منصور العساف
منصور العساف

@mansoralassaf

64 تغريدة 507 قراءة Mar 29, 2020
لعشاق الأدب العربي الأصيل..
تحت هذه التغريدة سوف اسرد لكم _بمشيئة الله_ قصة أمبراطور الشعر العربي أبو الطيب المتنبي..حياته..قصائده..زمانه..
مدائحه...كيف عاش؟ وأين تنقل؟ ولماذا قتل؟... احفظها ففيها أجمل الأبيات وأروع القصائد..
ولد أبو الطيب أحمد بن الحسين الذي لقب فيما بعد بالمتنبي عام (٣٠٣) بمدينة الكوفي وتعاطى الشعر في صباه ومقتبل شبابه بل أنه مدح أمراء العرب في شمال بلاد الشام وهو ابن (١٨ سنة) وذلك حين ارتحل إلى هناك مطلع شبابه ليبقى في تلك الديار قرابة (١٦ عام) مدح خلالها (٣٢ وجيه) في (٤٤ قصيدة)..
كما نظم في تلك المدة خمس قصائد لنفسه أظهر فيها تطلعاته وطموحه وآماله وخلالها _أو قبلها_ لقب بالمتنبي لقوله :
ما مقامي بأرض نخلة إلاّ
كمقام المسيح بين اليهود
أنا في أمـة تداركها الله
غريب كصـالح في ثمود
وقيل بل لأنه ادعى النبوة ببادية السماوة والرواية الأولى أقوى..
شهد عصر المتنبي ضعف الدولة العباسية وظهور ما يسمى الدول المتتابعة حين خرج الأمراء والولاة واستقلوا بالأقاليم ومع هذا ظلت الخلافة _والخليفة_ رغم ضعفها ذات هيبة وإجلال من قبل عدد من الأمراء والولاة كما كثر حكم وملك العجم في بلاد العرب ولا أدل على ذلك إلا أن...يتبع
اثنين من أشهر ثلاثة ملوك مدحهم المتنبي كان أحدهم حبشي والثاني فارسي والعربي الوحيد من بينهم هو سيف الدولة الحمداني كما عم المذهب الشيعي في دول ذلك القرن فالبويهيون الذين منهم عضد الدولة الذي مدحه المتنبي كان شيعياً والدولة الحمدانية التي منها سيف الدولة _ممدوح المتنبي_ كانت شيعية
كما كان القرامطة شيعة والعبيديون (الفاطميون) الذين سيطروا على تونس وبلاد المغرب العربي كانوا شيعة أيضاً ولم يبقى للسنة آنذاك إلا الخليفة العباسي في العراق وكافور الأخشيدي في مصر والدولة الأموية بالأندلس وبلاد الترك(ماوراء النهر) وهي الجمهويات الخمس جنوب روسيا الآن حيث أصل الترك..
وبعيداً عن الخلافات الطائفية والقومية كان المقصد من هذا السرد إيضاح البيئة التي ظهر فيها المتنبي الذي لم يسلم هو من أقلام المؤرخين فبين من يشكك في نسبه وبين من يثبت أنه عربي قح من قبيلة سعد العشيرة من مذحج (قحطان الحالية) أما جدته التي عُنيت بتربيته والوحيدة التي رثاها من أهله..
فكانت همدانية صريحة النسب وبها استدل المؤرخون على صحة نسب والده لقبيلة مذحج فالقبيلتين يمانية من كهلان بن يشجب بن يعرب..لم يذكر المتنبي أجداده رغم أمجادهم المشهورة _إن صح نسبه_ كما لم يفخر إلا بنفسه ولم يرث أباه أو أقاربه ما عدا جدته الهمدانية التي ربّته بعد وفاة أمه وهو صغير..
بعد نزوله إلى الثغور (جنوب تركيا الآن) والأراضي الشامية تنقل المتنبي _كما ذكرنا_ يمدح أمراء الأمصار والولايات إلى أن نزل سيف الدولة الحمداني بأنطاكيا فقدمه (أبو العشائر) والي أنطاكيا لسيف الدولة ليلتقيا لأول مرة وذاك في عام (٣٣٧) ويستمر المتنبي في بلاط سيف الدولة ثمان سنوات..
