(احمد مكه) ‏‎‎‎ⲁϩⲙⲓⲇ 🇪🇬𓅃𓎛𓅓𓇋𓂧
(احمد مكه) ‏‎‎‎ⲁϩⲙⲓⲇ 🇪🇬𓅃𓎛𓅓𓇋𓂧

@ahmeedmaka

193 تغريدة 107 قراءة Apr 12, 2020
أول حلقة في سلسلة "عمليات مخابراتية غيرت تاريخ العالم".. والملك "سقنن رع".. بيتولى حكم بلاده وجزء من شمالها محتل، بسبب أن العدو دخل بسلاح لم يعرفه بشري من قبل.
أول دبابة في التاريخ.
أول مركبة مدرعة، مزقت أوصال جنود المشاة، وأفزعت الخيول، وشتت الصفوف، فانهزم الجيش المصري
يتبع..
وانسحب أمامها من مدينة "أفاريس Avaris".. أمام الفراعنة الهكسوس.
هل أتاك حديث الجنود.. في العام 1558 قبل الميلاد؟
في خضم المعركة الهائلة، والغبار وصهيل الأحصنة، والضربات الرنانة فوق الدروع، وصليل النصال الحادة القاتلة، كاد المصريين أنهم يلحقوا هزيمة نكراء بجند
يتبع..
الملك "فرعو"، ملك الهكسوس.. فأمر في لحظة يأس واننكسار، فتقدمت كتائب الهكسوس بدبابات العصر.
سلاح لا مثيل له حتى أن المصريين مع عقولهم الفائقة المتطورة وقتها، تصوروا أنها فكرة من الشيطان ذاته.. لدرجة أنهم لقبوا ملك الهكسوس وقتئذ على الجدران والبرديات بـ" أبوفيس Apophis"..
يتبع..
إبليس ذاته.. اسم الشيطان في عقيدة المصريين القدماء.
سلاح العربات الحربية.
والعربة الحربية هي عربة مدرعة بدروع من البرونز، لا تخترقها السهام والرماح، تجرها خيول مدرعة بدورها، لا يمكن قتلها أو اسقاطها بسهولة.
يتبع..
وكانت العربة الحربية يقودها رجل، وقد يحمل معه رجلين أو ثلاثة، لقذف السهام والرماح، والضرب من مأمن من وسط الدروع البرونزية، وتلك النصال الحادة المشرعة، المثبتة في العجلات، والتي تدور مع حركتها كمفرمة رهيبة، مع دوران العربة.. مع رماح ذات نصال حادة، تبرز بين أعناق الخيول..
يتبع..
تطعن وتبتر وتمزق الأطراف والأوصال.
باختصار، عربة مدرعة قاتلة فتاكة، لا سبيل لاختراقها.
ولأول مرة في التاريخ، التقى المصري بسلاح جديد، قادر على تفكيك الصفوف، وتمزيقها، وتفريق التشكيلات العسكرية.
وانسحب الملك "سقنن رع" إلى الجنوب.. إلى حيث العاصمة.
يتبع..
وفي العاصمة راح الملك يشيد الدفاعات والفخاخ، ويدرب الجنود للتصدي لذلك السلاح الرهيب.
وراح يحاول تصنيع العربة الحربية.
حاول مرارًا لسنوات طوال.. لكن شيء ما في هندستها واتزانها كان خفي على علماؤه. فراحت تفشل محاولات التصنيع مرة تلو الأخرى.
يتبع..
ورغم تفوق الهكسوس بذلك السلاح المخيف، ألا أنهم كذلك قرروا عدم التقدم.
كانت شجاعة جيش المصرييين القدماء قد ألقت في قلوبهم هلع، ما بعده هلع، رغم انتصارهم المحدود، وعلي قرر "فرعو".. أن يدرب جنوده ويطور "دباباته" بدوره.
ومرت تسع سنوات من الهدوء التام.. أو شبه التام..
يتبع..
هدوء لا يخلو من الكر والفر.
وفي العام 1549، بيرسل "فرعو" رسالة ساخرة، إلي ملك مصر "سقنن رع"، أن صوت أفراس النهر في العاصمة بيؤرق مضجعه، وأنه قادم للتخلص منهم، بمجرد قطع مسافة الطريق، وهي 500 ميل تقريبًا.
وكانت الرسالة دي بمثابة إعلان حرب مباشر.
يتبع..
بيتحرك على إثرها "سقنن رع" عشان يلتقي بقوات الهكسوس، بعيدًا عن العاصمة.
قوتين من جيشين عظيمين من قبل الميلاد، بيقودهم ملكين، وبيحرك الجنود نفير بدائي، لا يتجاوز الطبول، وآلات الإيقاع.
وتحت أشعة الشمس الحادة، وفي قلب الصحراء بيلتقي الجيشان، وبتدور بينهم معركة رهيبة.
يتبع..
بيتدى فيها المصريين لدبابات العصر، بصدر عارية، وسلاح عتيق.. لا يتجاوز الدبوس - شبيه السيف - والقوس والرمح.
ومع تقدم "دبابات العصر".. بيتشتت الجنود المصريين، وبيتقدم شاب.. في الثلاثين من عمره.. أكرت الشعر مفتول العضلات، منتصب الظهر، معتدل القامة، عشان يعيد تنظيم الصفوف.
يتبع..
وكان الشاب دا هو الملك المصري "سقنن رع" نفسه، اللي بيحاول ينظم صفوفه، ويفكك تشكيلات العدو الرهيبة.. لكن في محاولته تلك؛ بيصاب ببلطة حادة، في جانب رأسه.
بيصاب "سقنن رع" ويسقط جريحًا من فوق جواده.
يتبع..
لكنه بيضغط أسنانه في شدة، كي يحتوي الألم، وبينهض واقفًا وهو بيضرب جند الهكسوس برمحه بلا رحمة أو تردد.
وبيطعن أحد الهكسوس المحارب العظيم في جانبه الأيسر، وبيهوي الملك على ركبتيه.
حتى وهو بيسلم روحه إلى بارئها ظل يقاتل.. ممسك بسلاحه، لم يتركه قط.
يتبع..
ضاغط على أسنانه كي يتحمل الألم، في الوضع اللي لقوا عليه جثته بعد آلاف السنين.
وتكالب عليه الأعداء، وأصيب بطعنة قاتلة في عنقه، خلف أذنه اليسرى مباشرة، حاول بعدها أن ينهض، لكن ساقاه تخاذلتا.. فسقط على جانبه الأيمن.
يتبع..
فركله جندي من جنود العدو، بحذائه المدعم بالبرونز في صدره ليهشم أضلاعه، ويتلقى بعدها ضربة من بلطة حادة في جبهته.. وتظلم الدنيا أمام عينيه بغتة.
و.. ويموت.
قصة رهيبة مروعة بتحكيها مومياء ملك مصر "سقنن رع" وجروحها، على منضدة التشريح.
يتبع..
حكاية رجل قرر يحمي تراب هذه الأرض بأي ثمن، ومات من أجله في ميدان الحرب.
ورغم تقدم الدبابات الرهيبة بعدها، بيقرر المصريين استعادة جثة الملك بأي ثمن، وبينجحوا في ذلك، مع انسحاب منتظم.. بيحنطوا في خلاله جثة ملكهم العظيم تحنيط سريع مقتضب.. عشان ما تتلفش أثناء العودة،
يتبع..
وبينسحبوا مرة أخرى للعاصمة ويضعوا على العرش ابنه "كاموس Kamose".
والمرة دي قرر "كاموس" قبل الاشتباك مع الهكسوس أنه يقوم بواحدة من أقدم عمليات المخابرات في تاريخ العالم.
وفي مطلع العام 1540 قبل الميلاد فوجيء "فرعو" ملك الهكسوس بمجموعة من الخونة.. منشقين عن الجيش المصري.
يتبع..
مع خونة آخرين من الفلاحين والعمال.. بيقدموا له الولاء والطاعة.. وبيمثلوا بين يديه، ويسجدوا لآلهته.
ولأن "فرعو" كان رجل حذر للغاية، فقد رحب بهم وأكرمهم.. لكنه راح يراقبهم عن كثب في اهتمام، خشية اغتياله من قبلهم.. أو الانقلاب عليه..
يتبع..
لكنه وجد أنهم غير مهتمين سوى بما يقدمه لهم من نساء، وأموال، وجواري، وخمر.. حتى أنهم راحوا يزرعون الأرض على مشارف مدينة "أمبوس" الخاضعة لسلطانه.. وقد وضعوا سلاحهم.. وأخذتهم حياة المتعة.
ولما وصلت الأنباء إلى "فرعو" بزحف "كاموس"..
يتبع..
أمر فورًا بإبعاد الفلاحين.. والجنود المصريين الخونة إلى أقصى الشمال.. تحسبًا.. كي لا ينقلب عليه أحدهم.
وأدهش "فرعو" أن أستسلم الخونة للقرار في سهولة، حتى أنهم اشترطوا ان يصطحبوا معهم ما أنعم به عليهم من جواري.. وتنهد "فرعو" في ارتياح وقد اطمأن لهم..
يتبع..
وأمر قواته بالتقدم لملاقاة "كاموس".
وتقدم "كاموس".. حتى حدود "أمبوس".. ثم عسكر وطفق ينتظر.
وهذه المرة قرر "فرعو" تلقين "كاموس" درسًا سريعًا.. فأمر العجلات الحربية بالتقدم مباشرة.
لكن الأرض غارت، وهوت.. وانغرست فيها العجلات الحربية المدرعة الثقيلة.. وعجزت عن التقدم.
يتبع..
بينما "كاموس" وجنوده من جيش مصر، يتقدمون فوق الخيول وعلى الأقدام في خفة وسلاسة ويسر.
وكانت المفاجأة القاتلة لـ:"فرعو".. أن المقاتلين والفلاحين المنشقين من مصر، لم يكونوا كذلك من الأصل.
كانوا جواسيس وجند من جيش "كاموس".. في عملية اسخباراتية ومهمة خاصة للغاية..
يتبع..
أفرغوا فيها الأرض وجعلوها هشة ضعيفة رطبة.. مما أفقد مدرعات الهكسوس فاعليتها.. وأعاق تقدمها.
واستل هؤلاء الخونة المزيفين سلاحهم بغتة، في ظهر جنود جيش الهكسوس.
وانتصر "كاموس".
ودخل الملك للمرة الأولى منذ سنين، إلى "أمبوس" ظافرًا.
ولكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن.
يتبع..
