في القرن السابع عشر توصل تاجر قماش هولندي لاكتشاف مثير كان محطة الإنطلاق نحو معرفة سر "كورونا" .
"أنطوني فان ليفنهوك" (1632_1723) ابتكر مجهرا بسيطا ليفحص خيوط أقمشته فشاهد بالصدفة كائنات دقيقة لا ترى بالعين المجردة 2
"أنطوني فان ليفنهوك" (1632_1723) ابتكر مجهرا بسيطا ليفحص خيوط أقمشته فشاهد بالصدفة كائنات دقيقة لا ترى بالعين المجردة 2
وكانت هذه الكائنات نوعا من البكتريا ورغم أهمية هذا الاكتشاف الهائل ظل العالم لسنوات طويلة غير مقتنع بأن هذه الجراثيم لها علاقة بالأمراض
2
2
كان البشر لقرون طويلة يعتبرون الأمراض والأوبئة نوعا من المس الشيطاني أوعقابا إلهيا بسبب ارتكاب المعاصي و الآثام ولذلك كان وباء "الطاعون" الذي انتشر في أوروبا خلال القرن الرابع عشر وراء عدد من المذابح التي تعرض لها اليهود باعتبارهم سبب هذه اللعنة التي حلت بالقارة .3
وفي نفس هذه الفترة لم يكن لدى العالم الإسلامي تفسيرا لوباء الطاعون أبعد من التفسير الأوروبي فالفقيه الشهير "إبن القيم الجوزية" كان يعتقد أن الطاعون سببه "وخز" الجن 4
ويضيف إبن القيم ( ..والله أمرنا بمعاداة أعدائنا من الجن والإنس، وأن نحاربهم طلباً لمرضاته، فأبى أكثر الناس إلا مسالمتهم، فسلّطهم عليهم عقاباً لهم، حيث استجابوا لهم حين أغووهم وأمروهم بالمعاصي والفجور والفساد في الأرض فأطاعوهم، فاقتضت الحكمة أن يسلّطهم عليهم بالطعن فيهم)5
ولم يختلف موقف "ابن القيم" عن فقهاء مصر الذين استشارهم السلطان "الأشرف سيف الدين برسباي" لبحث أمر تفشي وباء الطاعون فقالوا أن السبب هو (انتشار الزنا وخروج النساء إلى الأسواق) فأمر السلطان بمنع نزول النساء من بيوتهن 6
ومع ذلك يذكر المؤرخ "إبن إياس" أن 900 ألف شخص ماتوا بالطاعون في القاهرة خلال شهري "شعبان" و"رمضان" فقط أما "الاسكندرية" التي تحولت إلى مدينة أشباح فقد خرج فيها سبعمائة جنازه في يوم واحد كما ذكر "المقريزي" . 7
وفي أوروبا حشد رجال الدين الناس للتجمع في الكنائس للصلاة بغرض التخلص من الطاعون فكانت هذه التجمعات سببا في انتشار العدوى على نطاق واسع لتفقد القارة نحو ثلث سكانها في غضون خمس سنوات فقط .8
هكذا كانت عقول الناس في العصور الوسطى حين عجزوا عن فهم السبب الحقيقي لوباء الطاعون وبالطبع ليس من العدل أن نقيم أفعالهم وأقوالهم بمعايير القرن الواحد والعشرين بعد أن أدرك العلم أسباب "الطاعون" و"كورونا" وغيرهما من الأمراض والأوبئة 9
المشكلة تكمن في محاولة عقول القرون الوسطى فرض نفوذها على العصر الحالي فهذه المرة القضية حياة أو موت ، والموت جهلا أشد فتكا من الفيروسات نفسها ، فالفيروسات قتلة صغار يحتمون بالقتلة الكبار من رعاة الجهل المقدس أما الثمن فتدفعه البشرية كلها .10
في الهند أصر كهنة الإله "رام" على حشد مريديهم للاحتفال السنوي تحت شعار "رام سيحميكم من كورونا" ، وفي المزارات الشيعية بالعراق يتوافد الآلاف ضاربين عرض الحائط بالتحذيرات من العدوى فرجال الدين يؤكدون لهم أنهم معصومون من أي أذى داخل مقامات الصالحين .11
وفي "إيران" كانت مدينة "قُم" "المقدسة" بؤرة المأساة التي تعصف بالإيرانيين حتى الآن ، وفي مصر حيث المضحكات المبكيات إرث تاريخي عريق قال الشيخ "جابر طايع" رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف "أمرنا جميع المساجد بالتهوية الجيدة وفتح النوافذ وعمل المراوح بكامل طاقتها! 12
وهكذا تقدم وزارة الأوقاف نموذجا موازيا لمنظمة الصحة العالمية التي فاتها أن تشغيل المراوح يقضي على عدوى "كورونا"! وهكذا أهدت "الأوقاف"هذا الإنجاز العلمي الجديد للبشرية في سابقة هي الأولى من نوعها في العالم .13
والأمر لا يختلف في الكنائس المصرية فهناك من يؤمن يقينا بأن "كورونا" لا تصيب المؤمنين وأن طقس "التناول" لا يمكن أن ينقل العدوى !14
ولأن عقول العصور الوسطى وما قبلها لا تزال تتحكم في مصائر مليارات البشر حول العالم فقد تتكرر نفس التفاصيل ونفس المآسي مع الفارق أنها بالصوت و الصورة والاحصائيات ، والسؤال هنا لماذا لا تنال هذه العقول الخرافية قسطا من الراحة وتترك المهمة للعلم ولو مؤقتا ؟ 15
ما هو المبرر الذي يجعل من مهمة طبية بحتة قضية دينية ؟ ولماذا لا تظهر آراء هؤلاء عند بناء ناطحة سحاب أو شق نفق أو تأسيس مصنع أو أي مجال علمي آخر؟
16
16
إنه الخوف البيئة المثالية لانتشار الدجل والجهل المقدس ، خوف الناس من شبح الموت يمنح هؤلاء حضورا قويا يدعم نفوذهم ويبسط سلطانهم على النفوس المذعورة الباحثة عن أي مخرج للنجاة من الموت .
17
17
فعلها من قبلهم رجال الدين في العصور الوسطى عند انتشار الطاعون ، لكن أعداد الضحايا أسقطت هؤلاء من أبراجهم العالية فكيف يكون الأمر في زمن الصورة والمعلومة الموثقة ؟!
18
18
من فضلكم لا تقتلوا الناس بكلماتكم ، من فضلكم أتركوا العلم يقود المسيرة ولو مؤقتا ، على وعد بأنكم ستستعيدون زمام الأمور مع انحسارالوباء لتؤكدوا للناس كالمعتاد أنكم كنتم تعرفون سر النجاة ، وأن بركات السماء حلت على الأرض بفضلكم ومن أجلكم . 19
جاري تحميل الاقتراحات...