مدحه خلالها في ثمانٍ وثلاثين قصيدة فيها اثني عشر وخمسمائة وألف بيت كما مدحه بإحدى وثلاثين قطعة حتى قيل أن ثلث شعر المتنبي كان في سيف الدولة ومنهن أروع وأجمل وأشهر قصائدة التي منها قصيدة (واحر قلباه) التي قال فيها:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جرّاها ويختصم
إذا نظرت نيوب الليث بارزةً
فلا تظنن أن الليث مبتسم
فالخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم
و يكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي
أنا الثريا وذان الشيب والهرم
وهناك من أضاف لها هذا البيت الشهير رغم أنه ليس فيها:
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
بأنني خير من تسعى به قدم
وفيه أيضاً قال رائعته الشهيرة:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها
وتصغر في عين العظيم العظائم
ويصف ثباته في المعركة قائلاً:
وقفت وما في الموت شك لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
ووجهك ضحاك وثغرك باسم
ومبالغات المتنبي في المديح كثيرة ولعلي هنا استشهد بإحد أبيات هذه القصيدة التي خالف فيها المتنبي حدود الشرع والمنطق حين مدح سيف الدولة بقوله:
تشرَّف عدنان به لا ربيعة
وتفتخر الدنيا به للعواصم
مع العلم أن عدنان تشرف بمحمد (عليه الصلاة والسلام) قبل أي إنسان وكما قال ابن الرومي:
وكم أبٍ قد عَلا بابْنٍ ذُرى شرَفٍ
كما علَتْ برسول اللهِ عدنانُ
وسترى في التغريدات أدناه _بمشيئة الله_ كيف بالغ المتنبي في مدح كافور ثم أنه حاول التنصل من هذا المديح المُبالغ والمُتصنع لاسيما أنه هجاه بأقذع الأبيات وأقبح الصفات..
وفي شعبان عام (٣٤١) مدحه بقصيدته التي قال فيها:
وما صبابة مشتاقٍ على أمل
من اللقاء كمشتاقٍ بلا أمل
والهجر أقتل لي مما أراقبه
أنا الغريق فما خوفي من البلل
لعل عتبك محمود عواقبه
فلربما صحت الأجسام بالعلل
لأن حلمك حلم لا تكلَّفُه
ليس التَّكحل في العينين كالكحل
وفي عيد الأضحى عام(٣٤٢) مدحه بقصيدته التي قالها وهما على فرسيهما بميدان حلب:
لكل امرىء من دهره ما تعودا
وعادت سيف الدولة الطعن في العدا
وقال فيها أبياته ذائعة الصيت:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا
مضر كوضع السيف في موضع الندى
وفي سنة (٣٤٥) مدحه عند منصرفه من أرض الروم بقصيدته "اليائية" التي كان مطلعها:
الرأي قبل شجاعة الشجعانِ
هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفسٍ مِرَّةٍ
بلغت من العلياء كل مكانِ
وهي من قصائده الأخيرة في سيف الدولة حيث غادره بعد قرابة عام عاتباً ومستجيباً لمكائد عذاله..
بيد أنه مع كل هذا حمل معه حب سيف الدولة، حيث ظل وفياً له معترفاً بكرمه ومودته، وكذا كان سيف الدولة مُقرِباً ومحباً له كما كان سخياً معه، لم لا ؟ وقد أنزله منزلةً تهفوا لها نفوس وطموح شعراء ذلك الزمان، على الرغم من أن مجلس سيف الدولة لم يكن ليخلوا من العلماء والنحاة والشعراء..
تلقى حينها المتنبي دعوة من حاكم مصر (الأستاذ) كافور الإخشيدي ولقب الأستاذ معروف في ذلك الزمان وسببه سيتضح لك إن أذنت لي بإطلالة سريعة على سيرة هذا الحاكم المكافح صاحب الفكر الطامح الذي حكم من خلاله أرض مصر وبلاد النوبة والحجاز وأطراف الشام واليمن..
اعتادت العرب أن تسمي مواليها بأسماء الأحجار الكريمة ك (لؤلؤ التركي) و (كافور الحبشي) و (ياقوت الحموي) تكريماً لهم وفخراً بهم وقد استمرت هذه الظاهرة إلى سنوات قريبة لاسيما لدينا في الجزيرة العربية..
كان كافور الإخشيدي يلقب "أبا المسك" وكان رقيقاً جُلب من أرض السودان والحبشة..
