36 تغريدة 81 قراءة May 04, 2020
(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) الخير هنا هو الخمر وليس اتباع القرآن وسنة النبي كما قال المفسرون، لأن حرف الجر "من" في "منكم" يدل على التبعيض. أما الاتباع والحسبة فواجبة على كل فرد ولو بقلبه كأضعف الإيمان.
من المعروف أنه يجوز تسمية الخمر بالخير حتى عند من يحرمها، فقد قال الأصمعي: الخمر الخير والخل الشر. وفي الحديث: سئل رسول الله عن الخمر، فقال: لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره).
(إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق) فالخير هنا أيضا الخمر وليس كما يقول الكذابون إنه رد الشمس ليصلي العصر وقتل الخيل الواقفه بثلاثة أرجل، فالعشي أصلا من الليل والصفن أوعية للسقاء وسفر للطعام
وفي روايات متواترة لابن مسعود وغيره: أن النبي في حجة الوداع استقى حول الكعبة، فأتى العباس بقدح من نبيذ فذاقه فقطب ثم قال: إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاكسروها بالماء، فكان ابن مسعود يقول: (شهدت التحليل وغبتم)، وقال ابن السائب: (اشرب من سقاية العباس فإنها من تمام السنة والحج).
يكفينا من علماء السلف وكيع بن الجراح الذي شكى له الشافعي سوء حفظه وقال عنه ابن حنبل: ما رأيت أحدا أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع. كان في روايات السلف المتواترة يشرب أرطالا من النبيذ في اليوم وهو يتعبد ويدرّس، قال الذهبي: كان ملازما لشرب نبيذ الكوفة الذي يسكر الإكثار منه.
لم ينزل ذم الخمر إلا مقترنا بالميسر، فقد قال شلة من الصحابة للنبي: أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال. فنزلت (فيهما إثم) وليس إثمان، ثم (والأنصاب والأزلام رجس) وليس أرجاس، لأنها من ضمن الميسر، والذم فقط في اجتماعه مع الخمر، أما ضمير (فاجتنبوه) يعود على الشيطان.
ولا فرق بين الخمر والنبيذ فلم تعرف المدينة ذلك الوقت خمر العنب، ولم يكن تناوله أو حتى السكر خارما للمروءة عند العرب، فقد كان في تلك الشلة التي سألت النبي عمر ومعاذ وعبدالرحمن بن عوف، ثم لما قدموا عليا لإمامتهم في الصلاة غلط في سورة الكافرون فنزلت (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى)
والنهي عن السكر احتراز للخشوع في الصلاة من أي أنواع السكر والسهو بالرياء ومنع الماعون، بل إن السكر من النعم التي منّ الله على عباده في سياق الأشربة الخالصة السائغة (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) فتعالى الله عن أن يرجع في هديته وسبحان الله عما يصفون
ولم يقل عمر انتهينا إلا بعد نزول ثالث آية تذكر الخمر والميسر، ولم ينته عن الخمر ولم يمنعه عن رعيته بل أخذ عليه الضرائب، لكنه انتهى عن تكرار سؤال التحريم، لأنه قد أحدث الشيطان عداوة وبغضاء في تلك الشلة وتفاخرت قريش والأنصار حتى كسر أنف سعد بن أبي وقاص بلحم جمل كان من أنصبة الميسر.
وقد حصرت الأطعمة المحرمة من أكل وشرب في آية صحيحة صريحة لخبر بصيغة المضارع لا يمكن نسخه (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير)، بمعنى أنه لو فكرنا بجدية فإنه لا مجال لتحريم خمر العنب أو خمر التمر أو الدم المطبوخ أو شحم الخنزير
(مناع للخير) أي للخمر، فالوليد لم يمنع انتشار الإسلام حتى اتهمته قريش أنه صبأ، وكان ينفق على مكة ويطعم الحجيج فلم يمنع ماله وزكاته، لكنه كان أول من سن حظر الخمور فضرب أبناءه عليها، قال ابن عباس: لا نعلم أن الله وصف أحدا بما وصف الوليد به من العيوب فألحق به عارا لا يفارقه أبدا.
ولا ينكر المؤمن العاقل أن للخمر نفع ومنافع، قال القلمندر الإشبيلي: أنا أولى الناس بألا يترك الخمر، لأنني طبيب أحبها عن علم بمقدار منفعتها. بل حتى السكر للشخص العادي مفيد، قال ابن النفيس: وقد ينبغى أن يكون السُّكرُ فى الشهر ولو مرتين، خاصةً لأصحاب الفكر الكثير والمشتغلين بالعلوم.
