Abdulrahman Sarhan
Abdulrahman Sarhan

@sarhan1989

22 تغريدة 37 قراءة Jun 14, 2021
منذ مدة وأنا أتردد في الكتابة عن والدي رحمه الله . فقد توفاه الله منذ سنة وبضع أشهر . كان فراقه أعظم شيء حدث في حياتي . وفي هذه التغريدات سوف أكتب عن مسيرته وحياته الاجتماعية و الدينية والعلمية .
نشأ والدي في مكة المكرمة ودرس كل مراحل التعليم الأولية فيها ثم أنتقل إلى الظهران عام ١٩٦٥ م لكلية البترول آنذاك حيث كان وقتها من الدفعة الثانية في الكلية .
أبتعثت كلية البترول ذلك الوقت الدفعة الأولى والثانية إلى أمريكا وكان والدي من ضمنهم وذلك في عام ١٩٦٨ ميلادي وأكمل البكالوريس بمرتبة الشرف في عام ١٩٧٠ ميلادي.
وتعين معيدا في قسم الرياضيات في الكلية في صيف عام ١٩٧٠ الموافق ربيع الثاني ١٣٩٠ هجري . ثم عاد بعد سنة في نهاية صيف عام ١٩٧١ الى جامعة كلورادو واكمل دراسة الماجستير في عامين وتخرج في ختام السنة الدراسية في مايو ١٩٧٣ .
ثم التحق بجامعة نيو مكسيكو في بداية السنة الدراسية في سبتمبر ١٩٧٣ واكمل دراسة الدكتوراه في أربعة سنين وتخرج في ختام السنة الدراسية في مايو ١٩٧٧ وعاد إلى الظهران وكان أول من تخرج بشهادة الدكتوراه من الدفعتين الأولى والثانية حيث عاد إلى الجامعة كأستاذ مساعد فيها .
وقد تغير اسمها من قبل ذلك خلال دراسته الى جامعة البترول والمعادن . وبعد سنة من عودته تعين رئيساً للقسم ( قسم الرياضيات ) وبقي في ذلك المنصب اربعة سنين وترقى بعدها الى مرتبة استاذ مشارك.
التحق رحمه الله بجامعة كلفورنيا كأستاذ زائر في سنة تفرغ علمي ومنذ عودته من سنة التفرغ العلمي اشتغل بالتدريس وشيئا من العمل الاداري في القسم لكنّ التدريس كان جلّ اهتمامه .
ويكون بذلك رحمه الله قد أكمل خدمة في الجامعة ٤٨ سنة وزيادة في عام ٢٠١٧ .وبذلك هو أول دكتور معين في تاريخ الجامعة من طلابها وأقدم دكتور أكاديمي سعودي في المملكة خدم فيها رحمه الله تقاعد في سن ٧٢ وزيادة . هذه قصة جانب من حياته من الجانب العلمي والعملي .صرحًا علميًا وصرحًا عمليًا .
أما جانب الأسرة . فكان والدي رحمه الله شديد الاهتمام بالتعليم الديني والدنيوي. فحرص رحمه الله على تعليمنا القرآن وحفظه و تفسيره. فأتم الله له بفضله ما تمنّى فحفظنا نحن أولاده وبناته القرآن على يديه .
ولم يغفل الجانب العلمي كذلك، بل كان شديد المتابعة، فحرص على دراستنا وحضور لقاءات المدرسة ومتابعة دراستنا بشكل دقيق جدا إلى مراحل الجامعة المتقدمة وأذكر أنه كان يعرف كل التفاصيل الدقيقة في حياتنا الدراسية حتى لو كان اختبارًا عابرًا.
وكان رحمه الله حريصاً في التريبة والحفاظ على الصحة ومتابعة كل شيء، بداية بأنواع الغذاء ونحوه وانتهاءً بالمواعيد الطبية و الأسنان .وكان شديد الاطلاع فيما يتعلق بالتغذية والصحة العامة. حريص على أن نأكل مافيه القيمة الغذائية. والآن وفي هذا العمر أدركنا تماماً مدى حرصه و أهمية ذلك.