واشتراه سيده وهو صبي لم يبلغ العاشرة وكان الذي اشتراه "زيّاتاً" أي يتاجر في الزيت وحينها عاش الصبي كافور أقسى الظروف وأضيقها حيث كان يعصر الزيتوت ثم يعبئها في قلالٍ يحملها فوق كتفه إلى السوق ليبيعها لسيده..كان يقضي معظم يومه في العمل الشاق وكانت ثيابه وملابسة تتقطر من الزيت..
لم يكن الصبي حينها يعرف القراءة والكتابة وفي خضم أعماله شاهده محمود بن وهب الكاتب وأعجب بتفانيه في إنجاز أعماله فاشتراه من صاحبه وكان لمحمود هذا صُحبة مع محمد بن طغج الأخشيدي (الأخشيد لقب لملوك فرغانة في وسط آسيا) وكان محمد هذا والي للعباسين على مصر بعد سقوط الدولة الطولونية..
اهتم الكاتب بكافور فعلّمه القراءة والكتابة ورفع من مكانته و هيأ له المناخ العلمي وصار يرسله لبلاط الوالي محمد الإخشيدي الذي أعجب بنباهته وجديته فاشتراه من محمود الكاتب واستخدمه الإخشيد في عدة مناصب أمنيه فعلت به الرتب حتى أصبح رئيساً للشرطة ومن ثم قائداً بارعاً لجيوش الإخشيد..
وقيل أن الإخشيد حين اشترى كافور فرّغه لتعليم ابنيه لذلك أطلقوا عليه الأستاذ فيما بعد، وما أن توفي الإخشيد إلا وأصبح زمام الأمور بيد كافور الذي عرف بالإخشيدي نسبةً لسيده..
ملأ كافور مكانه في سدة الحكم واستطاع أن يوسع ممالكه ويقضي على خصومه بل أنه..
أوقف زحف أطماع الشيعة العبيديين (الفاطميون) الذين استهدفوا مصر بعدة حملات كما أحبه المصريون لبراعته في إدارة البلاد وكرمه مع العامة والخاصة وصفاء أيامه وحسن تصرفه مع الجميع ولذا عاشت مصر وأطراف الشام وجميع أقاليم دولته رغد العيش زهاء (٢٢ سنة) هي سنوات حكم كافور لمصر..
لقد قصدت ذكر أعمال كافور لكي يعلم القارئ أن ما تضمنته قصائد المتنبي من هجاء كافور إنما قيلت بسبب أن الأخير لم يَمنح شاعره بُغيَتهُ التي كان يطمع بها وهذا من ذكاء كافور، فالمتنبي رغب أن يُمنح إحدى الولايات وهو ما رفضه كافور بشدة رغم إغداقه له الأموال والهبات..
ما أن نزل المتنبي إلى بلاط كافور إلا وقال فيه قصيدته الشهيرة:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا
وحسب المنايا أن يكن أمانيا
حببتك قلبي قبل حبك من نأى
وقد كان غداراً فكن أنت وافيا
قواصد كافور توارك غيره
ومن قصد البحر استقل السواقيا
فجاءت بنا إنسان عين زمانه
وخلت بياضاً خلفها ومآقيا
لقد شبه كافور بالبحر الزاخر في حين ترك السواقي لغيره من ملوك تلك العهود كما وصفه (بعين الزمان) بل وصفه بما لم يصف به غيره حين قال في نفس القصيدة:
وأنت الذي تغشى الأسنة أولاً
وتأنف أن تغشى الأسنة ثانيا
فهل قرأتم أجمل من هذه الأبيات ؟
كانت هذه الأبيات باكورة مدائحه لكافور وقد قالها في شهر جمادى الثانية عام (٣٤٦) وبعدها في شهر رمضان من ذات السنة قال يمدحه:
يدير الملك من مصر إلى عدن
إلى العراق فأرض الروم فالنوب
كأن كل سؤال في مسامعه
قميص يوسف في أجفان يعقوب
وذات مرة أهداه كافور فرساً فقال فيه قصيدة مطلعها:
فراق ومن فارقت غير مذمم
وأم ومن يممت خير ميمم
وهو هنا يحفظ جانب ممدوحه السابق سيف الدولة الحمداني حتى وهو في بلاط كافور الإخشيدي وهي ميزة بقيت للأول ولم تبق للثاني..
وفي شوال عام (٣٤٧) مدحه بقصيدته "البائية" التي قال فيه:
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب
وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
وأخلاق كافور إن شئت مدحه
وإن أشا تملى علي وأكتب
إذا ترك الإنسان أهلاً وراءه
ويمم كافوراً فما يتغرب
لقد سحرت هذه الأبيات كافوراً فما عاد المتنبي يفارق مجلسه..
