105 تغريدة 22 قراءة Mar 26, 2020
سعيًا في توثيق بعض المحطات الشخصية، أبدأ حكاية جديدة.
بسم الله أبدأ: #مارثون_الجامعات
بدايةً أذكرك أيها القارئ الكريم، بأنك لن تحصل من سلسلتي هذه فائدة تليق بمدى تطلعاتك، فإن لم تجد في وقتك سعةً في قراءة "شخابيط"، فأقبل على مشاريعك وخططك.
هذا سرد لتاريخ محدثكم في سباقه الأكاديمي في ثلاث جَامعات، لكن لعل البداية من نهاية الجامعة الأولى.
تنويه: تصرفات أشخاص السردية التاريخية حقيقة، لكن أسماؤهم ليست كذلك :)
١. خرجت من مكتب القبول والتسجيل ومعي شهادة الثانوية، بملامح هادئة لكني أصرخ صرخة المنتصر، كانت خلجات الصدر تزبد وترعد على أيام خلت وسنتين قضيتها في جامعة البترول، كان دخولًا غير منطقيًا وبلا هدف.
٢. أتذكر ذلك المستوى المروع من اللامبالاة، في أول ترم في الجامعة سنة ١٤٣٣هـ، أتذكر استجداءات كتاب الفيزياء المسطور بلغة علمية رفيعة أن أنظر إليه ولو نظرة من يعذر إلى أستاذ المادة أنه حاول المذاكرة ليلة الاختبار النهائي 😂
٣. سنتان خلت حتى استقام المنزل بألا حظ لي في هذه الجامعة.
٤. كانت الوجهة نحو بلاد العم سام.
أمريكا في نظري كانت شيئًا بعيدًا جدًا، لقد سافرت إلى دول كثيرة، لكن أمريكا قارة أخرى، عوالم مختلفة، شعوب ينطبق عليها لفظ: الآخر، خط متوازي مع خط العالم القديم، لا يتقاطعان أبدًا.
٥. صارت أمور كثيرة، وبيروقراطية مريعة حتى حملت الجواز وشنطة السفر إلى المطار بعد خمسة أشهر: في ٢٤ سبتمبر ٢٠١٤
٦. في هذه السلسة سأتوقف في محطات فقط، فالقصة لا تسعها هذه السلسلة.
٧. كان أمر الحياة الاجتماعية مؤرقًا بالنسبة لي، كنت خرجت من عزلة اجتماعية قضيتها في مكتبة والدي قبيل السفر لشهرين، لا أعرف إلا المكتبة والكتب، تواصلي مع الأصدقاء يقارب الصفر تقريبًا بلا مبالغة.
٨. في أول أيامي في سان فرانسيسكو في أمريكا، كان عيد الأضحى سنة ١٤٣٥ هـ، لا شيء جديد، فقد قضيت سنينًا قبلها أشهد الأضحى خارج الوطن. سلسلة مبهجة مكررة من الصلاة في المراكز الإسلامية، ومعانقة من لا تعرف مهنئًا ومباركًا بهذه المناسبة.
٩. صلينا العيد مع جامع التوحيد، وهو جامع للجالية اليمنية، هذا الجامع تخطى حدود المكان والزمان، بل أجزم أنه منطقة محايدة لا تخصع للسلطة الفيدرالية، فماذا ترى فيه؟
١٠. طلبة علم يمانيون تعلوهم العُصب ولحى أهل الحديث الطويلة، ما ذهب عنهم وقار العلم الذي انسل من شيخهم مقبل الوادعي -رحمه الله- إليهم.
١١. كتب الصحاح والسنن والمسانيد، وكتب ابن تيمية والسير، تملأ قبلة الجامع.
ليست قطعة من سان فرانسيسكو، أجزم بذلك.
١٢. كانت صلاة العيد في فندق على شارع الفان نيس غربي المدينة. حفظًا للتقاليد الوطنية في عيد الأضحى، اتجهنا مع سماحة الوالد إلى مطعم يتجاوز حدود المكان والزمان لأهل اليمن الكرام 😂.
