مهما حاول أبو الطيب أن يقنعنا ببداوته، لن يعمينا عن مدنيته؛ فكما نشأ في بادية السماوة، تعلّم في مكتبٍ في الكوفة، وكما كان يتزيّا بلبس الأعراب، ويحتنك بذؤابة، ويتنكبّ قوسًا عربية، كان أيضًا يرتع في لذائذ المدن؛ يأكل الحلوى بالزعفران، والسمكَ باللوز والعسل.
نعم، كان يؤثر البدويّات ويقصر عليهن غزله: ما أوجه الحَضرِ المستحسنات به * كأوجه البدوياتِ الرعابيبِ * حسنُ الحضارة مجلوبٌ بتطريةٍ * وفي البداوة حسنٌ غير مجلوبِ * أفدي ظباء فلاةٍ ما عرفن بها * مضغ الكلام ولا صبغَ الحواجيبِ * ولا برزن من الحمامِ ماثلةً * أوراكهنّ صقيلاتِ العراقيبِ.
لكنّ الصراع بين بدويته وحظريته غائرٌ شامل، يتجاوز ذوقه ومزاجه إلى شعره؛ فمفرداته -وإن أوهمنا حوشيّها ببداوتها- تصدر عن رجلٍ يحفظ جمهرة ابن دريد كاملة، وجُمله الحافلة بتثنية المفرد، وحذف هاء التنبيه، وتصغير ما لا يُصغّر، ليست جمل بدويٍ مطبوع، بل عالمٍ خريّت يحاذر الوقوع في الخطأ.
تأمّل قوله: كُفّي أراني ويكِ لومكِ ألوما، أو قوله: قفا تريا ودقي فهاتا المخايلُ، أو قوله: هذي برزتِ لنا فهجتِ رسيسا، أو قوله: يستعظمون أُبيّاتًا نأمتُ بها، ستشعر أنّ المفردات سيقت سوق غرائب الإبل، ونُسقت في ترتيبٍ لا يخلو من عنف، لا لشيء إلا كي تؤدي المعنى كما يحوك في صدر قائلها.
هذا -بالمناسبة- ليس عيبًا، بل أزعم أنّ الحماسة والفورة اللائطين بقرّاء ديوانه، واللذين يُعزيان عادةً إلى معانيه وفخره ونرجسيته وروحه الثائرة، نابعان -إلى حدٍ كبير- من قلق جمله، ومن العنف الذي ينسقُ ألفاظه سويًا، وهذا -كما أتصور- أحد أوجه العبقرية المُهملة في الديوان.
من أراد إدراك الفرق بين التشبيه البدويّ والحظريّ فليعمد إلى أيّ قصيدةٍ جاهلية، ثم ليقارن بين تشبيهاتها وتشبيهات المتنبي أو أبي تمام أو البُحتري؛ التشبيهات البدويّة بصريّة في علائقها، تعتمد الدقة معيارًا، أما التشبيهات الحظرية فلغوية أو سببيّة أو منطقية، معيارها الأثير هو الظَرف.
تأمّل مثلًا: كأنّ العيس كانت فوق جفني * مناخاتٍ فلمّا ثُرن سالا * وضفّرن الغدائرَ لا لحسنٍ * ولكن خفنَ في الليلِ الضَلالا ، قيل إنّ أبا الطيب سلخ المعنى من قول بشار بن برد: كأنّ جفوني كانت العيسُ فوقها * فسارتْ وسالت بعدهنّ المدامعُ ؛ لكن شتّان ما بين بيت أبي الطيب وبيت بشار.
بيت بشار يصوّر عيسًا مُطبقةً على العين، فلمّا تحرّكت صار بالإمكان فتحها فأسمحت بالدموع، أما أبو الطيب فلقد بلغ حذقه أن استخدم لفظة "ثرنَ" بدل "سارت"، مما أكسب المشهد جَلَبةً وغبارًا يرافقان حراك العيس، فكأنّ الغبار حين هيّج عينه أجرى ماءها ؛ معنى في غاية الملاحة إن قصد إليه.