وبعدها بسنتين أي في (شوال عام ٣٤٩) طال انتظار المتنبي فصرح لكافور برغبته في تحقيق مطالبه وذلك في قصيدته الشهيرة التي يعشقها طلاب العلم والتي قال فيها:
أعز مكانٍ في الدنى سرج سابحٍ
و خير جليس في الزمان كتاب
وفي النفس حاجات وفيك فطانة
سكوتي بيان عندها وخطاب
حينها لم يكن ثمة مناص من المصارحة بين المتنبي وممدوحه ويذكر عدد من المؤرخين أن كافور صرح للمتنبي وكاشفه قائلاً لجلسائه: ياقوم من ادعى النبوة بعد محمد ألا يدعي الولاية بعد كافور، عندها انتهى كل شيء بالنسبة للمتنبي الذي تملكه الغضب واحتال للخروج السريع من مصر ليصدح بقصيدته الشهيرة:
عيد بأي حال عدت يا عيد
بما مضى أم لأمر فيك تجديد
وفيها بالغ في هجاء كافور وقال أبياتاً قبيحه لا يستحسن ذكرها في هذا المقام، ولم يقف هجاءه على هذه القصيدة بل هجاه في عدة قصائد إحداها نظمها على وزن أول قصيدة مدحها فيه..
والتي مطلعها:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا
و حسب المنايا أن يكن أمانيا
حيث قال في الأخرى:
وتعجبني رجلاك في النعل أني
رأيتك ذا نعل وإن كنت حافيا
ومثلك يؤتى به من بلاد بعيدة
ليضحك ربات الحداد البواكيا
وإنك لا تدري ألونك أسود
من الجهل أم قد صار أبيض صافيا
استمر المتنبي يهجو كافور ولم ينقطع وبين أول قصيدة وأخر قصيده مدحه فيها ثلاث سنين وأربعة أشهر وخروجه لم يكن بعد قصيدته التي صرح فيها بمطالبه لأن كافور لم يجيبه بصراحه إلا بعد سنة وشهرين أي أن أخر قصيدة للمتنبي في مدحه كانت في عام (٣٤٩) بينما خرج من مصر عام (٣٥٠)
بعد أن مدح كافور بتسع قصائد وقطعتين شملت (٣٧٠ بيت) أي أنها توازي ربع ما مدح به سيف الدولة وكما ذكرنا أنه مكث عند سيف الدولة ثمانية أعوام بينما مكث في بلاط كافور أربع سنوات ونصف..
عاد بعدها إلى بلاده العراق وارسل إلى جدته بقرب قدومه لها ففرحت فرحاً شديداً حتى توفيت قبل وصوله لها..
فعلم بالخبر وهو على مشارف الكوفه فبكاها بكاءً حارقاً وقال فيها رثائيته الشهيرة:
ألا لا أرى الأحداث حمداً ولا ذما
فما بطشها جهلاً ولا كفها حلما
أتاها كتابي بعد يأسٍ وترحةٍ
فماتت سروراً بي فمت بها غمّا
وضاعفت هذه الحادثة أحزانه وهو الذي قال قبل أن يودع مصر يشكو الحُمى والغربة:
ولم أرى في عيوب الناس عيباً
كنقص القادرين على التمام
وزائرتي كأن بها حياء
فليس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا
فعافتها وباتت في عظام
أبنت الدهر عندي كل بنت
فكيف نجوت أنت من الزحام
يقول لي الطبيب أكلت شيئاً
وداؤك في شرابك والطعام
كما أنه قبل خروجه من مصر وصله أن قوماً نعوه في مجلس سيف الدوله فقال وهو يرثي أحواله وضيق صدره:
بم التعلل لا مال ولا وطن
ولا نديم ولا كأس ولا سكن
أريد من زمني ذا أن يبلغني
ما ليس يبلغه من نفسه الزمن
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
كان وصول المتنبي للعراق بعد أن سيطر عليها البويهيون مع بقاء مقام الخليفة العباسي في بغداد وقد تردد شاعرنا بين الكوفه وبغداد وحين نزل الأخيرة طلبه الوزير المهلبي فلم يستجب له المتنبي فحرض عليه الوزير شعراء بلاطه ومنهم (ابن لنكك) لكن المتنبي تجاهلهم ولم يرد على أحد منهم..