١٣. كان أول لقاء لي بـ "محمد"، ووقع في نفسي نبله -أذكر ذلك-، كان يمشي بمشيته العجولة، يحمل حقيبة المعهد خلفه، كأنما ينحدر من صبب لصحن المندي اللذيذ 🤤
١٤. كنت في دراستي في المعهد متحفظًا، أخفي خلف القسمات الصارمة مشاعر الخجل من الخلطة بأحد. ليس سهلًا أن تنتقل من عالمك الصغير في مكتبة والدك منكفأ على كتبك، ثم تنتقل إلى عالم اجتماعي رحب، يعرفه من جرب الغربة.
١٥. حتى انتهى المستوى الأول، إذا بي مع "محمد" و"خالد" و"أحمد" وغيرهم. نقتل لوعات الغربة في هذه البقعة البعيدة بلا توقف، وتجوال دأوب مستمر في طرق سان فرانسيسكو وأحيائها، حتى أني أحفظها حتى الآن بلا مبالغة كما أحفظ مدينتي التي أعيش فيها اليوم في السعودية.
١٦. سان فرانسيسكو: مدينة الشعوب والثقافات، حيث يجتمع العالم في هذه الشبه جزيرة من خليج البي في كالفورنيا. سان فرانسيسكو -كما هي مدن أمريكا الكبرى- تجتمع فيها المتناقضات: الغنى الفاحش والفقر المدقع، البيوت في الشواهق، وبيوت المقابر، الترهب والمجون، دور العبادة والمواخير.
١٧. أول قدومي لها، كنت أذهب لمكتبتها العامة بعيد الظهر يوم السبت، أمر على شارع ماركت الصاخب الطويل: باعة الحشيش، والمشردون، والمنصرون، والمتسولون، ختامًا بسوق السبت ذي البضاعة الرخيصة، إلى ساحة مبنى الحكومة في السيفيك سنتر.
١٨. تبدأ مراسيم زيارة المكتبة، بجمع كتب المستشرقين وكتب تاريخ أمريكا، وشيء من الكتب العربية، وهنا قصة عند رف الكتب العربية.
١٩. كنت انظر في كل مرة تقريبًا لبعض الكتب الاعتيادية، حتى وقعت مرة على كتاب: الثورة الوهابية، كان مختلفًا بالنسبة لي، لم أصدق هذه اللهجة النجدية الوهابية، فلم أكد أعيده حتى وقع نظري على مؤلفه: عبدالله القصيمي!
٢٠. كاد يسقط الكتاب من يدي: يارب ثبتنا! أعوذ بالله! كيف يفارق الإنسان هذه اللغة الاستعلائية العالية الاعتزازية بالله ورسوله ثم يموت كافرًا لا يؤمن بالله وحده.
نعوذ بالله من الحور بعد الكور
٢١. كانت المساجد في سان فرانسيسكو متخالفة متناحرة، فالسلفيون والإخوان المسلمون في عداء شديد، ومسجد آخر في منزلة بين المنزلتين.
يقع منهم اثنان في شارع جونز -شارع المخدرات ومركز الشرطة- 😂
٢٢. وفي شارع جونز أعلى مرتفعه يوجد مطعم شتني، ملاذ المبتعثين السعوديين، وإعلان نهاية الأسبوع بعد صلاة الجمعة في الجامع الذي في منزلة بين المنزلتين، حرصًا على عدم الدخول في دوامة المحسوبيات والتصنيفات في المجتمع العرب السانفرانسيسكوني :)
٢٣. كان المعهد يأخذنا في زيارة تطوعية لكنيسة عالمية، كان التطوع للمتقدمين في مستويات اللغة، وكنت كذلك، وتقع جنوب سان فرانسيسكو، فكرتها أن تجمع الأديان الثلاثة، فاخترت الذهاب ربما لقلة العلم، وربما لأني وجدتها فرصة للدعوة إلى الله.
٢٤. كنا نخرج في باص عند شارع سامسون شرقي المدينة، ينقلنا مسافة الربع ساعة إلى محطة قريبة من الكنيسة عند مصنع الخمور والكحوليات في المدينة.
