١- تواصلت مع تجربة الشاعر حاتم الزهراني منذ مجموعته الأولى (الياء يائي)، وكان من أوائل الشعراء الذين لفتوني إلى (الشكل الكتابي) غير الاعتباطي، بما جعلني أقرأ نصوصه في إطار رؤية يريد الشاعر لها أن تكون شرطا بينه وبين قارئه.
٢- وهنا يمكن لي التنويه إلى الفارق بين شاعر العبارة وشاعر الرؤية. شاعر العبارة تطريبي، تصويري، مجازي إلى الحد الذي تسمح به فضاءاته الشعرية، وهو غالبا يكتب الشعر بتلقائية أو صنعة تركيبية.
٣- أما شاعر الرؤية فيبحث عن أفق جديد. يجتهد في ذلك ما وسعه الاجتهاد، وفي هذا السياق يبدو للقارىء من خارج التجربة النقدية الواعية أنه يكتب شعرا مصطنعا، أو خارج السياق الشعري، وأن محاولة التواصل معه تبطل الشعر من أساسه كما قيل عن كل تجربة جديدة في بداية تشكّلها.
٤- في سياق البحث عن أفق شعري مختلف، وليس بالضرورة أن أقول جديدا، طرح حاتم مجموعته الأولى في غنائية ذاتية تحتفي بالمفرد، بالذات الشعرية بكل مكوناتها الثقافية والفلكلورية، وبنصوص متجاوزة إبداعيا شكلا ورؤية، بدءا من الياء التي أحالها إلى تجربته الخاصة.
٥- تضمّنت مجموعته الأولى نصوصا شعرية تقف بين الذوق القديم والذوق الجديد، ولذلك أراها أقرب إلى الطبع الشعري، مع احتفال بالصنعة الفنية التي تحاول اختراق المألوف الكتابي والشعري، فهي بذلك تجربة متصلة بالتراث، رغم البحث عن الكلام الحرّ.
٦- في المجموعة الثانية (أحتفل بالمثنى في ييل) بدا للشاعر أن يتقدّم باتجاه الكلام الجديد، فعمّق في رؤيته الشعرية واحتفل باليومي، الحواري، الذي يمكن أن نلحظه بجلاء في البينيات في هذه المجموعة.
٧- كان اليومي حاضرا في مجموعتيه (الياء) و (المثنى)، لكن حضوره في المجموعة الأولى كان في أفق الغنائية الشعرية،أما في المجموعة الثانية فكان اليومي هو الأفق الجديد الذي امتدّ به من تجارب شعرية سابقة، كتجربة درويش، لكنه كان في سياق المثاقفة مع الآخر من جهة، والتفاعل مع الذات الأخرى.
٨- كانت إذن تجربة حاتم الشعرية، في هاتين المجموعتبن، حسبما ما بدا لي بعد قراءتها، تحتفي بالشعري واليومي، وتحتفل بالكلام الحر في تطلّعٍ إلى الكلام الجديد، وهذا ما يجعلني أصنّف الشاعز تبعا لما ذكرت في التصنيف السابق، أنه شاعر رؤية، وليس شاعر عبارة.
٩- وعلى ذلك لابد من التوضيح إلى أن شاعر الرؤية مزعج للذوق السائد، وغالبا ما يعتقد عشّاق الشعر التطريبي أن ما يقال عن هذا النوع من الشعر إنما هو من قبيل الهراء، لأنه في نظرهم كذلك، فهو يكسر أفقهم ولا يتواصل معهم بالطريقة التي يريدون.
١٠- في القصيدة الأخيرة "أيها العاديّ" كأنما كان الشاعر على موعد مع تحول جديد في تجربته الشعرية تعيده إلى الذات الكونية،إلى العالم خارج الشعري داخل اليومي،خارج المجاز داخل الحقيقة،ولأني قرأت هذا النص في سياق زمني يبدو لي أنه سياق جديد في تجربة الشاعر وتجربة العالم وصفته بالتقشير!
١١- كيف قشّر الشاعر العالم؟ وما مواطن هذا التقشير في التجربة الخاصة للشاعر والتجربة العامة لعالم النص الذي يبدو أنّه منذ القراءة الأولى يعطي انطباعا أنّه يسير باتجاه عكسي للتاريخ؟!
١٢- بدءا ألفت إلى مسار التجربة من الذات الغنائية، إلى الذات الثقافية التفاعلية، إلى الذات الكونية في النص الأخير، فالشاعر في هذا النص كما أشار في تغريدة له "لايقدم تجربة الذات ولا تجربة الآخر، يمكن أن نقول إنها تجربة مساءلة كل منهما الآخر. تجربة الوقوف بينهما لا على أطلالهما".
١٣- وهذا فعلا ما لفتني في هذا النص، إنها في نظري لحظة تقشير، لا تفسير، أي تعرية من كل التراكمات والسياقات وصولا إلى لحظة الوحي في خاتمة النص.
١٤- مشاهد عديدة متكتزة بالثقافات والتأويلات يعبرها الإنسان الكوني في هذا النص بصحبة العاديّ الذي يقشّر له كل هذه المشاهد مشهدا تلو الآخر حتى يصل إلى لحظة التنوير بالتعبير الدرامي، وهي لحظة الوحي.
١٥- هنا يذعن الشاعر، أو الصوت الداخلي في النص الممثل لإنسان هذا العالم المتعلمن، إلى صوت السماء متجردا من كل شيء، إلا من لحظة التلقّي الأوّل للعالم، عالم ما قبل التأويل، وبالنسبة للقارىء عالم ما بعد التقشير.
١٦- " أحتاج صوتك أيها العادي
أو أحتاج صوتي فيك
حتى ينصت الملك الصناعي المعلمن فيّ
للوحي الطبيعي العليّ
يقول لي: اقرأ
---
---
حسنا سأفعل ما تقول!".
أو أحتاج صوتي فيك
حتى ينصت الملك الصناعي المعلمن فيّ
للوحي الطبيعي العليّ
يقول لي: اقرأ
---
---
حسنا سأفعل ما تقول!".
١٧- مع ذلك لست هنا معنيّا بمطاردة الدلالة بدقة متناهية، فالمهم هنا رؤية النص، وفضاء التجربة، وهنا أستعير قول الشاعر نفسه في قبس نقدي على نص شعري للحميدي الثقفي:
"تدخل باحثا عن الدلالة فيغمرك في التجربة".أهـ .
"تدخل باحثا عن الدلالة فيغمرك في التجربة".أهـ .
جاري تحميل الاقتراحات...