كانت بغداد في ذلك الزمان _رغم ضعف نفوذها السياسي_ حاضرة الدنيا ولؤلؤة المدن ومهوى أفئدة العلماء والشعراء وطلاب العلم حتى وصفت لياليها بالأعراس وأيامها بالأعياد لم لا ؟ وهي حاضرة حكم بني العباس ومعقل خليفة المسلمين، بل لقد قال عنها المؤرخون: من محاسن الدنيا يوم العيد في بغداد..
هناك تلقى المتنبي دعوة من عضد الدولة أقوى سلاطين الدولة البويهية والذي جعل من شيراز عاصمة لدولته فشد المتنبي له الرحال وهناك مدحه بست قصائد وأرجوزة وقطعة ومكث عنده قرابة ثلاثة أشهر وكانت أولى مدائحه تلك التي كان مطلعها:
أوه يديل من قولتي واها
لمن نأت والبديل ذكراها
كما مدحه بقصيدة من روائع شعره وذلك في شعبان من عام (٣٥٤) قال فيها:
فدا لك من يقصر عن مداكا
فلا ملك إذن إلا فداكا
إذا اشتبهت دموع في خدودٍ
تبين من بكى ممن تباكى
وكان عضد الدولة لقب له أما اسمه فهو "فنّاخسرو" وهو من الديلم لكنه يجيد العربية ويعشق الشعر وكان أقوى سلاطين زمانه..
وفي مدينة شيراز عاصمة عضد الدولة شعر المتنبي بالغربه فالبلاد التي نزلها طيلة حياته كانت أراضٍ عربية ولذا كان عليه أن يتساير مع وضعه في "شيراز" مع اللغة الفارسية ورغم أن مقامه هناك لم يزد عن ثلاثة شهور إلا أنه عبر عن هذه المشاعر في قصيدته التي مدح فيها عضد الدولة وقال في مطلعها:
مغاني الشعب طيباً في المغاني
بمنزلة الربيع من الزمان
ولكن الفتى العربي فيها
غريب الوجه واليد واللسانِ
وفيها قال بيته "الساحر":
فما يُسمى كفنّاخسر مسمٍ
ولا يكني كفناخسر كاني
وأترك لعقولكم شرح وتفسير هذا البيت العجيب..
وبعد أن أجزل "عضد الدولة" له العطايا والهبات ودع المتنبي شيراز في السابع عشر من رمضان عام (٣٥٤) وقطع مسافة السفر على خير ما يرام وكان معه ابنه اليافع محسّد وعدد من مماليكه وحين اقترب من بغداد ظهر له فاتك الأسدي خال ظبه بن يزيد الذي سبق أن هجاه المتنبي في قصيدة هي من أسوأ قصائده..
تقدم فاتك الأسدي الذي قيل أنه كان يقطع الطريق للثأر من المتنبي الذي هجا ابن أخته بأقذع العبارات وتطاول على أمه (أخت فاتك) فقاوم المتنبي وابنه ومماليكه إلا أن الغلبة كانت لجماعة فاتك التي تفوقهم في العدد وقيل أن المتنبي لمّا يأس من حاله هم بالهرب..
لكن أحد مماليكه قال له: لا يتحدّث الناس عنك بالفرار وأنت القائل:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والرمح والسيف والقرطاس والقلم
فرد عليه المتنبي قائلاً: قتلتني قتلك الله ثم عاد للقوم فقاتلهم إلى أن قُتل هو وابنه وجميع مماليكه وذلك في يوم الأربعاء (٢٨ رمضان) عام (٣٥٤) وعمره (٥١ سنة)
وهكذا أسدل الستار على قصة أعظم شعراء العربية الذي سعى طيلة أيام حياته للظفر بمنصب الولاية أو الأمارة لأي مقاطعة أو مدينة تحقيقاً لطموحات سابقة كانت تدفعه إلى مدح الأمراء والملوك لتذليل الطريق أمام مبتغاه، حتى أنه أخذ على نفسه عهداً أن لا يمدح من هو دون مرتبة الوالي أو الأمير..
وما علم _رحمه الله_ أن شعر لن يخلد ذكره فحسب بل سوف يخلد ذكر ممدوحيه الذين ما كان للناس أن يعرفوا سيف الدولة الحمداني أو كافور الإخشيدي أو عضد الدولة البويهي لولا أن المتنبي نزل إلى بلاطهم وأغدق عليهم من قصائده ومدائحه...ليته علم أن شعره أقوى من ولاية عابرة أو أمارة زائله..