فأثناء مرور الملك المصري "كاموس" بين قتلى الجنود الهكسوس، فاجأه أحد جرحاهم الذي تظاهر بالموت.. وطعنه بغتة، بطعنة رمح قاتلة، سلبته حياته في ليلة نصر جميلة من العام 1549 قبل الميلاد.. لتسيل دماؤه ويسلم الروح فوق تراب مصر..
يتبع..
قبل أن ينقض الجنود المصريين على ذلك الهكسوسي الجريح، ليمزقوه إربًا.
ومرة أخرى عاد الجيش للعاصمة طيبة، عشان يضع على العرش ملك جديد لمصر، في العام نفسه.
ابن "سقنن رع" وشقيق "كاموس".. اسمه يعني "ابن القمر".. الملك "أحمس الأول".
يتبع..
ودرس الملك "أحمس" طرق الهكسوس وأساليبهم وتشكيلاتهم العسكرية في إمعان واهتمام.. ثم استغرق وقته في التفكير، قبل أن يصدر قرارًا استخباراتيًا عجيبًا.. لم يصدره ملك من قبل.
كان "أحمس" يدرك تمامًا أنه مش في كل مرة ينفع يبعت ناس تعمل نفسها خونة وتفرغ الأرض.
يتبع..
وإنه "من الغباء" تكرار نفس الخدعة.. فالمرة دي قرر قرار فريد من نوعه.
قرار بتحديث الجيش المصري بسلاح جديد.
سلاح "الدبابات". السلاح نفسه اللي بيمتلكه العدو.
وبمجرد أن اختمرت الفكرة في ذهنه.. أصدر "احمس" قراره، بتنفيذ عملية استخباراتية خاصة.
يتبع..
لاحضار تصميم العجلات الحربية أو أسر واحدة.. من قلب جيش الهكسوس نفسه.
وتلقى رجال المخابرات المصريين وقتئذ الأمر.. أول رجال مخابرات في التاريخ.. وقرروا بحث طريقة تنفيذه.
يتبع..
وبعد دراسة وسهر وتفكير عميق، توصل الرجال للطريقة، اللي يتمكنوا بها من الحصول على تصميمات السلاح المدرع الرهيب.
تلك الطريقة العبقرية.. اللي الحديث عنها يطول.
شكر خاص للدكتور علاء حموده صاحب هذه السلسله الممتعه?
ويبقى للحديث بقية.
?الجزء الثاني
كانت فكرة رجال المخابرات المصريين، اللي نفذوها، لإحضار تصميم دبابة العصر.. العربات الحربية.. معتمدة على فرع من أفرع الجيش.
قسم عسكري مصري آخر عتيق، يعتبر بلا منازع هو أول أجهزة الاستخبارات في التاريخ. قسم المخابرات الحربية والاستطلاع.
يتبع..
وكان دور رجال الاستطلاع قديمًا محصور في استطلاع تحركات العدو ورصدها ثم لم يلبث أن تطور عشان يتحول إلى وحدة عمليات خاصة رجالها مبتأديش دورها في الاستطلاع وحسب بل ممكن يتسللوا إلى ما خلف خطوط العدو وينفذوا عمليات أو يشتبكوا مع طلائع جيوش الأعداء كرجال الكوماندوز في عصرنا.
يتبع..
وتلقف رجال الاستطلاع والعمليات الخاصة المهمة.. وبدأ العمل.
وكانت الاشتباكات مش بتتوقف مع الهكسوس، ودا دفع الرجال للتحرك في سرعة، فتقدموا بالقرب من "أمبوس".. لكن الهكسوس هجموا عليهم بغتة بالعربات الحربية الثقيلة.
معندناش تفاصيل بالضبط للمعركة دي..
يتبع..
لكن بتنتهي بانسحاب قوة الاستطلاع المصرية من دون أن تحصل على تصميم العربات الحربية، لكن بتحصل على شيء آخر.. أكثر أهمية وخطورة.
ووصلت للملك "أحمس" رسالة قصيرة حفظها لنا التاريخ بنصها.
رسالة مقتضبة تقول:
"أسرت عربة حربية من أجل الملك".
الرجال أسروا عربة كاملة سليمة✋
يتبع..
لم يصبها خدش واحد، ورجعوا بيها.. عشان يتلقفها المهندسين والخبراء العسكريين في اهتمام.. ويبدأوا في دراستها تحت إشراف "أحمس" شخصيًا.
وظهرت أول عربة حربية مصرية للوجود.
لكن كان في مشكلة أخرى.
السلاح دا.. دبابة العصر دي.. أول مرة تقع في إيدينا.
يتبع..
ولو على استخدامها فالهكسوس خبراء فيها، وعندهم نقطة تفوق.. فكان من الضروري، أن العجلة دي تحمل خاصية جديدة، مش موجودة في عربات الهكسوس الحربية.
وبدأت خطة التطوير تشمل جميع الأفرع العسكرية، وراح سلاح المهندسين يعمل بلا كلل..
يتبع..
ولأول مرة، اتزودت رؤوس السهام بقطع من الفولاذ بدل الخشب، وتم استبدال أوتار القسي، عشان تبقى أقوى وتطلق السهام زي الرصاص، فتخترق دروع البرونز.
وكانت التعديلات دي محتاجة إن الجنود تتدرب عليها، وهو ما تم بالفعل، وفضلت الدبابة.. العربية الحربية هي المعضلة..
يتبع..
والمهندسين والخبراء العسكريين بيبحثوا التعديل اللازم.. اللي ممكن يمنحها ميزة عن عربات الهكسوس.
وفي العام 1583 قبل ميلاد المسيح، كان بيتقدم شاب عمره 20 سنة، اسمه "أحمس"، على رأس جيش، نحو عاصمة الهكسوس، على أراضي محافظة "الشرقية" النهاردة، واللي كانت محتلة وقتها.
يتبع..
وكان "أحمس" للمرة الأولى بيقود عربة حربية.
عربة بدت مختلفة اختلاف طفيف في تصميمها لكن شبه عربات الهكسوس بشكل عام.
وبدأ الهكسوس يستعدوا للمعركة ووسط الغبار والعرق وصوت طبول الحرب بيلتحم الجيشان.
وبيفهم الهكسوس متأخرًا جداً التطوير اللي اتعمل علي العربة الحربية المصرية.
يتبع..
تطوير بسيط للغاية، لكنه عبقري مبهر.
مهندسي الجيش في مصر القديمة قاموا بتخفيف وزن العربة، بدون أن تخسر تدريعها القوي ومنحوها قاعدة أعرض بعض الشيء للاتزان وحسب.
فكرة تبدو بسيطة ومش خطيرة، لكن في ميدان المعركة كان الفارق الرهيب واضحًا.
دا لأن "السرعة" في ذاتها عنصر تفوق.
يتبع..
وانطلقت الدبابات المصرية تقاتل وتناور كفهود سريعة على عجلات، وبدت العربات الحربية الهكسوسية جوارها كسلاحف ثقيلة، تجر نفسها جرًا.
وانهزم الهكسوس للمرة الأولى هزيمة نكراء مروعة، حتى أنهم فروا من عاصمتهم "أواريس" - صان الحجر بالشرقية - إلى الدلتا.
يتبع..
ومع دخول عاصمتهم، أمر "أحمس" بتدمير كل حجر وضعه الهكسوس، وظل يقوم بذلك ويمحي آثارهم في كل مدينة يطاردهم فيها، حتى فروا في النهاية إلى فلسطين، وتحصنوا بحصن "شاروهين" المنيع في غزة.. فضرب عليهم حصار طويل، لحد ما استسلموا واقتحمه عام 1580 قبل الميلاد.
يتبع..
ودي كانت نهاية الهكسوس من على وجه البسيطة، ومظهروش بعد كده في التاريخ مطلقًا مرة ثانية.
ومع قفزة هائلة بنوصل للعام 1336 ق.م.. لـ"اخناتون".. اللي كان بعيد عن الحياة العسكرية، أقرب لفيلسوف، سارح في ملكوت الأديان، وكل ما يفعله هو احتفال أو مهرجان ديني من آن لآخر.
يتبع..
فبدأت البلاد تضربها الفوضى، وتراجعت أهمية رجال الاستخبارات للدرجة القصوى، وعليه وبسبب سياساته المتخاذلة.. بدأت مصر تفقد اراضيها في آسيا.
وراح حكام المدن التابعين للدولة المصرية يراسلون "إخناتون" طلبًا للنجدة من الغزاة، أو يطلبوا أنه يمدهم بجند أو ذهب.. دون جدوى.
يتبع..
الرسائل دي حفظها التاريخ باسم "رسائل تل العمارنة"
وفقدت مصر اللي كانت حدودها ممتدة إلى قلب آسيا مساحات شاسعة من الأراضي.
والغريب وكأن التاريخ بيعيد نفسه أن الغزاة اللي دخلوا يحتلوا أراضي الشام التابعة للدولة المصرية دول كانوا من الأناضول!
قوم اسمهم "الحيثيون Hittites".
يتبع..
سعوا للتمدد والتوسع ونهب خيرات الشعوب عن طريق الغزو.
وبعد سنوات طالت.. نجح
"سيتي الأول Seti I" أن يرجع نفوذ الدولة المصرية لحد قادش في سوريا.. وبيعقد مع الحيثيين معاهدة، بيقروا بيها بسيادته على الأراضي دي، شاملة مدينة قادش.
وبعدين بيجي "رمسيس الثاني"، ابن "سيتي الأول"..
يتبع..
وبيتجاهل المعاهدة تمامًا.. وبيقرر يسترد كل الأراضي اللي كانت تابعة للدولة المصرية بالقوة.
وبيتقدم "رمسيس " بالفعل على رأس أربع فيالق ضخمة من الجيش، فيلق "آمون"، وفيلق "رع"، وفيلق "بتاح"، وفيلق "ست".. وبيعسكر في قادش.
يتبع..
وهناك بيدخل عليه اتنين من البدو، بيزعموا أنهم هاربين من جيش الحيثيين، وبيطلبوا حمايته.. وبيخبروه أن العدو معسكر في حلب.
بيصدق "رمسيس" وبينهض وبيتحرك في حماس غير مدروس، إلى شمال قادش، وبيعسكر، وينتظر بقية الجيش يحصله.
يتبع..
لكن في التوقيت دا بالذات، بيقبض رجال الاستطلاع المصريين، على مجموعة من جنود الاستطلاع الحيثيين.. وبعد استجوابهم.. بيتضح أن البدو دول مجرد جواسيس، ومعلوماتهم مزيفة، وماهي إلا خدعة استخباراتية.. وإن الجيش الحيثي متمركز بالكامل في قادش.. ومحضر لـ"رمسيس" كمين قاتل.
