عبدالعزيز صالح الزهراني
عبدالعزيز صالح الزهراني

@aziz_grz

16 تغريدة 30 قراءة Mar 16, 2023
#من_بطون_الكتب
في كتاب الأتليدي عن يحيى بن سلام قال: حدثني أبي قال: خرج الرشيد للصيد يوما بعد ما نكب البرامكة، فاجتاز بجدار خراب من جدران بني برمك، فرأى لوحا مكتوبا :
یا منزلا لعب الزمان بأهلِهِ**فأبادهم بتفرقٍ لا يَجْمَعُ
إن الذين عهدتَهمْ فيما مضى**كان الزمانُ بهم يضرُّ وينفعُ
أصبحتَ تُفْزِعُ مَن رآك وطالما**كنا إليك من المخاوف نفزعُ
ذهب الذين يُعاشُ في أكنافهم**وبَقَى الذين حياتهم لا تنفعُ
قال: فبكى الرشید و أقبل على الأصمعي وقال : أتعرف شيئا من أخبار البرامكة تحدثني به؟
فقال الأصمعي: ولي الأمان؟
فقال الرشيد: ولك الأمان.
فقال: أحدثك بشيء شاهدته بعيني
من الفضل بن يحيى، وذلك أنه خرج يوما للصيد والقنص وهو في موكب، إذ رأى أعرابيا على ناقة قد أقبل من صدر البرية، فلما دنا الأعرابي ورأى المضارب تضرب والخيام تنصب والعسكر الكثير وسمع الغوغاء والضجة ظن أنه أمير المؤمنين، فنزل و عقل راحلته وتقدم وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة
الله وبركاته.
قال الفضل: إخفض عليك ما تقول.
فقال: السلام عليك أيها الأمير.
قال: الآن قاربت، إجلس.
فجلس الأعرابي؛ فقال له الفضل: من أين أقبلت يا أخا العرب؟
قال: من قضاعة.
قال: من أدناها أم من أقصاها؟
قال: من أقصاها.
قال الأصمعي فالتفت إليّ الفضل، وقال: كم من العراق إلى أرض قضاعة؟
فقلت ثمان مئة فرسخ.
فقال الفضل: يا أخا العرب، مثلك لم يقصد من ثماني مئة فرسخ إلى العراق إلا لشيء.
قال: قصدت هؤلاء الأماجد الأنجاد الذين اشتهر معروفهم في البلاد.
قال: من هم؟
قال: البرامكة.
قال الفضل: يا أخا العرب، البرامكة خلق كثير، وفيهم جلیل وخطير، ولكل منهم خاصة وعامة، فهلا
أفردت لنفسك منهم من اخترت لنفسك وأتيته لحاجتك؟
قال: أجل، أطولهم باعا وأسمحهم كفّا.
قال: من هو؟
قال: الفضل بن يحيى.
فقال له الفضل: يا أخا العرب، إن الفضل جلیل القدر عظيم الخطر، إذا جلس للناس مجلسا عاما لم يحضر مجلسه إلا العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والكتاب، فأيٌ أنت منهم؟
قال : ما قصدته إلا لإحسانه المعروف وکرمه الموصوف وبيتين من الشعر قلتهما فيه.
فقال الفضل: يا أخا العرب، أنشدني البيتين، فإن كانا يصلحان أن تلقاه بهما أشرت عليك بلقائه، وإن كانا لا يصلحان أن تلقاه بهما بررتك بشيء من مالي ورجعت إلى باديتك.
قال: فإني أقول:
ألم تر أنّ الجودَ من عهد آدمٍ**تحدّرَ حتى صار من صلبه الفضلُ
ولو أن أُمّاً مسّها جوع طفلها**غذته بإسم الفضل قد غُذيَ الطفلُ
