"أدفأ سجدة"
قصّة حدثت لي قبل 25 سنة!
(احتماليّة الحذف واردة!)
ابقوا معنا..
قصّة حدثت لي قبل 25 سنة!
(احتماليّة الحذف واردة!)
ابقوا معنا..
سافرت وأنا بعدُ طالب في الجامعة من جدة بواسطة النقل الجماعي..
وصلت إلى الرياض في العاشرة ليلًا _تقريبًا_..
طلبت من سائق الأجرة أن يوصلني إلى شقّة سبق وأن سكنتها قبل فصل دراسي، في حيّ ناشئ قرب جامعة الإمام ليس به سوى بيوت قليلة جدًا..
وصلت لغايتي..
نقدت السائق أجرته ثم نزلت..
وصلت إلى الرياض في العاشرة ليلًا _تقريبًا_..
طلبت من سائق الأجرة أن يوصلني إلى شقّة سبق وأن سكنتها قبل فصل دراسي، في حيّ ناشئ قرب جامعة الإمام ليس به سوى بيوت قليلة جدًا..
وصلت لغايتي..
نقدت السائق أجرته ثم نزلت..
كان ثقل الحقيبة يشبه ثقل خطواتي..
صعدت الدرجات وإحساس بالمفاجأة يطرق بهدوء منطقة التوقعات السيّئة في نفسي..
دفعت بوابة المبنى، فإذا بالطرقات تغدو حقيقة!
ليس هناك مكتب استقبال، ولا موظف!
لم يعد المبنى للشقق المفروشة، صار عمارة مستأجرة!
صعدت الدرجات وإحساس بالمفاجأة يطرق بهدوء منطقة التوقعات السيّئة في نفسي..
دفعت بوابة المبنى، فإذا بالطرقات تغدو حقيقة!
ليس هناك مكتب استقبال، ولا موظف!
لم يعد المبنى للشقق المفروشة، صار عمارة مستأجرة!
رجعت بسرعة لعلّ سيارة الأجرة بالقرب، فإذا بها قد اختفت، ولفّها سواد الشوارع المظلمة..
كان في داخلي همس يردد مع الشاعرة العراقيّة:
ارجع فالليل تثير مخاوفه قلقي
وأنا وحدي، والنجم بعيد في الأفقِ..
يخدعني أملٌ في فجر لم ينبثقِ
وصبابة دمع باردة لم تحترقِ..
كان في داخلي همس يردد مع الشاعرة العراقيّة:
ارجع فالليل تثير مخاوفه قلقي
وأنا وحدي، والنجم بعيد في الأفقِ..
يخدعني أملٌ في فجر لم ينبثقِ
وصبابة دمع باردة لم تحترقِ..
دلفت المبنى وبصيص أمل يقول لي: ربما أنهم قد غيّروا مكان مكتب الاستقبال!
أخذت أرفع صوتي مناديًا الموظف.. ولكنْ لا حياة لمن تنادي!
ماذا أفعل؟
البرد قارص، والليل مخيف، ولا مكان يؤويني!
أخذت أرفع صوتي مناديًا الموظف.. ولكنْ لا حياة لمن تنادي!
ماذا أفعل؟
البرد قارص، والليل مخيف، ولا مكان يؤويني!
تلفتّ فإذا بباب موارب، اتجهت إليه بحذر، دفعته فإذا به مستودع ضيّق جدا، طوله أقل من مترين، وعرضه أكثر من المتر بقليل! شعرت بمهانة وأنا أقرر أن يكون ذلك المستودع هو غرفة نومي تلك الليلة.
دخلت بحقيبتي وجعلتها رتاجًا أحكم به إغلاق الباب..
دخلت بحقيبتي وجعلتها رتاجًا أحكم به إغلاق الباب..
لو قيل لي: ارسم منظر اختناق. لرسمت نفسي وأنا واقف في ذلك المستودع الضيّق.
جلست على الأرض مباشرة، واتكأت على الجدار الصلد، كل شيء يزيد جسدي برودة! وعقارب الساعة تقرر أن تتجمّد هي الأخرى..
فتحت حقيبتي، ودفنت رأسي فيها، وكأنني أبحث عن شيء يشبه الدفء بين ركام الملابس.
جلست على الأرض مباشرة، واتكأت على الجدار الصلد، كل شيء يزيد جسدي برودة! وعقارب الساعة تقرر أن تتجمّد هي الأخرى..
فتحت حقيبتي، ودفنت رأسي فيها، وكأنني أبحث عن شيء يشبه الدفء بين ركام الملابس.
كل دقيقة يزيد فيها البرد شيئا، وتنقص فيها مقاومتي شيئين..
أنظر للساعة، فإذا بالثانية صارت تقلّد مشي الدقيقة..والدقيقة قد باتت بملامح ساعة! وصورة أمي وهي تودعني بعينين دامعتين يزيد اللحظات كآبة.