يتبع..
وهجم الحيثيون على "رمسيس" هجوم مباغت ودمروا فيلق رع تدمير تام وقطعوا الطريق بينه وبين بقية فيالق الجيش فتقدم رجال الاستطلاع في عملية انتحارية وعبروا جيش الحيثيين ودرسوا الأرض جيداً ثم عادوا إلى "رمسيس" بمعلومات عن ممر ضيق يمكن من خلاله تطويق الحيثيين وانتظار بقية الجيش.
يتبع..
وبينفذ رمسيس الخطة بالفعل وبينجح فيها وبتضم عليه بقية قواته وبيرفع الحيثيون الراية البيضاء وينتصر.
العمليات الاستخباراتية دي تختلف قطعاً عن العملية اللي تسببت لاحقاً بعد قرون في سقوط إسبرطة الإغريقية أو الإسكندرية المصرية ودول نتكلم عنها مع عمليات أخرى لاحقا.
ويبقى للحديث بقية✋
? الجزء الثالث
ملك مصر "أحمس الثاني" كان عنده رجل عبقري اسمه "فانيس" الراجل دا كان من أصول يونانية، اتعلم وكبر في مصر وبقى خبير استراتيجي بمعنى الكلمة وعارف كل كبيرة وصغيرة عن كل شبر من أرض مصر بيعرف يطور حافظ خرايط وتضاريس الأرض بيفهم في العسكرية والمالية وشؤون الحكم.
يتبع..
بيترقى لحد ما بيبقى مستشار الملك.
في يوم بيطمح "فانيس" بالجلوس على عرش مصر نفسها، فبيطلب الزواج من بنت "أحمس الثاني"، لكن البنت بترفض.. فبيحاول يخلي والدها يرغمها على الزواج.. وقطعًا بيرفض.. فبيسرق المستشار بضعة متعلقات من خزانة الملك، ويهرب إلى بلاد فارس.
يتبع..
وهناك.. في "فارس"، اتقرب "فانيس" من الملك الفارسي "قمبيز الثاني Cambyses II"، وعلمه حاجات كتير، كتير جدا.. طور له الجيش.. ساعده يقضي علي حالة التفكك والقلاقل اللي عنده و قدم له كل معلومة يعرفها عن الجيش المصري وبدأ يكون له كتائب مدربة على الحديث باللغة واللهجة المصرية.
يتبع..
ودمج له أسلحة الجيش المصري مع جيشه..وعمل له نهضة رهيبة مفاجئة..
وبعدين حرضه على إنه يطلب بنت "أحمس" للزواج..!
.طبعًا اترفض الطلب، فبقت دي حجة للفرس للزحف على مصر.
بيتحرك الجيش عشان يلتقي بالفرس.. وزي ما قلنا، "فانيس" كان كون كتائب فارسية بتتكلم باللغة المصرية..
يتبع..
اتربوا عليها منذ نعومة أظفارهم.. و كانوا بيلبسوا ويتكلموا وحتى بيناموا ويحلموا زي المصريين، بس هم أصلا فرس وولائهم لبلادهم.. بيجهز منهم 60 ألف... وعبر دروب جبلية ودهاليز عارفها كويس.. بيبعتهم يحيطوا بالجيش المصري من قمم الجبال ومن الخلف و الجانبين..
يتبع..
قائد القوات المصرية بيلتقي بقائد القوات دي و بيستوقفه في صرامة، و بيسأله عن هويتهم.. مين دول وجم منين.. فبيقول له قائدهم بلغة مصرية سليمة إنهم بعثة إضافية.. أرسلها الملك "بسماتيك الثالث"، وبيبرز له صك بردية يؤكد دا.. ممهور بختم مستحيل التزوير وقتها..
يتبع..
ختم ملكي كان "فانيس" سرقه قبل هروبه من مصر و لم ينتبه إليه أحد..
الصك دا بيسمح للدخيل الفارسي إنه يعسكر بقواته حوالين وفوق القوات المصرية.. لحد ما بتيجي القوات الفارسية السافرة في المواجهة.. وقبل الهجوم مباشرة، بيفاجأ المصريين بفرق المساندة اللي ظنوا انها تابعة لهم.
يتبع..
وبتحمل اختام الملك ولابسة نفس لبسهم و بتتكلم لغتهم و مسلحة تسليحهم.. بتذبحهم بلا سابق إنذار مع هجوم الفرس.. و مابقوش عارفين مين ضد مين و مين مع مين.
بيتهزم الجيش ويباد تمامًا، بيموت 49 ألف جندي، و بيفضل ألف جندي فقط من الجيش كله بسبب الخيانة المباغتة دي.
يتبع..
بينسحبوا إلي "ممفيس".. بيبعت لهم ملك الفرس 4 سفن محملة بالجنود والرسل، بيطلب منهم الاستسلام، فبيصعدوا على متن السفن، ويذبحوا الفرس اللي عليها بالكامل..
بيثور ملك الفرس، و بيهاجم ممفيس ويقتلهم.. ماعدا بضع مئات قدروا يهربوا..
يتبع..
فبيقتل مقابل كل فارسي مات من البحارة المقاتلين والرسل 10 من المصريين الأبرياء و بيأسر "بسماتيك الثالث" ويحكم مصر فعليًا.
وبتسقط مصر في إيدي الفرس، عدا بضعة من رجال جيشها وخبراء استخباراتها، قسموا أنفسهم إلى قسمين هرب بعضم إلى أقصى الشمال، بين جزيرة فاروس أو "الإسكندرية"
يتبع..
وبين "مرسى مطروح" كما نعرفها اليوم.. والآخرين لجنوب الصعيد حتى النوبة، وذابوا وسط الناس، وراحوا يدربون الصيادين والفلاحين على القتال سرًا، ويؤسسوا أنوية لخلايا مقاومة.. راحت تكبر وتكبر.
القصة سجلها التاريخ إن "قمبيز" ملك الفرس بعدما دخل مصر.
يتبع..
تترست النوبة مع أهلها و أغلقت عليها أسوارها أمام الفرس. ولأن جنوده منهكين، قرر يرشي النوبيين.. فارسل لهم هدايا لا تقدر بثمن مقابل استسلامهم..
لكن حاكم النوبة بيرد الرسل بالهدايا و بيطلب منهم يوصلوا رسالة لـ"قمبيز": "عد إلينا عندما يقوى جيشك.. وتستطيع قتالنا"..
يتبع..
عبارة كريهة مستفزة بتخليه يتغاظ، فبيزحف "قمبيز" على النوبة، و بيحاصرها..
لكن مابيخترقهاش أبدا.. يوم ورا يوم.. و الأيام أصبحت أسابيع.. ثم صارت شهور.. و دفاعات النوبة صامدة، وبدأ جنود الفرس ينهكوا من حر الصحراء نهاراً و بردها الرهيب ليلًا.. و انتهت مؤنهم..
يتبع..
و بدأ الجنود ياكلوا الحيوانات و القوارض و الأعشاب والحشائش الصحراوية والحشرات والعقارب.
ثم بدأوا يفترسوا بعضهم البعض.
الأول بدأوا بجثث من ماتوا منهم.. و بعدين بدأوا يقتلوا الضعفاء منهم و يأكلوهم.
إذا كان دا الوضع قبل ما يقتحم النوبة فإيه اللي حيحصل ساعة القتال نفسها؟
يتبع..
بيضطر "قمبيز" يلغي الحملة ويعود أدراجه.. وكان قد أرسل بالتوازي حوالي 50 الف جندي إلي سيوة، لإخضاع أهلها و تدمير معابدها.. فبيرجع و يستفسر عن الحملة دي.. وإيه اللي نفذته وحققته من أهداف.
لكن حملة سيوة كانت التقت برجال المقاومة، في كمين مباغت مخيف.
يتبع..
وثارت عليهم كذلك الصحراء بعواصفها ورمالها، ولم يعد منهم أحد حتى إن "قمبيز" لم يعثر على جثثهم قط.
ومع الانتصارات المتتالية بدأ رجال الاستخبارات المصريين بالتعاون مع الكهنة ينشروا خبر حقيقي أهدته إليهم الأقدار، من شأنه أنه يرفع معنويات المصريين ويضرب معنويات العدو في مقتل.
يتبع..
وفي الحرب النفسية، كل المهارة هي أنك تستخدم "أحداث حقيقية".. لو استخدم شائعة، حتتضح كذبتك عاجلًا أم آجلًا لكن الحقيقة المجردة هي اللي بترفع المعنويات أو تهدمها بالفعل.
وكان الخبر اللي استغله رجال الاستخبارات المصريين وقتها، أول أستاذة حرب نفسية في التاريخ، هو خبر حقيقي.
يتبع..
بسيط للغاية عن ميلاد حيوان عادي، من جنس البقر.
مع عودة "قمبيز"، وجد المصريين بيحتفلوا بهزيمته في النوبة وسيوة، قبل حتى ما تصل الأخبار بالهزيمة.. فلما استدعى حكام "منف" من الفرس، وسألهم إزاي المصريين عرفوا بهزيمته قبلما يعرف هو نفسه.. حكوا له قصة عجيبة..
يتبع..
اللي عرفوه من عامة المصريين.. هو إن الرب "بتاح" بيرسل للمصريين بشرى من الإله الأعظم لما عدوهم يبقي حينهزم الإشارة دي بتتمثل في ميلاد عجل بقر صغير، لا تحبل أمه بغيره، بينزل ليوم ميلاده برق من السماء حتى لو كان الوقت صيفًا.. والعجل دا أسود اللون كله، عدا مثلث ابيض في جبهته.
يتبع..
شعر ذيله شديد الكثافة؛ وفي علامة بيضاء على ظهره أشبه بالنسر، وهي إشارة من الرب "حورس"، بتعني إن النصر قريب..
العجل دا اسمه "عجل آبيس"...
بيرى "قمبيز" بنفسه التخاذل والقلق والرعب في وجوه رجاله، بعد العملية النفسية الناجحة دي، وغاضبًا.. بيطلب "قمبيز" من رجاله.
يتبع..
يجيبوا له الكهنة المصريين ومعاهم العجل ده، و لما بيمثلوا أمامه، بينتزع سيفه و بيهم بقتل العجل، فبيحذره كبير الكهنة في انفعال، بأنه إذا قتل عجل آبيس، فسوف تصيبه لعنة "بتاح"، ويلقي حتفه بنفس الطريقة اللي حيقتل بيها العجل.
يتبع..
