بدور عبد المنعم عبد اللطيف
بدور عبد المنعم عبد اللطيف

@BidourMoneim

12 تغريدة 43 قراءة Mar 28, 2020
د. زاكي الدين .. د.حسن عثمان و بطاقة شكرٍ تأتي متأخرة
بقلم : بدور عبدالمنعم عبداللطيف
في أغسطس من العام 1976، كنت وزوجي نجلس إلى ذلك الطبيب "حسن عثمان عمر"، في عيادته بالسودان والساعة قد تجاوزت العاشرة مساءً، وبين يدينا ذلك الصغير ولم يكن عمره حينها يتجاوز الأربع أيام +
جاء إلى الدنيا مثل أيّ طفلٍ عادي تكاد الدماء تطفر من خدوده الوردية ويفوق حجمه أقرانه كثيراً، ولكن تلك الصحة سرعان ما أخذت تتلاشى وذلك الخد الوردي أمسى أشبه بثمرةٍ عجفاء قد عبثت بها رياح الخريف بعد أن أصرت "المعدة" على لفظ كل ما يأخذ طريقه إليها من سوائل، مما أثر سلباً في صحة +
الطفل الذي أخذ وزنه يسجل عدّاً تنازلياً مخيفاً.
في ذلك اليوم الذي أكمل فيه الصغير عشرة أيامٍ من عمره، أخذناه الى العيادة للفحص وقياس الوزن كما تعودنا..لحظتها كان وجه الطبيب يشي بقدرٍ غير قليل من الجدية والخطورة، وبدا أن الكلمات وحدها غير كافية لإيصال ما يود قوله، فعمد إلى ورقة +
راح يرسم عليها ما يحاول جاهداً إيضاحه لنا من شكوك في أن يكون مرد تلك الأعراض ضيقاً في "المعدة"، وهي حدثٌ متعارف عليه طبياً، إلا أنه من غير المتعارف عليه ظهورها في تلك السن المبكرة، إذ عادةً ما تُلاحظ تلك الأعراض عند بلوغ الطفل الشهرين. "وعلى كلٍ أصبح لا خيار أمامنا سوى فتح +
البطن والبحث على أمل أن تكون شكوكي في محلها... ومهما تكن نتيجة العملية فإن إستمراره في هذا الوضع ليس بأقل .." ولم يكمل ، وكأنه قد تذكر فجأة وهو في غمرة إستغراقه في نتائج العملية، أنه يخاطب الوالدين وفي شأن أقرب الناس إليهما.
وجاءت عبارة الطبيب المبتورة والتي استطاع إجهاضها في +
آخر لحظة بصمته المفاجئ، تحمل رائحة مقولة القائد "طارق بن زياد" وهو يخاطب جنده بعد أن أحرق المراكب جميعها: "أين المفر ؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر". +
وفي نفس تلك الليلة تم الإتصال بجراح مشهود له بالكفاءة والخبرة، هو الدكتور "زاكي الدين أحمد زاكي الدين"، وتقرر أن تكون العملية في الصباح الباكر وبدون كشف أشعة أو غيره من الإجراءات المتبعة في مثل تلك الأحوال حيث أن أي تأخير لا يزيد الأمور إلا تعقيداً.+
لا أطيل على القارئ كثيراً في سرد تفاصيل تلك العملية. وفي مثل تلك الأحوال كثيراً ما تبرز لمسات إنسانية تأبى إلا أن تفرض نفسها علينا مذكرةً إيانا ألا تقنطوا مما وصل إليه عالم اليوم من أنانيةٍ ومادية ومؤكدةً للإنسان أن أخاه الإنسان مايزال بخير. +
فذلكم الجراح -الدكتور "زاكي الدين أحمد
زاكي الدين"- والذي استغرقت منه تلك "العملية الجراحية الدقيقة" ما يزيد على الساعتين" يرفض أن يتقاضى أجراً " في مقابل ما اعتبره إثراءً وإضافة لعلمه في ذلك الوقت أي عام 1976م. وطبيب الأطفال (حسن عثمان عمر) بدوره يغلق عيادته مصدر رزقه ورزق +
عياله لمدة أسبوعين كاملين بعد العملية، ويظل قابعاً على كرسي بجانب الطفل المريض يرقب عملية التغذية والعلاج التي تتم بواسطة أنابيب غُرزت في أوردة رأسه وقدميه متحسباً لأية مضاعفات متوقعة بعد العملية، وما أكثرها لطفلٍ في ذلك العمر، وبتلك الصحة، حتى وصل الطفل إلى شاطئ الأمان مجتازاً +
الخيط الرفيع بين الحياة والموت بما هو أشبه بالمعجزة. وحينها فقط تنفس ذلك الطبيب الإنسان، الصعداء وسلمنا إياه "رافضاً مقابل ذلك جزاءً ولا شكوراً" +
والآن وهذان السامقان بين يدي مليك مقتدر ، نسأله جل جلاله أن يكرم وفادتهما وأن يبارك في ذريتهما وأن يجزيهما عنا وعن مرضاهم الكثر خير الجزاء . . أنه سميع مجيب الدعاء .

جاري تحميل الاقتراحات...