٢٥. كان القس يقوم في يوم من الأسبوع نسيته بعمل بقالة خيرية للمشردين، وكنا نرتب الحاجيات في أقسام البقالة، وتدور أحاديث مع متطوعين من كبار السن، وأذكر أني تعرفت على عجوزتين من فلسطين قد أذلهما الفقر غاية الذل، وزادت الخيبة بعد أن عملت إحداهما مربية لأبناء عائلة سعودية للأسف
٢٦. فلما استوفت العائلة المنفعة منها لأشهر، جحدت حقها. والان تتطوع في الكنيسة مقابل مقضاة من سوق الأسبوع. هذا ادعاؤها والله أعلم بما في الصدور.
٢٧. في أمريكا قصص غريبة كثيرة، إلا أن القصة التي تركت في نفسي أثرًا لا أظنه يمحي: قصة آدم الفرنسي.
٢٨. في أول صلاة لي في جامع التوحيد بعد وصولي بأيام قليلة، بعد صلاة الجمعة خرج اثنان من المصلين نحو القبلة، فلُقنا الشهادة، فأقبل الناس مستبشرين مهنئين لهما بهذه النعمة العظيمة، وكان أحدهما فتى أشقر، ما يزال طيف الطفولة في وجهه، واقفًا أمام الناس يصافح ويشكر.
٢٩. مرت شهور على هذا الحدث، وكنت قد نسيته، حتى خرجت يومًا مع: "محمد" و "أحمد" حتى نلقى "عبدالرحمن" إلى مطعم شتني في شارع جونز، عند إقباله كان معه فتى أشقر عمره قرابة ١٧ سنة وأخرى بملامح أسيوية صارمة.
٣٠. أقبل صاحبنا الأشقر وسلم علي، فرددت السلام وظننته من بلاد البلقان أو سائرها من بلاد المسلمين.
٣١. أخذنا في المطعم طاولة كبيرة، كان الفتى في ناحية منها وأنا في أخرى، وأسمعه يتحدث الإنجليزية بلهجته الفرنسية، حتى أفاق محدثكم وتذكر منظر الشهادة بعد صلاة الجمعة! ها هو صاحبنا المسلم الجديد.
٣٢. فارقنا صاحب "عبدالرحمن" التايلنديه وبقي معنا ادم الفرنسي، ابن ١٧ عامًا، كان ذلك الوقت بحنق الفرنسيين الذي أعرفه: التعجرف والكبر وسوء الخلق، حتى يكاد صدره يخرق من شدة تطاوله وكبريائه.
٣٣. جلسنا في جلسة أولية تمهيدية لشلال التساؤلات الذي لا يتوقف: لماذا أسلمت؟ وكيف ومتى؟ وما رأي أهلك في ذلك؟ والوسائط الإعلامية تعج بخبر الأبله البغدادي الذي أعلن نفسه خليفة للمسلمين.
٣٤. نكمل لاحقًا بإذن الله.
٣٥. ملاحظة: صاحب "عبدالرحمن" كان فتى مراهقًا تايلندي بملامح آسيوية صارمة، ولا أدري لم كتبتها بالتأنيث ولاشيء يدعو لذلك 🤣؟!
٣٦. كنا قد توقفنا عند صاحبنا آدم، بنسخته المتعجرفة، كان يتكلم عن تجربة إسلامه غير المثالية: لم أبكي، لم ينشرح صدري لشيء، كان قرارًا فلسفيًا لم يكن روحيًا.
٣٧. كان آدم وهو في المتوسطة يقرأ عن الإسلام قراءة عامة، وهو ينتمي لعائلة ليبرالية ملحدة عدمية لا تؤمن بشيء إلا باللاشيء. متع الدنيا ولذائذها ثم الفناء.
٣٨. اختلط آدم بعدد من المبتعثين السعوديين، فأحسنوا عشرته وصحبته، فأسلم نفسه لدين الله سبحانه.
٣٩. في يوم تسوق كبير في سان فرانسيسكو، والناس في شارع ماركت أسرابًا تلو الأسراب من مجمعات ويستفيلد إلى اليونيون سكوير إلى شارع إيلس وميدان ستوكتن، كان يومًا للرأسمالية صارخًا.