لكن "قمبيز" مابيهتمش و بيطعن العجل الصغير طعنة مؤلمة في فخده، و بيرفع النصل المدمم للكاهن وبيسخر منه ومن الرب اللي بيرسل بشرى حيوانية من لحم ودم، ثم بيأمر رجاله فبينهالوا ضرب علي الكاهن، و بيرموه برا مع العجل و الإثنين مصابين متألمين.
يتبع..
بياخد كهنة مصر العجل و بيحاولوا يعالجوا جرحه، لكن الجرح اتلوث و اصابته الغرغرينا، وبيموت "عجل آبيس" بعد عذاب أليم، وخوار يمزق نياط القلوب، وبيدفنه الكهنة سرًا.
وانحدرت معنويات المصريين للصفر.
لكن اللي بيحصل له بعد كده كان عجيب بالفعل..
يتبع..
و اتسجل تاريخيًا كواقعة مش مفهومة في آلاف المراجع.. واستخدمه المصريين وقتئذ كعملية نفسية رهيبة، ضد الفرس، هبطت بمعنوياتهم للصفر.. أو للدقة، إلى ما تحت الصفر.
فبعد عام تقريبًا، من قتله للعجل، كان "قمبيز" على مشارف بلاد فارس وسط جنود وموكبه وعلى ظهر جواده.
يتبع..
لما بيقرر يترجل عن الجواد للراحة والطعام، وبعد انتهاء الراحة، وهو بيركب الحصان، بينغرس نصل سيف "قمبيز" بدون قصد في فخذه هو نفسه.
وعلى الفور بيهرع أطباء الفرس ويطهروا ويضمدوا جرح "قمبيز".. وبيعود إلى قصره في هدوء بدون مشاكل.
لكن بعد يومين..
يتبع..
وزي ما حصل للعجل بالضبط، اتلوث جرح "قمبيز".
وبرضه أصابته الغرغرينا .
و تصاعدت الحمى إلي رأسه.. وبدأ يهلوس ويفقد عقله الواعي، ويصرخ متحدثًا عن رؤى مجهولة، عن "أنوبيس" رب الميزان والتحنيط، وهو بينتزع قلبه ويضعه على الميزان ثم يلقي به في الجحيم الأبدي حيث العذاب الأليم..
يتبع..
وبعد معاناة هائلة، وكوابيس مفزعة، بيموت "قمبيز" بعد عشرين يوم بالضبط من إصابته، غارقًا في العذاب والحمى والهلوسة.
ومع انتشار الخبر المخيف، انحدرت معنويات الفرس في شتى بقاع إمبراطوريتهم... وهنا كانت الفرصة الذهبية لعملية استخباراتية جديدة.
يتبع..
فنشط رجال مصر، وييمموا وجوههم شطر حليف جديد، بيخوض حرب ضد الفرس، وينقلوا له خبراتهم ومعارفهم.
اليوم الرابع من شهرأغسطس، من العام 480، قبل ميلاد المسيح أراضي اليونان المفككة المشتتة إلى دويلات صغيرة و300 جندي من إسبرطة اليونانية خارجين يتصدوا لأكبر جيوش الأرض عددًا وقتها.
يتبع..
جيش الفرس.. بقوات قيل أنها كانت 400، أو 600 أو 800 ألف، وقال هيرودوت أنهم كانوا مليون جندي فارسي.
عشان الجيش الفارسي الهائل يمر لليونان كان لازم يعبر ممر جبلي ضيق على حدودها، اسمه ممر ثيرموبولي المعركة دي حيتوقف عندها التاريخ ويدونها بالاسم دا..
يتبع..
معركة "ثيرموبولي Battle of Thermopylae".
كان مجلس شيوخ إسبرطة من الأصل هو المنوط بإعلان الحرب،والمجلس رفض، وقرر اللجوء للمفاوضات، فاتخذ المك قراره، وخرج من البلاد مع 300 مقاتل، عشان يحموا الحدود لوحدهم.. حينضم لهم فيما بعد حوالي 3000 أو 5000 يوناني.
يتبع..
لكن العدد كان لازال لا يقارن بالنسبة لجيوش الفرس.
مقاتلي إسبرطة في المعتاد، كانوا تشكيلات "مشاة ثقيلة heavy infantry".. دروعهم مزيج من النحاس و البرونز و الحديد، و من الداخل مصنوعة من خشب البلوط ووزنها 18 كيلوجرام.. كان الجندي بيلبس خوذة تقيلة بتبين عينيه و أنفه بس..
يتبع..
ساعديه و ساقيه متغطيين بالبرونز و شايل رمح و سيف...
رمح الإسبرطي كان ثقيل و مصنوع من خشب لا يطفو في الماء.. وزنه 12 كيلوجرام تقريبا و له حد معدني أمامي و حد خلفي.. و السيف كان وزنه 8 كيلوجرامات تقريبا.. قصير لكن قاتل...
يتبع..
طبعا عشان الجندي يشيل مجموع الوزن دا كله و في نفس الوقت يتحرك و يقاتل و ينحني و يتفادي و ينطلق.. كان هو نفسه لازم يبقي قوي للغاية.. بالدروع و السلاح اللي شايله، كان جندي مشاة إسبرطة، عبارة عن دبابة بشرية حية...
تشكيل الإسبرطيين كان اسمه "التشكيل السلامي The phalanx"
يتبع..
أو "الفلنكس".. تشكيل عسكري مربّع.. الكلمة مالهاش أصل عربي و متعربة إلي "سلامي" بمعني "مصطف كسلاميات الأصابع". الدروع بتستند على بعضها البعض، زي حراشف الثعابين، فتبقى مستحيلة الاختراق تقريبًا.. باختصار.. التشكيل الإسبرطي كان غابة معدنية ثقيلة، من الحراب والدروع.
يتبع..
بيقف الـ300 جندي في ممر "ثيرموبولي" بالعرض.. التقديرات بتقول أنهم كانوا 6 صفوف.. 50 رجل في كل صف.. وينتظروا قوات الفرس في الممر، الممر مينفعش يعديه قوات كبيرة، بيعدوا صف ورا صف، ويصطادهم الإسبرطيين موجة وراء موجة. ولما ينهك الصف الأول من رجال إسبرطة، يتراجع للخلف.
يتبع..
ويتقدم الصف الثاني وبعدي الثالث وهكذا.
وبدأت خسائر الفرس تزداد، واهتزت الثقة وحل القلق في النفوس وانهارت المعنويات، فقرر ملك الفرس اللجوء لخدعة استخباراتية، تؤمن له النصر المبين.
حظ يده على رجل من نخبة اليونان، أحد الساعين للثراء السريع، وكان خبير بطرق المنطقة ودروبها.
يتبع..
واتفقوا على أنه يدله على أي طريق، يحيط به رجال إسبرطة، ويقدر يقتلهم ويعبر.
تمت الصفقة في هدوء، وقبض الجاسوس الثمن على خيانته، واتحاصر الإسبرطيين الشجعان بقوات فارسية هائلة، من أماكن مرتفعة، أمطرتهم بمئات الآلاف من السهام، وتمزق تشكيلهم القوي العصي على الاختراق.
يتبع..
وماتوا عن بكرة أبيهم في ميدان القتال.. وبقى الطريق مفتوح إلى قلب اليونان.. وبيتحرك الفرس إلى الضحية التالية.. أثينا.
لكن العملية دي كان لها أثر بالغ الخطورة.. لأن المصريين استغلوا العملية الاستخبراتية الفارسية ضد إسبرطة، واثناء توجه السفن الفارسية إلى "ماراثون" في أثينا.
يتبع..
كان رجال المخابرات المصريين القدماء قد وصلوا بالفعل إلى "ثيموستكليس"، بطل أثينا، وقدموا له خطة مبهرة، انطوت على خدع مخابراتية عجيبة لم يسمع مثلها قط، تؤمن له الانتصار على الفرس.
الخطة دي لولاها، و لو كمل الموضوع دا للفرس على خير كانت انقرضت فكرة الديموقراطية من العالم.
يتبع..
ويمكن مكناش نسمع النهاردة اصلا عن بلد اسمها "اليونان".. وكانت بقت تاريخ مندثر زي يوغوسلافيا.. وربما ساد الفرس لقرون طويلة.
والخدع دي نتكلم عنها لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية✋
?الجزء الرابع
"ثيميستوكليس Themistocles" كان بيخطط للدفع بأسطول أثينا، لمواجهة قوات الفرس، بينما هي في عرض البحر، بعيدًا عن الأرض، فطلب منه المصري إرسال جاسوس، يعرف عدد سفن الفرس وعتادهم.
وبالفعل، بتمر بسفن الفرس سفينة تجارية، بتحمل نبيذ يوناني فاخر.
يتبع..
وأثناء توقفها لبيع النبيذ، بيتسلل منها رجل يوناني، يجيد الفارسية، هو الذراع الأيمن لـ"ثيميستوكليس Themistocles"، ويختفي وسط طاقمها.
وبعد بضعة ليال، اقتربت فيهم سفن الفرس من شاطيء ماراثون اليوناني، لعدة أميال بحرية، بيقفز الجاسوس اليوناني من السفينة الفارسية.
يتبع..
القائدة إلى البحر سرًا، وبيسبح عدة كيلومترات، لحد ما بيلتقي بقارب كان في انتظاره حسب الخطة، ليعود به للشط.
ومع المعلومات اللي تدفقت على آذان "ثيميستوكليس" - القائد الميداني الذي تمت ترقيته بشكل مرتبك مرتجل ليقود الجنود ويموت بدل ملك أثينا - وصديقه المصري.
يتبع..
صار الأمر في غاية الوضوح.. أثينا لن تقدر على خوض معركة بحرية ضد سفن الفرس قط، وسيتحطم أسطولها ويغرق، بعد ساعة أو أقل من بدء القتال.. أمام السفن الفارسية الهائلة، وتسليحها الرهيب.
ثم جاءت الخطة المجنونة. لابد أن يسمح "ثيميستوكليس" لسفن الفرس بالرسو على شاطيء ماراثون.
يتبع..
وعمل إنزل بري للجنود والعتاد!
لابد أن النقاش استغرق عدة ساعات عصبية ثار فيها "ثيميستوكليس" عشرات المرات قبل أن يوافق في نهايته، ويمنح كلمته للمصري بالموافقة على أمر آخر بالسماح لكتيبة مصرية خاصة تعسكر على مقربة منهم بالاشتراك في القتال كنوع من التدريب وشحذ الهمم والقلوب.
يتبع..
واقترب الموعد، ورست سفن الفرس تحت قيادة قائد الجيش الجنرال الفارسي "آرتافرنس Artaphernes"، شقيق ملك الفرس.