قال: أحسنت يا أخا العرب، فأنشدني غيرها.
فقال:
قد كان آدمُ حينَ حانَ وفاته**أوصاكَ وهو
يجودُ بالحوباءِ
ببنيه أن ترعاهمُ فرعيتَهم**وكفيتَ آدم عَيلَةَ الأبناءِ
قال: أحسنت يا أخا العرب، فأنشدني غيرهما.
فقال:
ملّتْ جهابذُ فضلٍ وزنَ نائِله**وملّ كاتبه إحصاء ما يهبُ
والله لولاك لم يُمدَحْ بمكرمةٍ**خلقٌ ولم يرتفع مجدٌ ولا حسب
قال: أحسنت، فأنشدني غيرهما.
فقال:
وللفضلِ صولاتٌ على مال نفسه**يرى المالَ منه بالمذلّةِ والعنا
ولو أنّ ربّ المالِ أبصر ماله**لصلّى على مال الأمير وأذّنا
قال: أحسنت يا أخا العرب، فأنشدني غيرهما.
فقال:
ولو قيل للمعروف نادِ أخا العلا**لنادى بأعلى الصوت یا فضلُ يا فضلُ
ولو أنفقت جدواك من رملِ عالجٍ**لأصبحَ من جدواك قد نفد الرملُ
قال: أحسنت، ولكن أنشدني غيرهما.
فقال:
وما الناس إلا اثنان صبٌ وباذلٌ**وإني لذاك الصبُّ والباذلُ الفضلُ
على أن لي مِثلاً كما ذكر الورى**وليس لفضل في سماحته فضلُ
قال: أحسنت يا أخا العرب، فأنشدني غيرهما. فقال:
حکی الفضل عن یحیی سماحةَ خالدٍ**فقامت به التقوى وقام به العدلُ
وقام به المعروف شرقا ومغربا**ولم يك للمعروف بعدٌ ولا قبلُ
قال: أحسنت، فأنشدني بيتين على الكنية لا على الاسم.
فقال:
ألا يا أبا العباس يا واحد الوری**ویا ملكاً خدُّ الملوك له نعلُ
إليك تسير الناس شرقا ومغربا**فُرادى وأزواجاً كانهمُ نحلُ
قال: أحسنت يا أخا العرب، فأنشدنا بغير الاسم
والكنية واللقب!
فقال الأعرابي:
لئن زادني الفضل وامتحنني بعد هذا، لأقولنّ فيه أبياتاً أربعة ما سبقني إليها عربي.
قال: ما هي؟
فقال:
ولائمة لامتك يا فضل في الندى**فقلت لها هل يقدح اللوم في البحر
أتنهين فضلا عن عطاياه للغنى**فمن ذا الذي ينهي السحاب عن القطر
كأنَّ نوالَ الفضل في كل بلدة**تحدّرُ هذا المزنِ في مهمه قفرِ
كأنَّ وفودَ الناسِ في كل وجهة**إلى الفضلِ لاقوا عنده ليلة القدر
فضحك الفضل، وأنعم على الأعرابي بمالٍ كثير.
فاستنكر ذلك وزير الفضل وقال: يأتيك جلف من أجلاف العرب بأبيات استرقها من أشعار العرب تجزیه بهذا المال؟
وأخذ الفضل سهما وفوّقه في قوسه وصوّبه نحو الأعرابي، وقال له: رد سهمي ببيت من الشعر.
فقال الأعرابي:
لقوسُكَ قوسُ الجودِ والوتر الندى**وسهمك سهم العزّ فارم به فقري
فضحك الفضل ، وأنشأ يقول:
إذا ملكت كفي منالا ولم أنل**فلا أنبسطت كفي ولا نهضت رجلي
على الله إخلاف الذي قد بذلته**فلا مُسعدي بخلي ولا مُتلفي بذلي
أروني بخيلا نال مجدا ببخله**وهاتوا كريما مات من كثرة البذلِ
انتهت🌷
.
.

جاري تحميل الاقتراحات...