خطورة الخمر على المنافقين أنه يكشف زيف بواطنهم، فجعلوه أم كبائرهم، وتشددوا في اجتنابه بما لم يحتاطوه حتى لأخوف الشرك، فلا يخشى سليم القلب من المكاشفة، بعكس مرضى القلوب إذا ثملوا عربدوا واعتدوا بتلعين جميع من في البار من ساقي ومسقي وعاصر ومعتصر ونادل ومحاسب وكل الزبائن والمدير.
الخير يطلق على النبيذ والخمر سواء النيء المنبوذ في أوعية الجر والدباء والحنتم، أو المطبوخ من عنب أو تمر أو غيرهما، ويلحق بالخمر كحول جابر بن حيان المركزة بالتقطير لما استخدمها الرازي في صنع العرق، فظهرت لدى مختلف الشعوب أشربة سريعة الإسكار كالفودكا والويسكي والتكيلا والأبسنت
لقد كان عمر بن الخطاب يريد تحريم الخمر المطبوخ كاليهودية لكن لم يوافق القرآن رأيه ولم ينزل في ذمها إلا اجتماعها مع الميسر، لكنه لما تولى حرمها ثم استمر بشرب الأنبذة وسمح بها لرعيته وزاد في حدود الله من عنده فعمل المسلمون بسنته
ومقدار مس النار للخمور لا يمكن ضبطه إلا بأدنى طبخة فمنه المثلث الذي غلي حتى ذهب ثلثاه، والمنصف الذي ذهب نصفه، أو الذي غلي حتى قذف بالزبد، ولا جدوى من التفريق بين نوع العنب الطازج أو المجفف أو غيره من أصناف الفواكه وأنواع الثمار
من هنا كان عدد من الصحابة والسلف يوجبون الوضوء من لحوم الابل أو الطعام الذي مسته النار لأنه كان يطبخ بالخير أو يرافقه أشد أنواع النبيذ الذي يقطع لحوم الإبل في بطوننا من أن يؤذينا، فما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن
وبعضهم أوجب الوضوء حتى من الكلمة القبيحة لنفس المنطلق، وحتى حد السكر لما زيد فيه جعلوه كالقذف، ومرد الاجتهاد إلى قصة النعيمان الأنصاري الذي جيء به مرارا إلى النبي فضرب بالجريد والنعال غير مقدر بحد، وذلك لأنه كان كثير المشاكل في سكره ووعيه، وتجاوزاته معروفة في طرائف الصحابة والسلف
(ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) وفي قراءة ابن مسعود (من المال) وهذا يخالف الواقع والمعنى فالأموال فتنة، والاكتناز منهي عنه، وأصلا قد أغنى الله النبي ومن قبل زواجه بخديجة، وورث عن أبيه فقط جارية وماشية والسيف مأثور، فالخمر هنا أنسب لمن عرف مستقبله فتواسيه أو يحتفل
وورد أنه كان للنبي مقتنيات ثمينة أكثر مما ينسب له في المتاحف، فقد كان كثير المال غنيا منفقا لا فقيرا زاهدا، بل إن ثروته هي أهم أسباب اجتماع المنافقين عليه، حتى نزلت آيات تهذبهم في طلباتهم وغير مختلسي النظرات. لكنه لما مات اختفى المنافقون واختفت أملاكه ونزلت تهمة مانعي الزكاة
تحريم الخمر من مسائل الجاهلية التي ترافق الأخذ بالثأر وخالفها الإسلام، بينما كان من خيار سادات العرب وأشرافهم من يشربونها صرفا حتى ماتوا، وكان مما يمدح الشعراء كرمهم فيها على الناس، فقوله (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير ) أي الخمر، بينما الصحة والمال يسأم منها من يعش ثمانين حولا
(أشحة على الخير) قالوا: الغنيمة، مع أن الصورة نزلت في غزوة الخندق وقبل وجود الغنائم، وقد ورد في سبب النزول أن رجلا من الصحابة وجد أخاه بين يديه شواء ورغيف ونبيذ، فقال له: أنت هاهنا، ورسول الله بين الرماح والسيوف؟!
(وإنه لحب الخير لشديد) وهنا قالوا: المال، ثم اختلفوا في سبب التقديم والتأخير ومعنى شديد، بينما الشدة أنسب للنبيذ وبلا تأويل لظاهر المعنى والسياق، فقد كان عمر يعجبه النبيذ الشديد، وكان إبراهيم النخعي وعامر الشعبي يشربان المسكر من النبيذ، وكان يقول: لا خير في النبيذ إلا الشديد منه.