وكان الشاطيء خاوي خالي من أي أثر لأية حياة، وبدأ الإنزال، وراح جنود الفرس ينصبون الخيام، ويشعلون النيران، ثم تناولوا طعامهم بالفعل، وكادوا يخلدوا للنوم.
يتبع..
حين هجم "ثيميستوكليس" بغتة، برجاله المتحفزين، على جند الفرس الذين أرهقهم سفر البحر الطويل، وأتخمهم الشبع، وغزاهم النوم.
وانتصر "ثيميستوكليس" في ماراثون. انتصر انتصار ساحق، قفز به من مجرد جندي، إلى قمة القيادة السياسية، ومركز صنع القرار.
يتبع..
وكان أمام "ثيميستوكليس" مهمة جديدة، هي جزء من الخطة، أن يوحد أساطيل وجيوش اليونان كلها ضد الفرس.
وانطلق بطل أثينا في مهمته، وراح جواده يعدو به من مدينة إلى أخرى، وأرسل عشرات الرسل، إلى شتي أنحاء اليونان، وأطلق العشرات من الكتاب والأدباء والشعراء الأثينيين.
يتبع..
يتغنون ببطولة معركة ماراثون.. ويدفعون الحماس إلى القلوب.
ولكن قبل أن يتم له ما أراد، وتتوحد اليونان كلها، كان الفرس يعدون لحملة ثانية، تتجه إليه بالذات، انتقامًا من هزيمة معركة ماراثون.
وابتسم رجل الاستخبارات المصري، قرابة الخمسمائة عام قبل الميلاد.
يتبع..
وطمأن "ثيميستوكليس" بأن لديه ما يمكنه من تعطيل حملة الفرس، حتى ينتهي من توحيد اليونان.
واثناء إعداد الفرس لحملتهم الرهيبة ثارت مصر بغتة. ثورة غنيفة، ضربت كل شارع من شوارعها ضد حكم الفرس وحمل كل من يكمنه حمل السلاح ما وجد في طريقه من رمح أو خنجر، أو جحتى فأس أو عصا خشبية.
يتبع..
وتوقفت حملة فارس، وتوجه جل جهدها وجندها نحو مصر لقمع تلك الثورة العنيفة، مما منح لليونان فرصتها للتوحد، لتصد حملة الفرس الثانية بالفعل.
ومع هزيمة الفرس في اليونان، بدأت تهتز سمعتها، في شتى أرجاء إمبراطوريتها، فراحت مصر واليونان تدعمان أهل الأناضول - تركيا الحالية *
يتبع..
بسيل لا ينضب من المعلومات والتقنيات والخطط، لإضعاف الفرس وهزيمتهم.
وكان كهنة آمون في مصر، يتحدثون عن نبوءة غامضة عن أسطورة منسوبة للرب حورس، عن أحد أبناء آمون، لم ينهزم في معركة قط طيلة حياته، الذي سيأتي من الشرق من وراء البحر، ويحرر مصر من الفرس..
يتبع..
وظل الناس يتناقلون النبؤة طويلًا.. ويكافحون الفرس ويقاومونهم جيل بعد جيل، واستغرف الأمر طويلًا، حتى جاء رجل، من وراء البحر، لم ينهزم في معركة طيلة عمره.. ليكتسح الإمبراطورية الفارسية تمامًا تحت سنابك خيول جيشه الهائل في "معركة جرانيكوس Battle of the Granicus".
يتبع..
ثم راح يتقدم نحو مصر من الشرق بالفعل ليسقط حاميات الفرس واحدة بعد الأخرى حتى وصل إلى الفرما.
وكان الرجل دا اسمه "الإسكندر الأكبر" المقدوني.
بيوصل الإسكندر إلى "الفرما" بوابة مصر الشرقية، عند بورسعيد النهاردة ونفس المكان اللي انتصر فيه الفرس على المصريين بالغدر والخيانة.
يتبع..
وفي خريف العام 332 قبل الميلاد، بيدخل "الإسكندر" مصر عبر "الفرما" مكتسحًا قوات الفرس، وبيستقبله المصريين استقبال الأبطال، باعتباره صاحب النبوءة، وولد آمون المذكور فيها.. واستقر الإسكندر في مصر، وبنى مدينة الإسكندرية، اللي قدر لها أنها تكون عاصمة ومقر للحكم لعدة قرون.
يتبع..
وبعد عدة قرون، بييجي "عمرو بن العاص" من شبه الجزيرة عشان يغزو مصر، وكان في فئة من أهلها دخلوا الإسلام بالفعل، وفئة ظلت على المسيحية.. الفئة الأولى رحبت بقدوم "عمرو".. والثانية عارضته بعنف، وقررت الدفاع عن الأرض، ودا دخل الفئتين في اقتتال أهلي، مكنه من غزو مصر بسهولة.
يتبع..
عشان يقف عند أسوار المدينة الثابتة الأخيرة، اللي استعصت عليه.
نفس المدينة اللي بناها الإسكندر منذ عدة قرون وتحولت لميناء ومركز تجاري عالمي وثكنة عسكرية ومطمع للطامعين في دخول مصر من بوابة الشمال,
الإسكندرية.
واقترب "عمرو بن العاص" من أسوار الإسكندرية، فقصفته بالمنجنيق.
يتبع..
فتراجع بعيدًا عن مرمي المجانيق، وعسكر أمام اسوارها المنيعة وبوابتها الحصينة.
وطال حصار "عمرو بن العاص".. وأُنهك جيشه، واختلط الحصار بالترقب والقلق، فكانت الإسكندرية تفتح أبوابها، وتخرج منها غارات عنيفة، تهجم على جيشه، وتستدرجه إلى مدى المجانيق والسهم.
يتبع..
وازدادت الغارات شدة وتعاقبًا، حتى أنه أمر بصلاة الخوف للمرة الأولى، وهي صلاة خاصة، يصليها المسلمين إذا ما شعروا بالخطر فتصلي مجموعة خلف الإمام وتحرسها المجموعة الأخرى بالسلاح ثم يتبادلون الأدوار.
ومن المدينة المنورة، أرسل الإمام "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه، في صبر نافد.
يتبع..
يتساءل عن استغراق "عمرو" في دخول الإسكندرية كل هذه الأشهر الطويلة.. خاصة وأنه لم يبخل عليه بمال أو عتاد أو جند، فقرر "عمرو بن العاص" داهية العرب، اللجوء لخدعة استخباراتية، تفتح له أبواب الإسكندرية.
ففي عملية لتبادل الأسرى، أرسل "عمرو" بضعة من المصريين، الموالين له.
يتبع..
والمرحبين بقدومه والمتعاونين مع جيشه، باعتبارهم أسرى، دخلوا إلى الإسكندرية، واقاموا بها لبعض الوقت.. ثم راحوا يقنعون حرس البوابات بفتحها، وأخذوا يحدثونهم عما ينتظرهم من عفو ومزايا.. ومع الإلحاح المستمر..
يتبع..
ضعف حارس أحد البوبات، واسمه "مينا بن بسامة".. وطلب الأمان له ولأسرته إذا ما انصاع للأمر، وبلغت الرسالة "عمرو بن العاص".. فأمن الرجل على حياته وحياة أسرته.
وانفتحت أبواب الإسكندرية أمام جيش "عمرو" بالفعل.
يتبع.
مكانتش دي العملية الاستخباراتية ولا الخدعة الوحيدة اللي مرت بها الإسكندرية فبعد عدة قرون أخرى في 9 أكتوبر 1365.. بيتوقف التاريخ عشان يدون لنا يوم لا ينسى.. يوم سقطت الإسكندرية.. وتحولت إلى أطلال محترقة.
لكن القصة دي الحديث عنها يطول.. فنكمل كلامنا لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية✋
?الجزء الخامس
8 أكتوبر 1365ميلادية عصر دولة المماليك المصرية وملك قبرص"بيير دو لوزيان Pierre I de Lusignan" بيحرك أسطوله البحري بالكامل وعلى متنه ما يقرب من50000 جندي في مهمة سرية فائقة الخطورة قادة وجنود الأسطول نفسهم مايعرفوهاش ولا كانوا يعرفوا هم بيتحركوا رايحين فين.
يتبع..
وفي الطريق، بيعلن "بيير" الخطة ووجهة الأسطول مدينة الإسكندرية المصرية.
"بيير دو لوزيان" قرر يهاجم مدينة الإسكندرية، ويساويها بالتراب، ويحتلها، في هجوم غادر مباغت بإيعاز من العثماني "مراد الأول". "مراد" و"بيير" كانوا أعداء في الحقيقة بس "مراد" بيغريه بالفكرة عن طريق وسيط.
يتبع..
هو الإمبراطور البيزنطي "أندرونيكوس الرابع Andronikos IV".. اللي بيقتنع بفكرة أن "بيت المقدس" مش حترجع من قبضة المماليك إلى حضن أوروبا، إلا لو ضغطوا على المماليك بعنف.
عليه بيقرروا أن الحل هو الاستيلاء على الإسكندرية، على أن تتم مقايضتها ببيت المقدس فيما بعد.
يتبع..
"بيير"عشان ينفذ خطته فوق التعتيم المخيف اللي عمله لدرجة أن محدش كان عارف بالحملة غيره أرسل قبلها مجموعة من الجواسيس على هيئة تجار بشرت الناس في الإسكندرية بوصول سفن تجارية من "البندقية" و"اليونان" و"انجلترا" عشان يشتروا بضائع مصرية ويبيعوا للمصريين اللي يطلبوه مما يحملون.
يتبع..
وبعد غروب يوم التاسع من أكتوبر، سنة 1365.. وبينما الأسطول المصري مشتبك في البحر الأحمر، ظهرت السفن في الافق لأهل الإسكندرية على ساحل المتوسط.. فتصوروا تلقائيًا أنها سفن تجارية.. لكن في الصباح التالي، وهي بينها وبينهم مسافة بسيطة للغاية، أدركوا أنها سفن حربية.
يتبع..
وبدأ قصف المدافع، واتدكت البيوت فوق الرؤوس، والأسواق فوق الباعة، والمدارس فوق جثث الأطفال. ودخلت القوات الصليبية القبرصية إلى الإسكندرية.. ومشوا في الشوارع يدبحوا اللي يقابلوه.. ماسابوش حد لا مسلم ولا مسيحي وحتى الأوروبيين.,. قتلوهم ونهبوا محلاتهم.
يتبع..
بعد كده انقضوا علي الكنائس وسرقوا ما بها من نذور وصلبان ذهبية ومقتنيات ثمينة.. هم أصلا كانوا بيعتبروا الكنيسة المصرية وقتها كافرة هرطيقة لأنها أرثوذكسية مش كاثوليكية وأحرقوا الكنائس والجوامع وحتى المقابر اعتدوا عليها
المؤرخ الأنجليزي سير "ستيفين رونسيمان Steven Runciman"
يتبع..