ثمّ تأمّل البيت الذي تلاه، والبدوية التي صوّرها، كيف تظفر شعرها غدائر كي لا تلتفت بغتة فتظلّ طريقها فيه. ما أملحه من معنى! تجده يتكرر في شعره، كقوله: نشرت ثلاثَ ذوائبٍ من شعرها * في ليلة فأرت لياليَ أربعا، أو قوله: ومن كلما جرّدتُها من ثيابها * كساها ثيابًا غيرها الشَعَرُ الوحفُ.
هذه السريالية البدوية ليست مقصورةً على وصف الأعرابيات، إنما تتجاوزهن إلى وصف الناقة والأسفار، وحذارِ أن تكون ممن يضجره وصفُ النوق أو تضطرّه مفاوز الطريق إلى قفزها، إنّك إن تفعل تفوّت جمالًا كثيرًا، خصوصًا قصائد المتنبي التي لا تشبه ما قبلها من وصف الجاهليين والأمويين.
اقرأ مثلًا: كأني من الوجناءِ في متن موجةٍ * رمت بي بحارًا ما لهنّ سواحلُ * إذا الليلُ وارانا أرتنا خِفافُها * بقدحِ الحصى ما لا تُرينا المشاعلُ ؛ اقرأها وتصوّر نفسك رفيقًا للمتنبي، تشقّان بناقتيكما عباب الليل كأنكما تركبان موجتين، ويضيء دربكما ما ينقدح من شررٍ بين الأخفاف والحصى.
اقرأ أيضًا: نحن ركبٌ ملجنِّ في زيّ ناسٍ * فوق طيرٍ لها شخوصُ الجِمالِ * من بنات الجديلِ تمشي بنا في البي * دِ مشي الأيام في الآجالِ؛ بيتان عجيبان! لا أقرأهما إلّا ويصوّت في أذني لحن طيران الفالكري في معزوفة ڤاجنر Walkürenritt ، فأتصوّر المتنبي وأصحابه يطيرون هاربين من آجالهم.
وأعجب منهما قوله: وخرقٍ مكانُ العيس فيه مكاننا * من العيس فيه واسطُ الكورِ والظهرُ * يخِدن بنا في جوزه وكأننا * على كرةٍ أو أرضُه معنا سَفرُ ؛ ألا تعجب لجرأة خياله وحدسه الشعري، كيف حزر بكرويّة الأرض حين أراد التعبير عن امتداد الفيافي واستعصائها على العيس، حتى كأنهم لا يتحركون!
تذكّر: قائل هذا الشعر المُعجز فتى لم يتجاوز العشرين بعد، يتفجّر حماسًا وثورة، ويزدحم خياله بالبدويّات، والأعرابيات، والشموس، والأقمار، والليالي، والنياق، والظباء، والفيافي. سيُسجن وشيكًا، وسيعاني من خيبات الحياة ما يفلّ سورته ويكبح شططه، لكنه سيساهم أيضا في إنضاجه واختمار تجربته.
أختمُ ببيتين من شعر صباه يعجباني كثيرًا: يا حبّذا المتحملون وحبّذا * وادٍ لثمتُ به الغزالةَ كاعبا * كيف الرجاءُ من الخطوبِ تخلصًا * من بعد أن أنشبن فيّ مخالبا؟ لن تفهم سبب إعجابي حتى تتذكرَ أنّ المتنبي كان يكنّي عن الشمس، تارةً بالغزالة، وتارةً بالفتاة، كقوله: =
خلتِ البلاد من الغزالة ليلَها * فأعاضهاكَ الله كي لا تحزنا ؛ وقوله: صحبتني على الفلاةِ فتاةٌ * عادة اللون عندها التبديلُ ؛ فإذا تذكرت ذلك، واستحضرت أنّ القصيدة التي ذكر فيها لثمه الغزالة تبدأ بالتغزل بالشموس الجانحات غواربا، عندها ستتجاور في ذهنك الشمس والفتاة والغزالة =
وستختلط في ذهنك تحت وطأة الشمس، حتى ترى أحمد بن الحسين في ريعان صباه، وجهه لم يبقل بعد، خطواته تتهادى إلى الوادي، نظراته ساهمةٌ تلاحق العدويّات. تعتلي الشمس كبد السماء، وتتأخر صاحبته، ثم تظهر أخيرًا، فيقبّلها. أتراه قبلها؟ أم تراه قبّل الشمس؟
جاري تحميل الاقتراحات...