كانت امرأة وضاءة هذا ما أذكره عن سماتها، رغم اختلافنا المستمر في المعتقد إلا أنها كانت المرأة الملهمة الوحيدة التي تمنيت أن أصير مثلها وعلى نمطها فما رأيت لها في محيطي شبيها=
بادئ الأمر كنا نجلس في حديقة الجامعة أثناء أوقات الفراغ،ورغم أنني امرأة عالمانية وفيّ كل الأفكار النسوية والتقدمية الرافضة لأي خلق ديني أو تفسير إسلامي للحياة واتصالي غير المحدود بالعديد من النساء اللاتي يشابهن عقلي، إلا أنني لم أجد الأنس والانبساط إلا مع امرأة ترتدي عباءة سوداء
وطيلة وقتها تحمل نهج البلاغة ككتابٍ تستمد منه الحكمة.. كلما حدثتها عن الفلاسفة والتجريبيين قاطعتني بهدوء، أتحبين سماع خطبة صغيرة أو رسالة من كلمات علي ابن أبي طالب؟
لا تنظري لعلي على أنه شخصية دينية انظري له كشخصية إنسانية
لا تنظري لعلي على أنه شخصية دينية انظري له كشخصية إنسانية
-كانت تتودد لي بهذا الكلام لأنها لا تجرؤ على قول اسم علي حاف إلا وهي تسبقه باسم الإمام، محاولةً استمالتي لئلا أنفر من خطابها-.
بعد سنوات من التخرج وذبول الجموح وركازة العقل والنور الرباني الذي ملأ القلب؛ أتيتها وقلت لها خبِّريني كيف قدرتِ على ارتداء العباءة؟ ما الذي حفزك للباس الشرعي؟ أود ارتداءه ولكني مليئة بالوساوس: كيف لي بترك الملابس الأنيقة؟
لم أكن امرأة موضة وتصاميم حديثة بل كنت –طيلة عهدي- امرأة عتيقة تميل للذوق البرجوازي للباس، الثياب متوسطة الطول الجادة مع توربان صغير على الرأس، فكيف أترك ذوقي ذا وأتجه للعباءة (حيث أنها العرف المنتشر في بيئتنا)
فابتسمَت وكأني أعدت إليها ذكريات مليئة بالنسمات الباردة -هذا شعورٌ يتمالك كل النساء الدينات، عذوبة اللحظات الأولى من حلاوة الإيمان- وبدأت تسرد لي قصتها وكيف كانت أمها قدوة لها لتكون سيدة ملتزمة، وهنا لا تقصد الالتزام الديني فقط بل الالتزام الحياتي الهُوياتي النفسي في سبر الحياة
الذي حول الفرائض الدينية بالنسبة إليهن لمتعة حياتية ومهمة عذبة لإنسان مسؤول بعقله وروحه لا محض طفل طيلة وقته يشكو من كونه ضحية وقعت عليها واجبات لم تخترها!
بمرور الأيام أصبحتُ هائمة بالتطبيق، فراودني سؤال لم عددٌ كبير من الفتيات تجدُ صعوبة في اتخاذ قرار الحجاب أو الالتزام بالأوامر الربانية المكلفة بها لتكون مسلمةً في جوهرها وسمتها. ومن أشقاها حملا -كما نسمع ونقرأ- شعيرة إدناء الجلابيب -أُفضلُ إطلاق ذا الاسم،
أو اللباس الرباني للمسلمات لأننا في زمن انفكاك القيود عن المصطلحات-.
وقد ذهلت عندما قرأت لبعض النساء الثقفات من تنشيطهن تلك الدعوة والفوبيا والخوف من مسألة الحجاب وإعلانه كحربٍ بين النفس والشرع، وفذلكاتٍ أدبية تعلي الطبائع على الفرائض وكأنما الأوامر صيغت لكائن غير الإنسان
أو هو جهاد مريرٌ ستخطو إليه المرأة في عصر التقدم الذي يهيم بعرض الجمال الأنثوي ولا يقبل قيما تحاول ضمه.
فكنت دائمة التضرعِ لله بأن يدلني على طريقه..
فكنت دائمة التضرعِ لله بأن يدلني على طريقه..
ففجأة بدأت أتطلع لنمط الحياة البسيطة Minimalism في التقلل من الممتلكات لأن مفعول الإيمان كان كبيرًا على بصيرتي خصوصا حينما أستحضرُ الآثار التراثية الزهدية عند قراءة المفاهيم المُكُّلزّة في هذا الشأن؛ فصرت لا أميل إلا للثياب البسيطة الواسعة المريحة التي تشبه روحا ترى في الثياب=
سترا للبدن وفيها فسحة تمنح فرصة للجوهر بالبروز بدلا من ثياب مليئة بالجمال والتصاميم تخفي قيمةً كنت أريد لها أن تطغى.. فكانت خصال الثياب المسلمة!
وبعد رغبة عن نمط حياة الاستهلاك الحديثة في كل مناحيها من الثياب والطعام والممتلكات؛ أدركت بالتجربة أن ذلك الخوف الذي كان يملأ نفسي عن الإدناء كان سببه تشبعي بحياة غير فطرية، حياة تناقض الفطرة والنفس الزكية
التي متى ما مُلئت بالفضائل وأعلي فيها الجوهر وقيمته لم تعد تجد ضيقا في تعاليم الدين، بل ستجدها رحبة هينة لينة سهلة، وتتعجب من ضيق وكمد اللاتي يتحدثن عن وعورة تطبيقه، ليس في الدين شيء يصعب تنفيذه وإنما نفوسنا حينما باللوث والغفلة=
فيصعب عليها تخيل محض التفكير، من هنا أدركت لمَ كنت محبة وهائمة بتلك الصديقة الوضاءة، إنها امرأة مكتظةٌ بالفطرة بالحكمة بالنفس الفاضلة بالتلذذ بالوقوف على حياة فيها قانون ونظام لا محض سير غافل!
جاري تحميل الاقتراحات...