حاولت أن أنام لأخفف من احتمالية إصابتي بنوبة هستيريا..فإذا بالنوم هو الآخر يتحالف ضدي.
أنظر للساعة، فإذا بالثانية صارت تقلّد مشي الدقيقة..والدقيقة قد باتت بملامح ساعة! وصورة أمي وهي تودعني بعينين دامعتين يزيد اللحظات كآبة.
حاولت أن أنام لأخفف من احتمالية إصابتي بنوبة هستيريا..فإذا بالنوم هو الآخر يتحالف ضدي.
ومن بين ركام الظلام، وأكداس البرد، وطبقات الهم، يتسلل إلى أذني من بعيد صوت لم أميّزه صوتًا، وإنّما ميّزته نورًا:
"الله أكبر الله أكبر"..
أذان الفجر وكأنّه ذبالة شمعة، يريد الله لها أن تكون شمسًا لنفس تعبت كثيرًا تلك الليلة.
"الله أكبر الله أكبر"..
أذان الفجر وكأنّه ذبالة شمعة، يريد الله لها أن تكون شمسًا لنفس تعبت كثيرًا تلك الليلة.
أغلقت حقيبتي، واستودعتها الله، ثم خرجت..
كانت لفحات الهواء تصفع وجهي بجرأة، وصوت المآذن تهتف من بعيد..
والصحراء التي أسكن فيها (كان الحي أشبه بصحراء لخلوّه من البيوت) ترمقني بسخرية.
وصلت المسجد بعد مسير طويل.
كانت لفحات الهواء تصفع وجهي بجرأة، وصوت المآذن تهتف من بعيد..
والصحراء التي أسكن فيها (كان الحي أشبه بصحراء لخلوّه من البيوت) ترمقني بسخرية.
وصلت المسجد بعد مسير طويل.
توضأت بأبرد ماء يمسّ أبرد جسد.. خرجت من وضوئي أرتجف.. فتحت باب المسجد.. شعرت بحنين عارم..
رفعت يديّ مكبّرًا لسنّة الفجر:
(الله أكبر)..
أحسست برهبة كل حرف في (الله أكبر) ..
ولمّا سجدت.. لا تسل عن أدفأ سجدة في حياتي..
رفعت يديّ مكبّرًا لسنّة الفجر:
(الله أكبر)..
أحسست برهبة كل حرف في (الله أكبر) ..
ولمّا سجدت.. لا تسل عن أدفأ سجدة في حياتي..
لعلّك تظن أني أبالغ، كلا وسأعيد العبارة لتتأكد من إرادتي كل حرف فيها:
كانت أدفأ سجدة في حياتي.. شعرت أني أهمس في أذن السماء وأنا أقول: يا الله.. أحتاجك!
لم أشأ أن أنهض من تلك السجدة..
كانت أدفأ سجدة في حياتي.. شعرت أني أهمس في أذن السماء وأنا أقول: يا الله.. أحتاجك!
لم أشأ أن أنهض من تلك السجدة..
عندما تحتاج الله، يجعلك الله تنطق بكلمات لم تكن تعلم أنّها ضمن قاموسك!
أعلم أنّ ما حصل لي ليس معضلة دوليّة! ولا حربًا أهليّة، ولا كارثة بيئيّة! الذي حصل لي أمر أتعبني وحسب! هذا يكفي لأن أسجد، لأن أعبّر في سجودي عن ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي..
أعلم أنّ ما حصل لي ليس معضلة دوليّة! ولا حربًا أهليّة، ولا كارثة بيئيّة! الذي حصل لي أمر أتعبني وحسب! هذا يكفي لأن أسجد، لأن أعبّر في سجودي عن ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي..
صلينا الفجر..
شعرت بعد الصلاة أني تكلّمت بكل شيء، عبرت عن كل شيء، نفدت طاقة التوسل لديّ!
فتحت باب المسجد بخوف شديد.. وبثقة أشد.. فإذا بي أرمق سيارة أجرة .. وكأنها تنتظرني!
علمت لحظتها أنّه سمع كل شيء..
كان النسيم البارد يبتسم لدمعاتي المتسللة، وأنا أفتح باب سيّارة الأجرة بذهول..
شعرت بعد الصلاة أني تكلّمت بكل شيء، عبرت عن كل شيء، نفدت طاقة التوسل لديّ!
فتحت باب المسجد بخوف شديد.. وبثقة أشد.. فإذا بي أرمق سيارة أجرة .. وكأنها تنتظرني!
علمت لحظتها أنّه سمع كل شيء..
كان النسيم البارد يبتسم لدمعاتي المتسللة، وأنا أفتح باب سيّارة الأجرة بذهول..
انتهت..
جاري تحميل الاقتراحات...