بيوصف اللي حصل بأنه واحدة من أبشع المذابح عبر التاريخ.. حتى أنها تكاد تكون أبشع مذابح الحروب الصليبية على الإطلاق.
المذبحة استمرت 3 أيام متصلة، بدون لحظة راحة واحدة، لحد ما وصل الإمداد، وبدغبار سنابك خيول قوات الجيش المصري، القادم من القاهرة، يلوح في الأفق.
يتبع..
ومع سمعة المماليك، كمحاربين لا يشق لهم غبار، هزموا أوروبا عدة مرات، بيتوتر "بيير" ورجاله، وبيقرروا الانسحاب بلا مواجهة.
اللي اتنهب من الإسكندرية وقتها كان كتير جدًا، لدرجة أن السفن القبرصية بقت بترمي دهب وكنوز وأقمشة وحرير نادر في البحر عشان تخفف حمولتها.
يتبع..
ومن فوق السفن القبرصية الفارة في عرض البحر، بدت الإسكندرية كمدينة من رمل على شاطيء البحر، سحقتها قدم طفل، والدخان الأسود والنيران بتبنعث من كل شبر فيها.
البابا الكاثوليكي في أوروبا فرح جدًا بضربة الإسكندرية.. وبدأ يحشد ملوك أوروبا عشان ينفذ فكرة "بيير"..
يتبع..
اللي هي فكرة "مراد".. ويحتلوها.. بس إيطاليا رفضت وانسحبت.. وتبعتها فرنسا والمجر.. الحقيقة أن دمار الإسكندرية أفسد تجارتهم.. وأسعار التوابل والحرير والدخان والسجاد والصناعات والمحاصيل اللي كانت بتيجي من مصر ومبقتش تيجي.. ارتفعت اسعارها في أوروبا لدرجة جنونية..
يتبع..
كمان بعد انسحاب "بيير" ردت مصر فورًا بضربة عسكرية إنتقامية على قبرص.
الضربة العسكرية دي كانت سريعة مقتضبة نظرًا لخسارة مصر اقتصاديًا ولأنها كمان كانت مشتبكة في البحر الأحمر مع البرتغاليين.. بس الضربة المقتضبة دي ضايقت الشعب القبرصي وبدأوا بعدها ومع غلاء الأسعار المباغت.
يتبع..
يكرهوا "بيير" وحسوا أن مغامرته العسكرية عملت لهم مشاكل وجلبت الوبال على رؤوسهم.. وضاقت الناس به وبحكمه وباضطرابات البلاد الداخلية.
كمان قبرص بسبب ضربة الإسكندرية، ضعفت اقتصاديًا لأن مصر قاطعت التجار القبارصة اللي كانوا بيتاجروا معاها.. فشحت السلع وكسدت التجارة.
يتبع..
وانتشرت الجريمة، ودخلت قبرص في حالة من الفوضى.
وذات ليلة.. انطلق 3 فرسان من الجيش القبرصي إلي مخدع "بيير" أثناء نومه في قصره في نيقوسيا وانقضوا عليه وقتلوه قبل أن يدري ما يحدث له.
مفيش حد حط رجله على أرض مصر بدون إذن شعبها ورضاه إلا واتهان إهانة بالغة، طال الزمن أم قصر.
يتبع..
اللي حصل بعد كده خير دليل على ده.
اللي حصل أنه اعتلى عرش مصر السلطان الأشرف "سيف الدين برسباي Al-Ashraf Sayf-ad-Din Barsbay" وفي نفس اللحظة أمر ملك قبرص الجديد "جانوس لوزينان Janus Lusignan"رجاله فهاجمت بعض السفن القبرصية، سفن تجارية مصرية وإيطالية، على مشارف الإسكندرية.
يتبع..
ولما طاردها حرس السواحل المصري.. اشتبكت معه، قبل أن تلوذ بالفرار.
وهنا.. قرر "الأشرف سيف الدين برسباي" يرد على قبرص بعملية انتقامية، تخليها عبرة لمن تسول له نفسه الاعتداء على الأراضي المصرية.. وتجيب بقى القديم والجديد.
وكان "الأشرف سيف الدين برسباي" رجل ذكي للغاية.
يتبع..
وبيحب الخدع الاستخباراتية والعسكرية ويقدرها، فلما بيوصله نبأ إلقاء القبض على جاسوس قبرصي، بيروح له في سجنه، ويواجهه في غضب، ويبلغه أنه حيكون على شواطيء قبرص، في أول يوم من الشهر القادم، ويحتلها.. وبعدين بيأمر بإعدامه قبل شروق الشمس، وبينصرف.
ولكن الجاسوس القبرصي بيفرّ.
يتبع..
وبيستقل مركب تجارية إلى البندقية ومنها إلى قبرص، وبيبلغ المعلومات دي للملك.
وفي القاهرة، بيعلن "الأشرف برسباي" وسط أتباعه، أنه بعد فرار الجاسوس، صار من المستحيل الهجوم في الموعد المحدد، لأن قبرص حتكون مستعدة جاهزة، وعليه بيرجيء قرار الحرب، وبيأمر بسحب معظم السفن الحربية.
يتبع..
من البحر المتوسط للبحر الأحمر، للسيطرة على القراصنة وإنهاء المناوشات اللي بتحصل هناك.
وانتشر الخبر وسط الناس، ورصدت قبرص بالفعل، تحريك الأسطول من البحر المتوسط، متجهًا في طريقه للبحر الأحمر.
ولكن في التاريخ اللي حدده "الأشرف برسباي" للجاسوس بالضبط، كانت السفن المصرية.
يتبع..
بتحول الاسطول القبرصي إلي شعلة لهب فوق سطح المياه، وبعدين بترسو على الشط، وبتقصف سواحل قبرص، وبعدين بتعمل إنزال بري ناجح، لعشرات الآلاف من الجنود.
وبيتضح بعد فوات الأوان أن "الأشرف برسباي" هو اللي أمر رجاله بالسماح للجاسوس القبرصي بالهرب.. عشان يوصل لقبرص ويبلغ رسالته..
يتبع..
وإنه دار بالسفن دورة واسعة في البحر، عشان يخدع الجواسيس القبارصة والمرتزقة اللي حتنقل الخبر، ويوهمهم إنه متجه للبحر الأحمر.
وانطلق جيش "الأشرف برسباي" على الاراضي القبرصية، يهزم حامياتها ويدمر مدنها واحدة تلو الأخرى، ويرفع الأعلام المصرية على أنقاضها.
يتبع..
تحت غطاء من مدفعية الأسطول، لحد ما وصلوا إلى قصر ملك قبرص نفسه، وهزموا حرسه الخاص، وأسروه، وأحضروه إلى القاهرة، ليمثل بين يد "الأشرف برسباي" مقيد بالسلاسل والأغلال.
وانقلبت أوروبا وأرسلت عشرات الوفود، انضمت لهم وفود أخرى وقادة ذوي حيثية من دول غير أوروبية زي شريف مكة.
يتبع..
ورسل من آل عثمان، وملك تونس، وتوسطوا ورجوا "الأشرف برسباي" إنه يطلق سراح الملك "جانوس لوزينان".. وجاب حرس سلطان مصر، الملك القبرص من السجن، وانحني، وقبّل الأرض بين يدي السلطان "سيف الدين برسباي".
واستمرت المفاوضات والإلحاح على سلطان مصرـ "الأشرف برسباي".. فوافق على إطلاق
يتبع..
سراح ملك قبرص مقابل فدية فادحة، بمقاييس ذلك العصر.. وبشرط أن تصير قبرص تابعة لللدولة المصرية، تأتمر باوامر سلطان مصر، وأن يكون ملك قبرص نائب عنه في حكمها، مع دفع جزية سنوية ثابتة للخزانة المصرية.
وتمت المعاهدة دي بالفعل.
يتبع..
وتم إطلاق سراح "جانوس لوزينان"، واستمرت قبرص منذ ذلك الوقت تابعة للدولة المصرية، لحد ما سقطت دولة المماليك، مع غزو العثماني "سليم الأول"، في العام 1517.
في العام دا كانت العملية المخابراتية الناجحة من نصيب "سليم"..
يتبع..
ورغم إن سلطان مصر وقتئذ "قنصوة الغوري".. وصلته معلومات استخباراتية بدوره، كان من الممكن أنها تغير نتيجة الحرب دي تمامًا.. إلا أن دا محصلش، لأسباب يطول شرحها، نتكلم عنها المرة القادمة.
ويَبقى للحديث بقية بإذن الله✋
?الجزء السادس
لسه مع عمليات المخابرات اللي غيرت وجه العالم، والسفاح العثـماني "سليم".. بيسعى لغزو مصر، وإسقاط دولة المماليك، والسيطرة على الشرق الأوسط كله.
والحقيقة أن محاولة "سليم" مكانتش المحاولة الأولى لدولة السفاحين، القادمين من الشرق، بل حاولوا قبلها عدة مرات.
يتبع..
وكانت القاهرة بتهزمهم وتذلّهم وتكسر أنفهم، مرة وراء مرة.
ووعى "سليم" الدرس وقرر اللجوء لسلاح جديد. سلاح الخيانة.
وبعملية مخابراتية ناجحة، قام "سليم" بتجنيد رجلين من قادة مماليك الشام، الخاضعة للدولة المصرية.
"خاير بك الشركسي" و"جان بردي الغزالي".
يتبع..
وحاول "سليم" شراء الأمير "سيباي" حاكم دمشق، لكن هذا الأخير، كان رجل شريف نزيه نظيف اليد، فسارع على الفور، بإبلاغ سلطان مصر، "الأشرف أبو النصر قنصوة الغوري".
ووصلت للسلطان "الغوري"، تفاصيل عملية "سليم" الاستخباراتية كاملة، وتجنيده للرجلين.. وخطته.
يتبع..
والعجيب أن السلطان "الغوري"، تجاهل المعلومات التي تلقاها تماما.
كانت المنافسة شديدة منذ البداية، بين "سيباي" و"خاير" وجان بردي" فتصور "الغوري" أن "سيباي" يسعى فقط للوشاية بالرجلين، لإبعادهما عن الساحة.. فتجاهل الأمر برمته، في خطأ مروع قاتل، دفع فيما بعد ثمنه بالروع والدم.
يتبع..
