خالد عاذي الغنامي
خالد عاذي الغنامي

@kalghanam

28 تغريدة 86 قراءة Mar 25, 2020
1-وصلنا في رحلة السعادة الأبدية إلى فصل "جبرية الرواقيين وموافقة الطبيعة". الفلسفة الرواقية يقال لها بالانكليزية Stoicism
والفيلسوف الرواقي يقال له Stoic مدرسة لا زالت موجودة وقوية ومؤثرة.
2-ينقسم تاريخ الفلسفة الإغريقية لفترتين
1-العصر الهيليني: يبتدئ مع طاليس وينتهي بموت أرسطو والاسكندر الأكبر, وهو ما يعرف بأنه العصر الذهبي للفلسفة اليونانية, عصر ثورة علمية فلسفية تسعى لاكتشاف المجهول ورصد الأفلاك, وهو عصر أعظم فلاسفة الإغريق على الإطلاق سقراط وأفلاطون وأرسطو.
3-يليه
2.العصر الهيلينستي : تاريخ قصير ضئيل يعبر عن روح الانحطاط. هذا الانحطاط له أسبابه السياسية والاجتماعية والفكرية, فقد سقطت بلاد اليونان أمام مقدونيا المقاتلة الاستعماريةولا شك أن احتلال الاسكندر الأكبر للهند وكثير من بلاد الشرق قد أدى لامتزاج الأفكار واختلاط بعضها ببعضها.
4-ثم خضعت اليونان فيما بعد للرومان الذين حولوها لمستعمرة صغيرة من مستعمراتهم الشاسعة. ها هنا مات الإنسان الجريء الذي كان يسعى ذات يومٍ لاكتشاف الكون, وجاء زمن ازدهار الرواقية والأبيقورية وامتدادهما في عصر الرومان, ليشكلا فكر الإنسان الذين يريد أن يحمي نفسه من المعاناة والألم.
5-لم يعد هناك – بعد أرسطو – كبير اهتمام بالعلم, بل أصبح الهدف هو الخلاص من الشر الذي يحكم العالم والانكفاء على الذات, في صورة من صور التصوّف السلبي. هكذا صارت الفلسفة شخصية إلى حد بعيد, بعد أن كانت تسعى لاكتشاف العالم والكون
6-أصبحت قضية السعادة هي القضية المحورية التي يدور حولها تفكير الإنسان في ذلك الزمان, إنه عصر يشبه عصرنا الحالي المتخم بقلق الحضارة الذي يتحكم فيه.
7-كل هذا يقودنا من جديد للقول بأن الفلسفة ليست منعزلة عن حياة الأمم, بل الفلسفة هي صوت ضمير الأمة وتعبير عنها وعن درجة رقيها. هذا ينطبق أيضاً على العلم والفنون, كلها تعبير عن الإنسان وهمومه والأمة وتاريخها.
8-كانت هذه مقدمة ضرورية قبل الولوج إلى عالم الفلسفة الرواقية. ولعل من المناسب أن نبدأ من الاسم "الرواقية" ولماذا أطلق على هذه الجماعة من الحكماء؟ لقد أقام زينون في سنة 300 ق.م. مدرسة في رواق مزخرف, من هنا جاء الاسم, وصار الناس يقولون له: زينون الرواقي. Zeno of Citium
9-هذا الرجل يشبه الكلبيين إلى حدٍ ما, لكنه خالفهم وميّز مذهبه عنهم بموقفه العلمي, فالمعرفة العلمية عنده شرط لتحصيل الحياة الأخلاقية. فلسفته تحتوي المنطق والطبيعة والأخلاق, إلا أن الأولَين تابعَين, والأخلاق هي الأصل الأصيل لهذه الفلسفة.
10-الرواقية أشهر وأكثر انتشاراً لكن كل هذا لن يمنعنا من القول بأن الرواقية نسخة ملطفة من الكلبية, أو إن شئنا تطبيق الدايلكتيك الهيغيلي عليها فسنقول إن الرواقية هي المركب الناتج عن صراع الكلبية مع نقائضها.
11-هي بلا شك تطورٌ عن الكلبية وتخلٍ عن نقاط الضعف التي أخِذت على الكلبية. وتختلف الرواقية عن سقراط وأفلاطون وأرسطو بأنها فلسفة عملية لا تتوقف كثيراً عند الكلام النظري, بل تسعى لتفعيل الفضيلة في صخب الحياة العملية لجميع الناس.
12-جاء الرواقيون بشيء جديد فقالوا : إن الحياة يجب أن تُعاش وفق الطبيعة. هذه الجملة الغامضة هي الأهم في كل الفلسفة الرواقية: موافقة الطبيعة في العيش كنهج سلوكي يجب أن ينتهجه كل إنسان عاقل يسعى لسلامة عقله.
13-هذا يعني ببساطة أنهم كانوا يدعون لعيشة الزهد والحرمان والتحذير من اللذة والشهوة بإطلاق, وأن الطريق إلى السعادة يقوم على الاستغراق في التأمل العقلي الذي يمارسه الفيلسوف. لكن, إذا كانت موافقة الطبيعة هي الكلمة السحرية بالنسبة للرواقيين, فهل هناك توضيح للمقصود بموافقة الطبيعة؟
