عبدالله السفياني
عبدالله السفياني

@asufyane

21 تغريدة 25 قراءة Mar 24, 2020
سلسلة:
#العزلة أعادتني لقراءة مقال روسو الشهير "خطاب في العلوم والفنون" والذي نال به جائزة مجمع ديجون العلمي عام 1750م
ربما صراع العلم الآن في مواجهته التاريخية مع #كورونا دعاني لهذا المقال ثائر على العلم والفن في بواكير النهضة العالمية.
روسو يثور فيه على الحداثة التنوير =
المقال رغم تطرفه الشديد وثوريته إلا إنه ماتع جدا وأنصح كل من لديه وقت فراغ بقراءته لعله يعيد لنا بعض التوازن في خطاب العلم والفن والأخلاق.
فلقد كان المقال إجابة عن سؤال هل يؤثر العلم والفن على الأخلاق؟
روسو يرى أن العلوم شر خطير على الأخلاق!
والمقال كان سبب شهرته التي كرهها =
في بداية المقال يضع هذا التنبيه الطريف عن الشهرة!
?
ما الشهرة؟
هاهو الكتاب المشؤوم الذي أدين له بها، وهذه الورقة التي أكسبتني الجائزة وأذاعت صيتي إنما هي في أحسن الأحوال رديئة، وكم من المصائب كان بوسع المؤلف أن يتجنبها لو قوبل تأليفه هذا بقدر ما يستحق ليس أكثر!
لدى روسو تحفظ من الاستجابة لذوق العصر والتأليف من أجل الشهرة السريعة يقول:
أنا لا أعبأ بنيل إعجاب ذوي العقول الظريفة ولا ذوي الأذواق المطابقة لذوق العصر فالعصور كلها تشهد أناسا تغريهم آراء عصرهم .. لذا يجب أن لا نكتب لمثل هؤلاء القراء أبدا إذا كنا نريد العيش فيما بعد عصرنا!
لقد يعلم حقا أن ما سيدونه في المقال سيكون له ردة فعل غاضبة وساخطة من الجماهير!
من هذا الذي يجرؤ على اتهام العلم والفنون واعتبارها سبب شقاء الإنسان ودمار للفصيلة والأخلاق لقد كان يراها فيما يبدو بعد تطورها وانفتاحها شر كبير وعبودية جديدة =
يقول روسو عن تطويع الفنون لعبودية الإنسان:
للفكر حاجاته كما للجسد فحاجات الجسد هي أسس المجتمع وحاجات الفكر هي مباهجه والعلوم والآداب والفنون أقل استبدادا وأكثر قدرة على نشر أكاليل من الزهور على القيود الحديدية التي تكبل الناس وتقتل فيهم الشعور بالحرية وتجعلهم يعشقون عبوديتهم!
وبما ان روسو فيلسوف الفطرة والطبيعة فيهتقد أن كشف أسرارها هو كشف عن سلاح قاتل:
أيا شعوب اعلموا أن الطبيعة أرادت أن تحفظكم من العلم كالأم التي تفتكّ من يدي ابنها سلاحا خطيرا
وأن كل ما تخفيه من الأسرار هي شرور تصونكم منها
إن الناس ضالون فلو ولدوا لسوء حظهم علماء لكانوا أكثر ضلالا?
هذهزالنظرة تذكرني ببيت المتنبي الشهير:
ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ
وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ
وهذا المعنى متداول في شعر الحكمة بشكل كبير ولكنه ليس في تقديس الجهل كما قد يبدو للوهلة الأولى.
يقول روسو:
ماذا نفعل بالفنون من غير الترف الذي يغذيها؟ ومن غير ظلم الناس فيم يفيد القضاء؟ وماذا عسى أن يصبح التاريخ لو لم يوجد طغاة ولا حروب ولا متآمرون؟ ومن سيفني حياته في التأمل العقيم لو كان كل واحد لا يأتمر إلا بواجبات الإنسان وطلبات الطبيعة! =
إنه يكرس لفكرة أن الشر والرذيلة هي التي تمنح العلوم والفنون قيمتها وجواز عبورها!
ولهذا السبب صارت مسارات الفنون والعلوم تسير وفق ذوق خاص وقوالب جاهزة تصنع منا تماثيل متشابهة
يرى أن العلوم قتلت فرديتنا:
اليوم وقد تم اختزال فن الكياسة في جملة من المبادئ بفضل بحوث أدق وذوق أرفع أضحت أخلاقنا متماثلة بصور خداعة دنيئة وتبدو الأذهان كأنما رميت في قالب واحد فمتطلبات الأدب لا تنتهي وأوامر اللياقة لا تنقطع ولا ينفك المرء ينصاع للمألوف بدل اتباع نبوغه الشخصي
لذلك يتحسر على هذا الضياع حين يقول:
كم سيكون العيش بيننا هنيئا لو كانت الهيئة الخارجية تعكس دائما استعدادات القلب والحياء هو الفضيلة ومبادئنا هي قواعد أعمالنا والفلسفة الحق لا تنفصل عن لقب الفيلسوف إلا أنه يندر جدا أن تجتمع خصال كهذه معا!
في مقاله يشن هجوما مختلفا على العلم وعلى الفنون وعلى الفلاسفة والشعراء والمثقفين.
ويظهر أن تساهل كل هؤلاء في أخذ العلم والفن والآداب بقوة واقتدار والبحث عن وميض الشهرة أحد أسباب هجومه الشرس =
يتحدث عن المثقفين الذين يصفهم بالتفاهة وما أكثرهم?:
هؤلاء المتشدقون التافهون يهرعون في كل اتجاه مسلحين بمفارقاتهم المشؤومة ينسفون العقيدة ويعدمون الفضيلة يستخفون بتلك العبارات البالية كالوطن والدين ويكرسون مواهبهم وفلسفتهم لتحطيم وإفساد كل المقدسات!!
أما الفلاسفة فلم يتورع عن تحطيم الهالة التي يرسمونها حول أنفسهم قديما وحديثا..
ويراهم أشبه ب "محرجين" في مزاد علني وأن وجودهم سبب للخوف والتذمر يقول بنبرة فيها تهكم بليغ:
"علام تحتوي كتابات أشهر الفلاسفة؟ إذا أصغيت إليهم ألا تظنهم جماعة من الدجالين في ساحة عامة يصرخ كل واحد منهم في اتجاه يقول تعالوا إلي أنا فقط لا أخدعكم!
أيا عظماء الفلاسفة ألا تحتفظون بدروسكم لأبنائكم وأصدقائكم فقد تجنون ثمارها ويزول خوفنا من وجود بعض أتباعكم في صفوفنا!" ?
روسو يرى أن من أدواء العصر الخضوع لذوق العصر والبحث عن التصفيق والمديح وإحداث جوائز تكرس لهذا الواقع البائس.
صار البحث عن شيء جميل يتوافق مع العصر ولا قيمة للأعمال الجليلة والخالدة ..
يقول:
نحن لم نعد نسأل ما إذا كان الإنسان نزيها بل نسأل عما إذا كان موهوبا وتمنح المكافآت للفكر الظريف وتبقى الفضيلة بلا مجد ويوجد ألف جائزة للخطب الجميلة ولا واحدة للأعمال الجليلة
إن الحكيم لا يلهث وراء المال ولكنه عندما يرى الأمجاد توزع بلا هدى يصاب بالإحباط وتخمد فضيلته!
والحقيقة أن قوله السابق كأنما يتحدث عن كثير من مشاهدات واقعنا المعاصر خصوصا في مجالات الأدب والفن.
نحن لا نكاد نحصي الجوائز ولكن الأعمال التي تحصدها لا ترقى لكل هذا التكريم في الغالب.
ويظهر أن روسو وضع يده على الجرح حينما أدرك السبب وهو بحث الفنانين عم المديح والشهرة=
هنا يكشف روسو عن السبب بكل وصوح:
يرغب كل فنان في أن يُهلل له ويعتبر مديح معاصريه جزء من جائزته فماذا عساه يفعل للفوز به.. إنه سيحط من نبوغه إلى مستوى عصره وسيفضل تأليف أعمال مبتذلة تجلب له الإعجاب وهو على قيد الحياة على تأليف روائع لا تنال إعجاب الناس إلا طويلا بعد مماته!
وإذا كان هذا ما سننتجه للأجيال القادمة فإنه كما يقول سيكون دعاؤها:
"يارب يا قدير أنت من يملك العقول بين يديك خلصنا من الأنوار ومن الفنون المشؤومة الموروثة عن آبائنا وأعد إلينا جهلنا وفقرنا وبراءتنا فهي الخيرات الوحيدة القادرة على إسعادنا"
.
هل سنقول آمين!!؟

جاري تحميل الاقتراحات...