سليمان الناصر
سليمان الناصر

@salnasser

12 تغريدة 131 قراءة Apr 05, 2020
في موسوعته الأخلاقية الضخمة(إحياء علوم الدين)يذكر أبو حامد الغزالي مبدأ "اختبار الأخلاق"، و يذكر أنه من المِيزات التي تمنحها الخُلطة للإنسان، فالمعتزل عن الناس لا يتيسر له اختبار أخلاقه وإظهار ما يُخفيه باطنُه، وبحسب أبي حامد فأن إصلاح الإنسان لأخلاقه لايتأتّى له إلا بعد معرفته=
بما فيه من عيوب، وهذا ما يكفله له مبدأُ اختبار الأخلاق هذا، ويضرب له مثلًا بالسفر، وما يكشفه السفرُ من خفي الأخلاق، حيث إن المصاعب التي يواجهها المسافر عادةً ما تكون ظروفًا استثنائية، وعادةً ما تتغلبُ تلك الظروف على القشرة الرقيقة التي نغطّي فيها أنفسنَا في الأوقات العادية، =
ولهذا-يقول أبوحامد-يسمّى السفرُ سفرًا لما يُسفره ويكشفه من خفي أحوالنا، أظن أن كلام الأخلاقي الكبير الغزالي هذا ثمينٌ وجديرٌ بالاهتمام، فنحن نختبر أخلاقنا حينما تكون الظروف غير عادية، وأظن أن ظروف الحجر التي تعيشها العائلات هذه الفترة مثالٌ مناسب، فالبقاء وقتًا طويلًا مع الأبناء=
أو مع الأخوة والأخوات، فرصةٌ متميزة لاختبار بعض من أخلاقنا، الصبر، التحمّل، اللطف، التعاون، الابتسامة، التسامح، البذل، الإيثار، الاصغاء، بشاشة الوجه، اللين، التودد، إلخ الأخلاق الذي تجعل"العيش معًا"ليس فقط واقعًا محتملًا، بل أمرًا جماليًا ومبهجاً، إذ عادة ما يكون القرب والتزاحم=
مثيرًا للحساسيات ومولدًا للتنافس، وربما ازداد الأمر تهيّجًا مع الضغط النفسي الذي يثيره الحجر، فهي إذن فرصة لنختبر أخلاقنا، وإصلاحها، وفرصة-أيضا-لنختبر أخلاق من يعيشون منا ليكون لنا دور في إصلاح أخلاق وانفعالات من يهمنا أمرهم، فالأخلاق السيئة ليست حتم قاهر، بل يسع الإنسان إصلاحها=
ولاريب أن إصلاح هذا القصور إنما يكون بعد الاعتراف به، وهذا هو الهدف من"مبدأ اختبار الأخلاق" الذي نبهنا عليه أبوحامد.
وقد حصل لي تجربةُ شيء من هذا هذه الأيام، فقد تكررت لي فرصة اللعب مع طفلتي كثيرًا، وقد لاحظت صعوبة تقبّلها للهزيمة في اللعب، وهذا في ظني عيب كبير إذا استمر وتطور،=
فسلوكياتنا في اللعب تمتدُّ إلى خارجه، ومن المعلوم أن الطفل ميّال إلى التملك والاستحواذ، سواء في مجال الأشياء، من ألعاب وحلوى وما شابهها، أو مجال الاهتمام والمشاعر ولفت الانتباه، الخ، قد يكون "عدم تقبل الهزيمة" في اللعب أحد الحالات التي تظهر فيها ميول التملك، وقد تزول مع التقدم=
بالنمو وتجاوز هذه المرحلة العمرية، ولكنها أيضا قد تبقى مدةً أطول؛ و تصبح أساسًا لأخلاقيات أسوأ في الحياة الحقيقية وليس فقط اللعب، كـ(عدم تقبل النقد)، و(عدم القدرة على تخطّي حالات الفشل) التي تصيب الإنسان في حياته، وتزداد هذه السلوكيات سوءا إذا صغبت بها العلاقة مع العائلة أو مع=
العمل، في المستقبل، حاولت في البداية أن أتجنب لفت الانتباه إلى هذه الملاحظة بشكل مباشر لئلا تصطنع سياجًا دفاعيًا لاشعوريًا، فبدأت أردد في لحظات هزبمتي مبدأ(بطولة الاعتراف بالهزيمة)، ومع أن هذا لم يُظهر كبير جدوى في الأيام الأولى، لكني لاحظتُ أنه في اليومين الأخيرين قد بدأ يتحول=
إلى شعار يردده كل اللاعبين بما فيهم ابنتي نفسها، ولعله مع الوقت يكون له أثر أعمق في الباطن،
المغزى من ذكر هذه التجربة هنا أمران:
١- أن الحجر والقرب الشديد مع عائلتنا فرصة لاختبار أخلاقنا وأخلاق أولادنا الذين يهمنا أمرهم، فنعرف أخلاقنا وأخلاقهم،=
٢-كما أن هذا فرصة لإصلاح أخلاقنا التعاملية والحوارية؛ فكذلك هو فرصة لإصلاح أخلاق أولادنا التعاملية والحوارية-حسب المستطاع-، فبعض الصفات السيئة(مثل الغضب والأنانية والجفاء وما شابهها)إذا لم يتم إصلاحها فإنها تتحول مع الوقت إلى برميل بارود متفجر يؤذي صاحبها ويؤذي الأخرين من حوله،=
ما يجعل حياته صعبة وشاقة، في حين أن التنبه لها مبكرًا ومعالجتها قد تكون السبب في تغيير مسار حياته، وكذلك الأمر مع أنفسنا، إذ يمكننا استثمار فرصة القرب المستمر هذا، في تقويم ما نكتشفه من قصور في أخلاقنا وتعاملنا مع من يعيشون معنا،
#اختبار_الأخلاق

جاري تحميل الاقتراحات...