات ما لا يدفعه عنه أحد من خلقه، قال تعالى:
(واصبروا إن الله مع الصابرين) ".
جامع المسائل | ابن تيمية

جاري تحميل الاقتراحات...