أما جانبه الديني والروحي فكان الجانب العظيم في حياة والدي رحمه الله .يحكيها كتابه : إفادات و إنشادات ..
وهو قطايف من مليح المعارف التي تعلمها و كسبها في مسيرته الى الله وهجرته اليه في ثلاثين سنة .
كان رحمه الله منذ أن فتحت عيني على هذه الحياة منذ ثلاثين سنة كثير الصيام جداً كثير القيام كثير قراءة القرآن وقارىء نهم للكتب النافعة الدينية والعلمية .
كان رحمه الله يقوم الليل من أوله إلى أذان الفجر ويختم القرآن كل ٣ أيام حتى حفظه جملة و تفصيلاً وكان شغله الشاغل القرآن لا يغيب عنه في كل وقت. و كان المسجد أنيسه و مكان راحته فلم يفوت صلاة واحدة لسنين طويلة جدا .
كان رحمه الله يدرّس في الجامعة ظهراً ثم يجلس بعدها في المسجد من العصر إلى المغرب ويعود ليفطر ان كان صائماً ثم يذهب لصلاة العشاء ويجلس في المسجد طويلاً بعدها، ثم يرجع فيقرأ في كتب الفقه والحديث وغيره وبعدها يبدأ قيام الليل حتى أذان الفجر، ثم يذهب إلى المسجد ويجلس فيه حتى الإشراق.
كان رحمه الله حافظاً للقرآن لدرجة أني كنت أسأله عن رقم الصفحة فأقول صفحة كذا فيقرأ بداية الصفحة أو كنت أذكر له الآية فيذكر لي رقم صفحتها. وكان متيّماً بالقرآن وعلومه وبالقراءات السبعة حتى أتقن بعضها .
كان يهوى قراءة الكتب فدرس وأتقن وتعلم العلوم الدينية بكامل تخصصاتها،فتبحر في علم الحديث و أسانيده وقرأ مجلداتها مرات كثيرة كالبخاري ومسلم والرواية والفقه والعقيدة وغيره .وأمتلك كثيرا من الكتب التي تجاوزت المئات وعكف على دراستها حتى أصبح يستحضر الكثير منها من حفظه دون الرجوع لها.
كان رحمه الله قليل الكلام ولا رأيته قط يتحدث عن أحد بشيء سيء ولا يدخل في جدال مع أحد ولا يحاول أن يضايق أحداً حتى أنه كان صديق الكل في الجامعة إبتداء بإخوته رجال النظافة إلى زملائه في الجامعة .
أما جانبه الخيري رحمه الله، فكان كثير الصدقة كثير الإهتمام بشؤون الفقراء والمساكين والأيتام كثير التتبع لهم ومساعدتهم حتى أصبح أبا وأخا لهم فيما يزيد عن ثلاثين عاما وهذا الجانب لا أستطيع حصره لأنه كان حريصا على إخفاء عمله الخيري بغية الإخلاص والقبول .
أما أنا ووالدي رحمه الله فكانت تجمعني به علاقة قوية جداً فيها الكثير من المحبة الشديدة والصداقة وكنت كثير المخالطة له في آخر سنين حياته وكان يحبني كثيرا وكنت أحبه كثيرا وكان يناديني بالوجيه ويقول وجيها في الدنيا والآخرة إن شاء الله .
هذه التغريدات هي قيض من فيض من جانب حياة والدي وهي قليلة لا تحصي حياته وقصيرة لا تعطي حقه وإن تيسر إن شاء الله في المستقبل فسأكتب عنه مذكرات كثيرة كيف عاش حياته وكيف عشنا معه وكيف كانت سنينه الأخيرة وكيف توفاه الله وما صاحب ذلك من تقديرات إلهية عجيبة عند مغادرته الحياة .
رحمك الله ياشيخي ووالدي وحبيبي الدكتور محمود بن عبدالغني سرحان . اللهم أغفر له وارحمه ووسع له في قبره ونور له فيه يارب العالمين . رحمك الله .

جاري تحميل الاقتراحات...