أبو زيد الشنقيطي
أبو زيد الشنقيطي

@mkae2

10 تغريدة 24 قراءة Apr 05, 2020
[اتّسم منهجُ النقد الحديثي بالمرونة في التعامل مع الروايات والأحاديث؛ فما يتعلَّقُ منها بالعقيدةِ أو الشريعة تعرَّض لنقدٍ شديد؛ في حين يخففُ المنهجُ من شروطهِ أمام أحاديث الرقاق والترهيب والترغيب؛ والروايات التاريخية والأدبيَّة]
التوقيع: د.أكرم ضياء العُمري
السِّيَريُّ المعروف
قلت:
هذا فرقٌ جوهريٌُ بين الجهَلةِ والعُلماءِ في التعامل مع أخبار التاريخ والسيَر.
فالجَاهلُ لفَراغِ عقلهِ لا فرقَ عندَه (في تطلُّب أعلى درجات الصحة والثبوت) بين مضامين كتب السيَر والآدابِ وأحاديث إثبات أسماء الله وصفاتِه؛ وأما العُلماءُ فيتنزَّهُون عن التفكير بهذه السطحيَّة..
هذا الإمامُ المحدِّث ابنُ قتيبة يرحمه الله؛ صاحب كتاب (تأويل مختلف الحديث) لمَّا ألَّفَ كتابهُ المتعلقَ بالسيَر والأخبار (المعارف) لم يطبِّقْ منهجَ المحدثينَ؛ بل تراهُ يهمل فيه ذكرَ الأسانيدِ لأنَّ التاريخَ والسيَر ليستْ مصدرَ تشريع؛ ولا يُتطلَّبُ فيها ما يُشترطُ لثبوت الأحكام.
ولو جلَس إليه بعضُ جهَلتِنا لحاكموهُ وطلبوا منهُ صحَّة إسنادِ ما ذكره في كتاب (المعارف) عن بَدءِ الخَلق؛ وقصص الأنبياء؛ وما نقلهُ مما أُثرَ في التوراةِ من الحكَم والشواهد؛ وما دوَّنَهُ من أخبارٍ ومواقف ومأثوراتٍ عن طوائف متعددة من أهل القراءات والنسَّابينَ وحُروب العجم ... الخ.
وهذا الإمام الطبريُّ رحمه الله لما ألَّف كتابه في التَّاريخ لم يعاملْهُ معاملةَ تفسيره الجليلِ؛ وإنما أسند مرويَّاتِه إلى أصحابِها دون أن يعمَل في هذه الأسانيد بمنهَج المحدثينَ قبُولًا ورَدًّا؛ بل عملَ فيها بقاعدته التي نصَّ عليها (أدَّيْنَا ذلكَ على نَحْوِ ما أُدِّيَ إليْنَا).
لكن من طالعَ تفسيرَه للقرآن وكلامه في الأحكام والقراءات والمعاني والأحاديث لا يجدُ أثرًا قاعدة (أدَّيْنَا ذلكَ على نَحْوِ ما أُدِّيَ إليْنَا).؛ بل يجدُ عنايةً بالغَةً في الترجيحِ والنَّقد والتصحيحِ وردِّ الأقوال وغير ذلك؛ وما هذا إلا للفرقِ العظيم بينَ مقامَي التواريخ والتشريع.
وابن كثير رحمه الله في تفسيره ينقد الأسانيد وينتخب الأحاديث، ويتعقب من سبقه من الأئمة في مروياتهم، كأبي عبيد والترمذي وابن أبي شيبة وغيرهم، ويشترط للأخذ بالإسرائليات موافقة مضامينها للحق المعصوم الذي بين أيدينا، وإلا فلا عبرة بها عنده، لأنها لو أفادت المكلف لبينتها له الشريعة..
أما في كتاب (البداية والنهاية) فإنك تجده يتخفف من كل هذه القيود، لأن التاريخ سرد وليس تشريعا، ولهذا أعمل فيه ابن كثير الإسرائيليات وكتبها فيه، وتأثر بمن سبقه من المؤرخين الذين لم يلتزموا صحة روايات تواريخهم، كالسهيلي وابن إسحاق والطبري وابن الأثير وابن الجوزي وغيرهم ممن نقل عنهم.
ولذلك ينبغي أن يستيقظ بعضُ النَّاس ويضعوا في أذهانهم ضرورة التفريق بين التشريعِ والتواريخِ والسيَر والآداب؛ بحيثُ إذا قرأ أحدهم سطرًا يقول كاتبُه:
(كانَ السُّدِّيُّ عظيمَ اللحية) يضبط انفعالاته ولا يُطالب بإسناد صحيح لإثباتِ هذه المعلومة؛ أو صورة فوتوغرافية للسُّدِّي رحمه الله.
لأنَّ الطولَ العظيمَ للحية السُّديِّ رحمه الله؛ أو قِصَرَها؛ أو حلقه إياها - وحاشاهُ - كلُّ هذا لا أثرَ لهُ في التشريعِ وعبادةِ القارئِ (العاقل)؛ فغايةُ ما في الأمر خَبَرٌ يُساقُ مَفادُه طول لحيته؛ ولا يترتَّبُ على الإيمانِ واليقينِ بهِ عمَلٌ؛ كما لا يترتَّب على التوقف فيه شيء.

جاري تحميل الاقتراحات...