وبالإضافة إلى ما ذكرنا أعلاه من روائع قصائده سوف نسرد الآن _بإذن الله_ عدد من أبياته التي طارت بها الركبان وتناقلها الشعراء والأدباء وملأت دواوين الخُطب والنثر والأدب..
فقد قال وهو في مصر قصيدته "التأملية" لكنه لم ينشهدها لكافور ومطلعها:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا
وعناهم في شأنه، ما عنانا
كلما أنبت الزمانُ قناةً
ركّب المرءُ في القناة سِنانا
ومراد النفوس أصغر من أن
نتعادى فيه وأن نتفانا
إذا لم يكن من الموت بدُّ
فمن العجز أن تموت جبانا
وقال وقد بلغه أن قوماً نعوه في مجلس سيف الدولة وكان المتنبي حينها في مصر عند كافور فقال ذائعة الصيت التي مطلعها "بم التعلل لا أهل ولا وطن" وفيها قال بيته الشهير:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تحري الرياح بما لا تشتهي السفن
وشطر البيت الأول سبقه فيه أبو العتاهية
ومن روائع قصائده أيضاً ما مدح فيه الخطيب الخصيبي في أنطاكيا حين قال:
أفضل الناس أغراض لذا الزمن
يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
فقر الجهول بلا عقل إلى أدبٍ
فقر الحمار بلا رأس إلى رسن
وإلى قصيدته التي مدح فيها بدر بن عمار حيث قال:
الحب ما منع الكلام الالسنا
وألذ شكوى عاشقٍ ما أعلانا
وأمر من فقد الأحبة عنده
فقد السيوف الفاقدات الأجفنا
ومكايد السفهاء واقعة بهم
وعداوة الشعراء بئس المقتنى
وقال يهجو "ابن كيغلغ" الذي طلب منه أن ينزل إلى بلاطه ليمدحه بطرابلس لكن المتنبي هجاه بقصيدته "الميمية" ومنها قوله:
ذو العقل يشفى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حتى يراق على جوانبه الدم
ومن البلية عذل من لا يرعوي
عن غيّه وخطاب من لا يفهم
ومن روائعة قوله في مدح علي التنوخي:
إنما الناس بالملوك وما
تفلح عرب ملوكها عجمُ
وإني وأن لمت حاسدي فما
أنكر أنني عقوبة لهم
واعتبر النقاد هذا البيت الأخير قمة الاعتداد بالنفس..
وقال يمدح فاتك "أبا شجاع" حين كان في مصر :
لا خيل عندك تهديها ولا مال
فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
لولا المشقة ساد الناس كلهم
الجود يفقر والإقدام قتال
فجرى البيت الأخير على ألسنة الناس مجرى الحكمة..
ضرب الزمن ضرباته وبعد فراق طويل بينه وبين سيف الدولة ارسل له الأخير ابنه إلى الكوفة ليقدم له الهدايا فقال المتنبي قصيدته "ما لنا كلنا جو يارسول"
فيها قال بيته العجيب:
لست أرضى بأن تكون جواداً
وزماني بأن أراك بخيلا
أي لا يسعدني أن تكون جواداً كريماً وزماني بخيل عليّ برؤيتك..
لم يكن للمتنبي قصائد غزلية عدا أبيات محدودة قالها في صباه وهذه أروعها رغم أنها لمدح شجاع الأزدي وليست للغزل لكنها من روائعه ومطلعها:
أرق على أرقٍ ومثلي يأرق
وجوى يزيد وعبرة تترقرق
جهد الصبابة أن تكون كما أرى
عين مسهدة وقلب يخفق
عذلت أهل العشق حتى ذقته
فعجبت كيف يموت من لا يعشق ؟
وكذلك قوله:
لا تعذل المشتاق في أشواقه
حتى يكون حشاك في أحشائه
إن المحب مضرجاً بدموعه
مثل القتيل مضرجاً بدمائه
وهنا لك أن تتساءل ماذا لو كان المتنبي من زمرة العُشاق..؟
انتهت سيرة أعظم شعراء العربية "المتنبي" واترك لكم هنا اختيار الشاعر الذي ترغبون الوقوف على حياته ومسيرته الشعرية..

جاري تحميل الاقتراحات...