عندما شاهد دماء "سيباي" تسيل على تراب سوريا، ويسقط شهيدًا في ساحة القتال في "مرج دابق" في العام 1516، قبل أن يلحق به السلطان "الغوري" نفسه، على يد الغزاة العثمانيين، بعدما شاهد بعينيه "جان بردي" و"خاير" يقاتلان في صفوف الأعداء.
ثمن فادح، لم يدفعه "قنصوة" منفردًا..
يتبع..
دفعه الشرق الأوسط بأكمله، عندما خيمت على سمائه سحابة آل عثمان السوداء القاتمة، لما يقرب من خمسة قرون.
وتحت حكم "آل عثمان" الرشيد، غرقت مصر في ظلام دامس مخيف، وبعدما كانت تُطعم أقطار الأرض كلها، ساد فيها الجوع، وصار أهلها لا يجدون قوت يومهم.
يتبع..
وبعدما كانت مثالًا للعدل، انتشر فيها الظلم.. وجاء الظلم معه بالجهل والعوز والألم والمرض.
وبعد أكثر من قرنين، في العام 1751.. بيبزغ نجم رجل من أقصى صعيد مصر، بيكوّن جيش صغير من الصعايدة، مسلحين بالشوم والعصي والسلاح الأبيض، وبيستقل بكامل الصعيد، عن الدولة العثمانية..
يتبع..
ويبدأ اسمه في الانتشار في أرجاء إمبراطورية آل عثمان، كمصدر للقلق والمشاكل والرعب.
"شيخ العرب همام بن يوسف أحمد".
ومع وعورة جبال الصعيد وأراضيه ووحدة وتجانس أهله، بتنهزم قوات الدولة العثمانية على يد "همام" مرة وراء مرة.. وبتهتز سمعتها، وتنحدر معنويات جيشها إلى الصفر.
يتبع..
وتبدأ نيران الثورة تندلع ضدها في الجزائر والعراق ولبنان وحتى اليونان.
وبيكتشف العثمانيين أنه لا سبيل سوى اللجوء لعملية مخابراتية جديدة، يخترقوا بها صفوف محارب الصعيد القوي المخيف، فقاموا بتجنيد ابن عمه وصهره، "الشيخ اسماعيل" في عملية ناجحة، انهزم على إثرها الشيخ "همام".
يتبع..
وتشتّت قوات الصعيد، وعاد إلى قبضة العثمانيين.
وفي قفزة لنصف قرن في المستقبل، للعام 1805، بيوصل عبر ميناء الإسكندرية رجل بسيط، اسمه "محمد علي".. بتخلب الإسكندرية لبه وتبهره وتسحره، وبينتقل للقاهرة، فبيزداد انبهاره وعشقه للأرض دي، وبيبدأ يكون خطة في أعماقه.
يتبع..
لحكمها، والاستقلال بها عن العثمانيين.
بيكون له ما أراد، لكنه بيعجز عن إيجاد مبرر لقتال الدولة العثمانية، والانفصال عنها، لحد العام 1831، لما بيرفض والي الشام العثماني تزويده بأخشاب طلبها لإصلاح الأسطول، ثم بيقوم والي عكا العثماني بإيواء 5000 فلاح مصري.
يتبع..
هاربين من نظام التجنيد الإجباري.
وعلى أثر ذلك، بيصدر "محمد علي" أوامره لابنه على الفور، وفي فجر يوم 14 أكتوبر سنة 1831 ميلادية، الموافق 7 جمادى الأولى سنة 1247 هـجرية، بيتحرك الجيش المصري تحت قيادة ابن "محمد علي".. متجاوزًا الحدود المصرية؛ في حملة مكتملة القوى والأركان..
يتبع..
بلا أي نية في التراجع.. بدون إذن الدولة العثمانية ولا علمها.. لأول مرة منذ استشهاد البطل السلطان الأشرف "طومان باي".. منذ 314 سنة.. صوب فلسطين لاقتحام عكا وأسر واليها.
وابن "محمد علي" دا كان رجل عسكري، اتربى على القتال منذ نعومة أظفاره، وحفظ لنا التاريخ اسمه.
يتبع..
كواحد من أبرع القادة العسكريين في العالم، منذ القرن التاسع عشر، وحتى يومنا هذا، وواحد من 44 قائد فقط، عبر تاريخ الأرض كلها، لم ينهزم في معركة قط.
"إبراهيم باشا المصري Ibrahim Pasha of Egypt".
بينطلق "إبراهيم باشا".. ويعبر الحدود، فبيتوجه له جيش عثماني ضخم هائل..
يتبع..
أي خروج على الدولة العثـمانية كان بيهز صورتها في باقي العالم ويعمل لها مشاكل كتير.. لكن "إبراهيم" بيهزم الجيش العثماني مرة تلو الأخرى، وبيرجع إلى عكا يحاصرها، وبعدين بيقتحم أسوارها الحصينة، اللي انسحب من أمامها "نابوليون" من قبل مهزومًا خائبًا.
يتبع..
وبيدوي خبر سقوط "عكا" عبر العالم، وبيثير ذهول فرنسا نفسها، اللي عجز خير قادتها عن اقتحامها.. وبيحشد السلطان العثماني قواته ويسلحها بتسليح رهيب، وعتاد لامحدود.
وقرب حمص، بيرسل قائد الجيش العثماني السرعسكر "حسين باشا".. رسالة إلى "إبراهيم باشا".. يخبره فيها.
يتبع..
"أن جواده لم يشرب الماء منذ زمن، وقد أقسم على أن يرتوي فقط من ماء النيل".. في إشارة لأن القوات العثمانية لديها أوامر صريحة، بهزيمة "إبراهيم" وقتله، والتقدم نحو القاهرة.
لم يرد "إبراهيم باشا" على الرسالة دي مطلقًا..
يتبع..
تقريبًا شعر أنه مش معقول يرسل مبعوث خاص لقائد العثمانيين لمجرد أنه يقول له "معلش". وتقدم بالجيش مباشرة.. عشان يكتشف السرعسكر "حسين" أنه لا هو ولا جواده حيشربوا من النيل في القريب العاجل، وأن المكان الوحيد الصالح للشرب حاليًا هو أقرب بكابورت?
يتبع..
دا بيعرفه "حسين باشا" كويس وهو بينهزم على يد "إبراهيم باشا" هزيمة ساحقة، وبينسحب إلى الشمال الشرقي إلى بيلين.
و"ممر بيلينBelen Pass"دا مضيق بيصل بين سهل أنطاكية وخليج اسكندرونة على حدود"جبال طوروس Taurus Mountains".
باختصار دا الحد الفاصل بين بلاد الشام وحدود تركيا نفسها.
يتبع..
وللمرة الأولى.. بتفتح دول أوروبا أفواهها في دهشة، وبتتابع الموقف عن كثب في اهتمام بالغ.. على الرغم من أنهم التقوا بـ"محمد علي" و"إبراهيم" في حرب اليونان من قبل، لكن لحد اللحظة دي، كانوا متصورين أن اللي بيعمله "محمد علي"، لا يعدو كونه مجرد تمرد محدود.
يتبع..
حتقمعه الدولة العثمانية بجيشها القوي.. وأسلحتها الحديثة المتطورة.
وفي "بيلين" بيعسكر القائد العثماني، وبيقرر اللجوء لعملية استخباراتية، تكفل له النصر، فبيرسل مجموعة من البدو، بيدعوا أنهم هاربين من بطش الجيش العثماني..
يتبع..
وبيخطروا الجيش المصري أن العثمانيين معسكرين بعد بيلين وإن الممر خاوي وبعده القوات العثمانية ممزقة مشتتة جريحة منهكة.
وبينتحي إبراهيم بقائد قوات الاستطلاع جانبًا ويكلفه بمهمة ما بيعود بعدها ليعلن على الملأ صحة كلام البدو الثلاثه فبيكافئهم "إبراهيم" ويطلق سراحهم على الفور.
يتبع..
وأثناء ما "إبراهيم" معسكر مع الجيش في دمشق، بيدرس كيفية عبور ممر بيلين.. بيوصله من السلطان العثماني مبعوث خاص، برسالة بالغة الأهمية والخطورة.
وكان مضمون الرسالة إن السلطان "محمود الثاني" بيدعوه للتوبة والتراجع.. والخروج عن طاعة أبيه والدخول في طاعة السلطان العثماني..
يتبع..
والانسحاب إلى القاهرة بدون قيد أو شرط، لأنه أعتبرهما كافرين، خارجين عن الدين، ومارقين على السلطة الشرعية للسطان العثماني.. فبيلتقط "إبراهيم" ريشته ومحبرته، وبيرد على ظهر الرسالة نفسها، برسالة مخيفة من سطر واحد:
"إنني قادم مع رجالي الشجعان لأرد عليك في الآستانة"...
يتبع..
وأردفها بأن مس سطح قبضته بخاتمه في الحبر.. وختم الرسالة بخاتمه الخاص، وارسلها مع نفس المبعوث الذي أحضرها.
ودا كان رد في غاية الخطورة، يعني أن "إبراهيم باشا" قرر التقدم عبر الحدود العثمانية إلى قلب السلطنة، لإسقاط الدولة نفسها.
يتبع..
وبيرجع الجواسيس الأعراب إلى السرعسكر "حسين" بالأخبار المبهجة.. وبيبتسم "حسين" في ظفر، لما بيشوف أن "إبراهيم باشا" ابتلع الطعم اللي ارسله مع جواسيسه، وبدأ يتحرك بالجيش نحو ممر بيلين بالفعل.
نحو كمين محكم قاتل، عبر ممر وعر.. بتزين قمم جباله أكتر من 160 مدفع عثماني متخفين..
يتبع..
مستعدين للفتك بـ"إبراهيم ورجاله" بمجرد عبور الممر.
كمين قادر على إبادة الجيش المصري وقتئذ، حتى آخر جندي.
وفي صباح 29 يوليو، من العام 1832، بيتوجه الجيش المصري بقيادة "إبراهيم باشا" إلى "بيلين".. حيث الفخ المحكم القاتل، اللي أعده السرعسكر العثماني "حسين باشا".
يتبع..
لكن "كمين بيلين" دا الحديث عنه يطول.. فنكمل كلامنا عنه لاحقًا.
ويبقى للحديث.. بقية✋
?الجزء السابع
وصباح 29 يوليو من العام 1832 ميلادية، والجيش المصري بقيادة "إبراهيم باشا" بيتجه إلى كمين محكم، أعده الجيش العثماني؛ في ممرات بيلين الجبلية، على الحدود التركية السورية.. كمين قادر على إبادة الجيش المصري في الممرات، حتى آخر جندي.
يتبع..