وفي الحديث إن الزلزلة تعدل بنصف القرآن والعاديات بنصف القرآن، فلا يخفى الارتباط بين السورتين لهذا ناسب ذكر الخير الشديد في العاديات عقب (خيرا يره)، (وشرا يره) في الزلزلة، ولا ضير في تعاقب الأقوال في الخمر والخل أحيانا أيهما الخير وأيهما الشر، لوجود حديث صحيح: خير خلكم خل خمركم.
فالعاديات كالصافنات ليست الخيل ولا الإبل، ففيها قراءات بتشديد الياء والدال، لكن قالوا غلط بل هي العوادي التي تصهل بالهمس كالثعلب، والضبح صوته، ثم نجد عادي قديما تعني: القديم جدا، نسبة لقوم عاد، فالأصل أن يقال العاديات أي قديمة التعتيق، وانضبح الشيء لغة: احترق أعلاه أو اسود لونه.
"كان العرب إذا رأوا أثرا قديما أو أطلالا قديمة عليها نقوش لا يعرفون صاحبها، قالوا إنها عادية، وقد تحدث المسعودى عن أشجار عادية، أى قديمة جدا، ولهذا السبب رأى (ولهوزن-Wellhausen) أن كلمة (عاد) لم تكن اسم علم في الأصل، بل كان يراد بها القدم، وأنها تعني: منذ عهد قديم جدا"
(جواد علي)
والعاديات عندهم مختلف فيها وفي سبب نزولها والأشهر أنها مكية وهي الإبل تعدو في الحج، ثم أولوا الضبح بالضبع أي تمد رقابها. وفضلا عن أن بعضهم أجاز تخفيف ياء النسب في مثل "الحواريون" فقد وجدت قراءة شاذة بتشديد ياء "العاديات" أو إشباع كسرة الدال، لهذا وجب ذكرهما لصعوبة الوصول للمصدر.
والردود والاعتراضات كثيرة متنوعة بين المفسرين أنفسهم، فالإبل لا تضبح، ولم يكن جهاد في مكة، وحتى غزوة بدر لم يكن فيها إلا فرس واحدة، لكن لو قيل: إنه انضباح اللون، أي: يميل إلى السواد، لكان أظهر لغة، وأنسب للسياق، وأبلغ لو اعتبر تورية بالخيل فالخير معقود بنواصيها.
أم الخير التي تجمع كل خير، لأنّ الأمّ لكل شيء هي المجمّع له. وقيل: هي الخمر.
(موسوعة اللغة- إميل يعقوب)
"لك الخير" كان تعبيرا قديما منذ الجاهلية يماثل قولهم الان مع قرع الكؤوس: "في صحتك" أو "بمحبتك" أو "كاسك"، ومنه قول أبي نؤاس:
اسقنيها سلافة *** سبقت خلق آدما
فاسقنيها وغنّ صوتا لك الخير أعجما
وقد تكون بالجمع "لك الخيرات" كقول الشاعر عمرو الوراق:
يا أبا موسى لك الخيرات قد حان اللقاء
هاكها صرفا عقارا *** قد أتاك الندماء
وكذلك قد تسبق بياء النداء "يا لك الخير" مثل قول أبي ذؤيب الهذلي:
فقلت لقلبي يا لك الخير إنما
** يدلّيك للخير الجديد حِبابها
ولا الراح راح الشام جاءت سبيئة
** لها غاية تهدي الكران عقابها
(قال الدينوري في كتاب النبات: يقال لما ينزو من الخمر إذا مُزجت : الحباب والفواقع)
فالخير الجديد هنا دليل على وروده بمعنى الخمر. لكن رواية البيت الأشهر عند اللغويين هي (للموت الجديد حبابها) ثم اختلفوا في كسر وضم الحاء، فبالكسر قالوا مشتقة من الحُب! وبالضم قالوا اسم رجل! ثم لا زالوا يحرفون ويطمسون الحقائق فيتخبطون كعادتهم بلا كلل أو ملل.
books.google.com.sa
واختلفوا في ضبط حاء الحباب فقد تعني الدّنان، ففي اللسان: الدُّن: ما عظم من الرواقيد وهو كهيئة الحُبّ إلا أنه أطول مستوي الصنعة في أسفله كهيئة قونس البيضة. وقيل الدن من الحب له عسعس فلا يقعد إلا أن يحفر له. قال ابن دريد: الدن عربي صحيح، وجمعه دنان، قال ابن بري: ويقال للدن الإقنيز.
وفي قوله (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) قيل: المن من العسل، وقيل: شراب حلو، وقال الربيع: المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه، وقال عكرمة: المن: شيء أنزله الله عليهم مثل الطل شبه الرب الغليظ.
وإن كان السلوى العسل - كما حكي المؤرِّج السدوسي - فهو مشروب أيضاً.
(تفسير القرطبي)

جاري تحميل الاقتراحات...