حنظلة
حنظلة

@CHIVOS3

13 تغريدة 549 قراءة Apr 04, 2020
كانت الوالدة تنهرني مرارًا على معاملتي البيت كالفنادق في سن المراهقة -تلك السن التي دخلتها بعد الولادة ولم أخرج منها حتى اليوم-، كانت تستقبلني كل ليلٍ وهي جالسة في صالة البيت قائلة بلهجة المُقرِّع: "أنت تأكل وتنام وتخرج!" ومن وراءها تصدح الموسيقى الاستهلالية لأخبار التاسعة مساءً.
ووالدتي مفكِّرةٌ عظيمة، وفكرة الفندقة في البيوت حينئذ كانت معروفة لمن هم في سنِّي، وفكرتها هذه امتدادٌ لتفكير أُمٍّ أخرى في الحارة، كأمِّ بندر، وأمِّ عبد الله، ويكررن الأمهات هذه الأفكار على مسامع أولادهن، حتى صديقي يزيد تقول له أمه ذات الكلام وهو الذي لا يُغَادر البيت أبدًا.
كنت أهز رأسي موافقًا وأعطف بقولي: "أبشري" وأسير بخطى المكتئب إلى المطبخ حيث المبرِّد الأخضر الذي لا يُسْلِمك ما فيه إلا بلسعة كهرباء بسيطة تسري في جسدك كالأفيون، فأُسخن لي شيئًا من بقايا الغداء، وقدْ آكله واقفا أحيانًا دون تبريد، ثم يُعرج بي إلى غرفتي لأُسلمَ روحي في موتةٍ صُغرى.
والصدقُ يُقال؛ بيتنا لم يكن يشبه الفنادق أبدًا! فالفنادق لا يتشارك غرفتها الواحدة أربعة نزلاء، ولن تستيقظ فيها على أصواتِ التهديد والوعيد من قِبَلِ طاقم الفندق! ولن يدخلوا إلى غرفتك دون إذن، والأهم من هذا…فيها صناديق للأمانات، لكنها من مُبالغات حبيبتي الوالدة الدائمة.
كما أن البيوت -ذاك الوقت- لم يكن فيها ما يفرِّج عن المصدور، فهي أشبه بالسجون منها بالفنادق، والشارع هو الباحة الكبرى لذاك السجن، ووالدي هو آمر السجن الذي تفْرِق روعا منه الجموع، ولو طُبِّقَ حظر التجول تيك الأيام؛ لأصبحت الناس في دينٍ عظيم، لأن أحدًا لن يصبر على الجلوس في البيت.
عمومًا، لا أود إغراقكم بالحديث عن بيتنا، أكثركم اليوم محتجزٌ في بيته، فلنخرج وإياكم للشارع ولو عبر الكتابة، كانت والدتي لا تعلم بأني أخرج من البيت إلى الشارع حتى أكون مستعدًا لمواجهة أي غزوٍ أجنبي للحارة، وهذا النوع من الحروب نياشينها واضحة على أجزاء متفرقة من أجسادنا، المهم:
دفعت الأيام إلينا بجار جديد في الحارة، له ولدٌ اسمه سعد، وهو أكبر أولاده، رأيت وجهه أول مرة في المسجد بعد التسليمتين، وهو يبتسم في وجهي كأنه يعرفني منذ أمدٍ بعيد، قُلت في نفسي: "الحمد لله على العقل، ماذا يريد هذا! ولماذا يبتسم في وجهي وأنا لا أعرفه ولم أره قبل اليوم!"
بعد الخروج من المسجد؛ رأيت الولد يذهب إلى بيتهم وينظر إلينا وعلى وجهه ذات الابتسامة الباردة! كنا نظنه يسخر منا، فأضمرنا له الشرَّ، أيسخر منَّا وهو دخيلٌ على حارتنا! ما هذه الجُرأة؟! وتفرَّقنا على عزمِ جلدهِ وسَحله في الشارع حتى ينسى معنى الضحك، أو الشروع فيه.
قبل صلاة العشاء من نفس اليوم؛ لقيته يتحدث مع بندر عند المسجد، وقد زادت ابتسامته حتى كادت أن تفلق وجهه إلى نصفين، سلَّمتُ عليه وهو يبتسم، الولد طيبٌ وساذج في آن، كان يسألنا: "متى تلعبون كورة" ونحن الذين تركنا ركل المستديرة منذ أمد بعيد، يبدو أن نموه العقلي توقَّف في عمرٍ ما.
مرَّت الأيام وسعد يرافقنا مرافقة الظل لعين الشيء، وأنا مسحورٌ بابتسامته هذه التي لا تفارق محياه أبدًا، لم أره يومًا عابسًا، لكم أن تتخيلوا وجه إنسان باسم طيلة الوقت، في لحظات انكبابه على عمل ما، وعند سيره في الشارع، حتى وهو ينصتُ لخبرٍ حزين…وجهه ضاحك وكأن بشارة تُزف إلى مسامعه!
كنت أريد خطف سعد كما اختطفت أمريكا العلماء الألمان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ثم أستخلص منه سر هذا الحبور الدائم، والبشاشة التي وقَّعَ معها عقدًا أبديًا، وكأنه وجد خلطة تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب خالص، هكذا كنت أرى ابتسامته الدائمة في وجه الخطوب.
بعد أن تملَّقتهُ أياما طوالا، سألته بشكل مباشر: "سعد؛ لماذا أنت دائم التبسُّم" فأجابني: "أنا فيني أبا الوجيه" نزلت إجابته علي كالصاعقة: "ماذا تقصد" قال: "هذا مرضٌ يصيب أعصاب الوجه" شعرت بأنني أدخلت يدي في جُحر ضبٍّ فلدغتني عقرب، قلت: "هذا يعني أنك لا تضحك طيلة وقتك" هو: "طبعا لا"

جاري تحميل الاقتراحات...