14-العيش وفق الطبيعة هو التحرر من الانفعالات والرضا بالقدر. قضية القدر جوهرية هنا لأن من لا يرضى بالقدر سوف يركعه القدر على ركبتيه.
15-هذه نقطة مهمة جداً, فقد كانت الرواقية دائماً مرتبطة بالفكر الجبري, والقول بأن الإنسان ريشة في مهب الريح, وأنه لا يمكن أبداً, أن يكون ذا فاعلية حقيقية. هذا هو معنى الريشة التي تظهر في بداية فيلم "فوريست غومب" وفي نهايته. "حضرتك ريشة" وليس بيدك شيء فتمتع بالرحلة بدون ضجيج.
16-لا بد أن أسجل اعتراضي هنا لأن فاعلية الإنسان وقدرته على تغيير قدره، من المبادئ التي سأذود عنها حتى النهاية بهذا الكتاب. لا على طريقة الثوريين من الماركسيين والقطبيين الذين يسعون لإشعال الحروب وسفك الدماء وإنما تغيير الفرد لنفسه هو من خلال تحقيق التناغم والسلام في حياته الخاصة.
17-خلاصة الفلسفة الرواقية, أنها مثل الأبيقورية الأولى ترى أن الأخلاق سلبية, وأنه لا يمكن تحقيق أخلاق إيجابية على الإطلاق, أعني تلك الأخلاق التي تجعل الرجل أقرب للفروسية منه للعبودية. فأقصى أماني الفريقين أن يحققوا للفرد طمأنينة النفس وراحة العقل وصفاء البال من خلال الزهد والعزلة.
18-لذلك أخذ عليها نيتشه, أنها تحوي تلاعباً بالألفاظ إلى حد كبير, وتساءل: "كيف يعيش الإنسان وفقاً للطبيعة وما معنى هذا الكلام؟ هل يمكن للإنسان أن يعيش من دون أن يكون لديه نوايا واعتبارات ما؟ ألا تحوي الحياة إرادات تتناقض مع الطبيعة؟ وما هي الطبيعة هنا؟ ومن قال إنها الطبيعة؟".
19-قال هذا في ما وراء الخير والشر.
20-قد ندافع عن الرواقية أمام نقد نيتشه بالقول إن موافقة الطبيعة تعني المحافظة على حالة الاتزان النفسي والسلام الداخلي, وهي بلا شك أفضل أخلاقياً من مذهب متابعة الغرائز وإرادة القوة الذي اشتملت عليها فلسفة نيتشه.
21-لكن هذا لا يعني أن نتعامى عن أوجه القصور في الرواقية وإيمانها بالجبرية, فيما نؤمن نحن بفاعلية الإنسان.
22-لقد حصلت الرواقية على نصيبها من الشهرة, ولا زال تاريخ الفلسفة يعتبرها أحد أكثر الفلسفات تأثيراً في العالم, لكنها لم تقدم للإنسانية المعادلة النهائية, ولا يمكن لأي فلسفة أن تفعل, كل فلسفة تعطيك فقط جزءاً من الحقيقة.
23-ليس هذا كل شيء, بل أظهر البحث أن كل ما يوجد في الرواقية من مقولات, إنما أخذتها من فلسفات سابقة عليها وليست أصيلة فيها.
24-مع هذا, فلنحفظ للرواقية أننا نجد أن بعض الأشياء الجيدة المبثوثة في مبادئها لا زالت موجودة في سلوك كثير من حكماء الناس اليوم, والذين يندر أن تجد فيهم رواقيّاً كاملاً, أو من يصف نفسه بذلك.
25-مع ذلك, أجد أنه من الصعوبة بمكان, أن أتجاوز فصل الرواقية دون الوقوف عند بعض الرواقيين ممن يستحق الوقوف الطويل. مع أن معظم آراءهما لا تخالف خط الرواق, أولهما حكيم فريد في الإنجاز الذي حققه على الصعيد الفكري وفي دروب الخلاص.
26-ذلك هو إبيكتيتوس Epictetus المستعبد الذي عاش حُرّاً في حياته العقلية وأنجاه ذكاءه من عذاب الشعور بالعبودية الذي هو أشنع من العبودية نفسها. عاش هذا الحكيم متحرراً من العبودية وهو يرفل في السلاسل, ثم تم له العتق الفعلي الذي عاشه في قلبه, قبل أن يحصل عليه فعلياً.
27-هذا هو الجانب الفريد الذي يستحق الدراسة في حياة هذا الرجل. لكننا سنؤجل الحديث عنه، إلى موعده في السبت القادم.
ودمتم في عافية
28-يرى د. محمد شوقي الزين، أن ابن عربي كان متأثراً لحد كبير بالفلسفة الرواقية، وأن كثيراً من المضامين الرواقية موجودة في النص الأكبر، على الصعيدين الكوزمولوجي والميتافيزيقي. إذاً فهذه معلومة تفيد بأن النص الرواقي يمكن اعتباره كمدخل لفلسفة ابن عربي.

جاري تحميل الاقتراحات...