الخطة الرهيبة اللي وضعها السرعسكر "حسين باشا" مع مستشاره العسكري الفرنسي "ثيفينين Thevenin".. كخطة بديلة.. في حالة حدوث احتمال بالغ الضآلة إن "إبراهيم" يهزمهم في الشام.. وهو ما حدث بالفعل.
بتتبدى لـ"إبراهيم" في الأفق القوات العثمانية، متمركزة في نهاية ممرات بيلين..
يتبع..
بينما المدفعية على قمم الجبال مختفية مموهة.. بانتظار تقدم المصريين. وبالفعل بيتقدم "إبراهيم باشا" بفرسان القلب نحو قلب القوات العثمانية.. و"حسن المانسترلي" نحو الميمنة، و"سليمان باشا الفرنساوي"، نحو الميسرة.
وبيرفع القائد العثماني ذراعه ويخفضها، مشيرًا للمدفعية.
يتبع..
بالإنطلاق، لإبادة القوات المصرية، المتقدمة عبر الممر.
وبتنتصب المدفعية العثمانية، وتستدير، وتنطلق بالفعل، عشان تمطر المكان بقذائف نارية مشتعلة قاتلة.
لكن المدفعية العثمانية مبتقصفش المصريين، بتقصف القوات العثمانية نفسها، في مفاجأة مذهلة، أصابت "حسين باشا" في مقتل..
يتبع..
ولوهلة، مافهمش اللي بيحصل.
الحقيقة أن خطته المخابراتية رد عليها "إبراهيم باشا المصري" بخطة مخابراتية مضادة، غاية في البراعة...
ففي أثناء معارك الشام، أسر "إبراهيم باشا" المستشار العسكري الفرنسي للجيش العثماني "ثيفينين Thevenin"، وشرع في استجواب.
يتبع..
وأعلن "ثيفينين" في صرامة، أن المصريين لن يحصلوا منه على معلومة واحدة، فما كان من إبراهيم باشا إلا أن أمر قادته، فقدموا للمستشار الفرنسي تحية رقيقة، بكل فردة جزمة يرتدونها، وانهالوا عليه ضربًا حتى حولوه إلى عجين، ليعترف بالخطة والخطة الاحتياطية..
يتبع..
وعندما استقبل "إبراهيم باشا" الجواسيس البدو الأعراب، التابعين للقائد العثماني، كان يعرف الخطة بالفعل، لذلك، وعندما أخبروه بخطة كاذبة مزيفة للعثمانيين، تظاهر بالتصديق، وكافئهم بسخاء، وأطلقهم مرة أخرى، ليعودوا إلي السرعسكر "حسين".. الذي اقتنع تمامًا.. إن
يتبع..
"إبراهيم باشا" قد ابتلع طعمه، ووقع في فخه المحكم.
ولكن "إبراهيم" باشا، وقبل أن يتقدم للممر، أرسل جنوده من أهل الصعيد، المعتادين على الجبال ووعورتها.. فتسلقوا جبال بيلين في سرعة وخفة، كرجال الكوزماندور، وذبحوا الجنود العثمانيين، حرس بطاريات المدفعية.
يتبع..
ثم ذبحوا جنود المدفعية العثمانيين أنفسهم، في هدوء بالغ، وسيطروا على سلاح المدفعية العثماني بالكامل.
وبهذه الخدعة الاستخباراتية البسيطة، انقلبت الآية وتبدلت النتيجة فجأة.
وبينهزم الجيش العثماني للمرة الثانية، وبينسحب إلى داخل الأراضي التركية.
يتبع..
وللمرة الأولى منذ زمن السلطان الأشرف قايتباي.. بيبسط الجيش المصري سيطرته على كامل بلاد الشام، بما فيها الاسكندرونة وبيحتل ميناء إياس، شمالي الإسكندرونة، ولأول مرة منذ ثلاثة قرون.. بيعسكر الجيش المصري، على الحدود التركية السورية، في يوليو من العام نفسه، 1832.
يتبع..
يحصل فجأة موقف غريب، بيغير مسار الأحداث هو أن الوالي العثماني لـ "ديار بكر" بياخد معاه زميله والي "أوروفا" وبيتحركوا من الحدود التركية ويعبروا إلى الشام ومنها إلى حلب وبيدخلوا على "إبراهيم" بغتة شايلين كفنهم علي إيديهم وبيركعوا أمامه معلنين.
يتبع..
خضوع "ديار بكر" و"أوروفا" للدولة المصرية.
ودي كانت أول مدن عثمانية تستلم بلا هجوم أو قتال.. فبناء علي التطور الخطير ده، "إبراهيم باشا" بيرسل لأبيه، أنه عازم على التقدم.. وطرق الحديد وهو ساخن.. وبيمني أبيه بنصر عظيم، يتحاكى به الناس عبر العصور..
يتبع..
وبيبشره إنه من الآن فصاعدًا حينادي به الأئمة على المنابر والشيوخ في ساحات الدرس والرهبان في الكنائس والمعابد، بلقب "محمد علي باشا، سلطان المسلمين"، وبيرجو أبوه بالفعل أنه يصدر قرار بذلك في مصر والسودان والشام والحجاز.
لكن "محمد علي" كان رجل بسيط..
يتبع..
بالمناسبة العبقرية.. كل العبقرية.. بتكمن في البساطة مش في التعقيد والتآمر العبيط والمظاهر الفارغة لو تلاحظ كان كل سلطان عثماني جاء سمى نفسه لقب من عشر كلمات على الأقل بتبدأ بـ "شجاع الدنيا" "غياث الدنيا والدين" "صاعقة الإسلام" "بكابورت الفتح" "ماسورة مرحاض المسلمين" إلخ
يتبع..
لكن "محمد علي" لا.. فضل بسيط طيلة عمره.. وعشان كده رد على "إبراهيم" برسالة محفوظة تاريخيًا، وافقه فيها على التقدم إلى داخل الأراضي العثمانية.. لكنه اختتمها قائلًا:
"تقول لي في كتابك أنك تريد أن تسكّ المعدن وهو حام.. وهذا أقرك عليه..
يتبع..
وإنك تريد أن يخطب باسمي في جميع المساجد والمعابد، وهو ما لا أقرك عليه...
فاعلم يا ولدي أنا لم نصل إلى مركزنا الذي نشغله الآن، إلا بقوة الوداعة وخفض الجانب.. فإنه يكفيني أن أحمل اسم (محمد علي) خالصًا من كل رتبة وزينة.. فهو أكبر لي من جميع ألقاب السلطنة والملك..
يتبع..
لأن هذا الاسم وحده هو الذي خولني الشرف الذي يجلّلني الآن.. فكيف أستطيع يا ولدي أن أتركه إلى سواه؟ لا ياولدي.. إنني أحفظ اسمي (محمد علي).. وأنت يا بني تحفظ اسمك (إبراهيم)؛ وفيك وعليك رحمة الله وبركاته".
وبيدخل الجيش المصري إلى ولاية أضنة وطرسوس.. وبيعسكر هناك لفترة.
يتبع..
لحد ما قوات الاستطلاع المصرية بتبلغ "إبراهيم" باشا.. أن الجيش العثماني الهائل، بيتقدم نحوهم تحت قيادة الصدر الأعظم "رشيد محمد خوجة باشا".
ولأن "إبراهيم" قائد ذكي.. فمابينتظرش الهجوم بيسيب كتائب من الجيش في المواجهة وبيزحف هو نفسه بباقي الجيش إلى الشمال.
وبيحاصر أنقرة.
يتبع..
بيعسكر الجيش المصري على حدود أنقرة، في أعنف شتاء ممكن تتخيله، يمر على الدولة العثمانية.. انحدرت فيه درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر وتساقطت الثلوج طيلة الوقت، على جنود مصريين مش معتادين ولا متوقعين للمناخ ده.
وبتتصدى حامية أنقرة وكتائب الجيش العثماني فيها للجيش المصري.
يتبع..
وبتفتح عليه نيران مدفعيتها وقذائفها.. لكن "إبراهيم" كان على مدى آمن من نيران المدفعية.. فبيرقب الحامية في برود.. لحد ما تخلص ذخيرتها أو تكاد وفي مساء منتصف أكتوبر، من العام 1832 بيتوقف التاريخ عشان يدون لنا الأحداث الرهيبة اللي هزت العالم في تلك الليلة.
ليلة سقوط أنقرة.
يتبع..
بينقض الجيش المصري على أنقرة في مساء منتصف أكتوبر من العام 1832 وبيدحر قوات الجيش العثماني فيها.. ويحتلها.. في مفاجأة مدهشة، أذهلت العالم.. إحتلال "أنقرة" في الوقت دا.. كان كأنك النهاردة أحتليت نيويورك في أمريكا مثلًا..
يتبع..
أو كأن الجيش المصري النهاردة يقتحم ألمانيا ويهزم قوات الناتو، ويعسكر على مشارف العاصمة برلين.
وبيتقدم الجيش المصري، تحت قيادة رجل من أبرع القادة العسكريين في تاريخ العالم، ويهزم الجيش العثماني مرة تلو المرة، وبيزحف إلى بورصا ويدخلها.. ويعسكر فيها..
يتبع..
وهناك بيهزم آخر حامية عثمانية موجودة.. مما يعني أن الجيش العثماني قد دُمر بالكامل تقريبًا.. وأصبح الطريق مفتوح إلى عاصمة الخلافة.
وبيتحرك "إبراهيم".. وبيعسكر على بعد 200 كيلومتر، من قصر السلطان العثماني في قلب الآستانة.
يتبع..
عاصمة الدولة العثمانية، المدينة اللي نعرفها اليوم كلنا باسمها الشائع الشهير.
"أسطنبول"...
كل دا بسبب عملية مخابراتية مضادة بسيطة، تختلف تمامًا عن العملية الي قام بها "إبراهيم باشا" كذلك، في العام 1839، واللي حتتسبب في وفاة السلطان العثماني "محمود الثاني"، بذبحة صدرية.
يتبع..
من فرط الألم والغيظ والانكسار.. ومرارة الهزيمة في حلقه، إلى يوم البعث.
ويبدو أن الوقت سرقنا النهاردة والحدوتة طالت.. فنختتم حلقتنا النهاردة، بالفاتحة والسلام على روح "إبراهيم".. الرجل الذي لم نره ولم نلتق به قط..
يتبع..
والذي ولد ونشأ وكبر وتربى على أرض مصر، وتعلم حبها والذود عنها والتضحية من أجل ترابها، والذي قاد جيش مصر.. من نصر إلى نصر.
ونبقى نكمل حكايتنا لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية بإذن الله✋

جاري تحميل الاقتراحات...