٤٠. أخذت زاوية في المقهى الذي أجلس فيه دائمًا على الشارع المركزي -ولست صاحب قهوة سوداء- إنما كان مجلسها مؤنسًا. كان آدم معي وبدأت سلسلة من الأحاديث اللامنتهية حول: الله، النبي ﷺ، المذهبية، الطائفية، كنت أتعجب من سعة اطلاعه على كل هذه القضايا الدقيقة.
كان مجلسنا هنا تحديدا
٤١. سألته كيف استجابت عائلتك لخبر إسلامك، فضحك وقال: كان الأمر سهلًا جدًا، أخبرت أمي -وهو يتيم الأب- أني قد أسلمت، فقالت: الخيار لك إن كنت مقتنعًا به حقًا، وانتهى الأمر على ذلك، إلا إن أخته ذكرت بمآل ذلك من أنه قد ينضم لداعش 😂🤭
٤٢. فبين لها أن الأمر خلاف ذلك تمامًا. المهم: آدم كان شابًا فرنسيًا مراهقًا في هيئته وسلوكه وألفاظه، تعرفون كيف تُقتلُ العفة في أوروبا من سني المراهقة الأولى!
٤٣. كان قد شكى لي قسوة قلبه، وأنه لا يتأثر بشيء من كلام الله سبحانه، فقلت له: عليك بكلام الله سماعًا وقراءة لتفسير معانيه بلغتك.
٤٤. مرت الأيام وآدم مقيم على زيارتنا من منزل العائلة التي يقيم عندها إلى عمارة سبولدنج في شاارع او فريل، ولعلي أحدثكم عن هذه العمارة قليلًا، والتي عشت فيها قرابة الخمسة أشهر أو تزيد 😂
٤٥. كنا أصحابًا خمسة، نسكن في عمارتين، الأولى عمارة سبولدنج في شارع أو فريل، كانت عمارة راقية بالنسبة للأخرى! أول دخولك لها تنبعث لك رائحة الحانة فيها، كانت هذه رائحة العودة للسكن بعد يوم دراسي طويل.
٤٦. تمر بمدير الاستقبال العفريت، كأنه على أريكته مدير شركة نفطية كبرى، لا يفوته شيء من أمور العِمارة إلا علمه.
٤٧. كنت أول أمري قد سكنت في غرفة وحيدًا، كانت غرفة مقرفة متسخة، تعلم من علب الأكل عن أن صينيًا قذرًا مر من هنا، وعلى الأرجح هو من أبناء القرى، رائحة البيض الفاسد، والأوراق المتراكمة، وأواني النودلز التي تعافها حتى الفطريات.
٤٨. فأمضيت ليلتي تلك أرتب الغرفة وأنظف ما فعله ذلك الصيني القذر. كان قدر الله أن أمكث في هذه الغرفة لمدة أسبوعين، حتى أُعلمت من مدير العمارة أن الغرفة تحتاج للصيانة، وإني سأنتقل لغرفة أخرى في الطابق السادس مع شخص آخر.
٤٩. كان صاحبي في الغرفة صينيًا اسمه الأمريكي: فيسِنت، لا أشك في أنه يختلف عن صاحبي الأول في عمارتي الأولى: ليو اختلافًا كبيرًا، إذ أن فيسنت ابن لقرية صينية، ولا تكاد تخطئ ذلك من الكارثة في الغرفة التي تبين لك هذا الأمر 😂
٥٠. أما ليو ابن عائلة غنية مترفة تعيش في مدينة شنغهاي. المهم: أمضيت قرابة الشهر ونصف مع فيسنت حتى ليلة رأس السنة الميلادية.
٥١. بحق كان فيسنت إنسانًا طيبًا وخلوقًا، ومكافحًا، يحضر لي الأكل أحيانًا من بيت خالته التي تعيش في الحي الصيني في كالفورنيا -على ما أذكر- فأعتذر بأدنى الحجج وأقلها.
٥٢. كان فيسنت قد اختتم صحبتنا بداهية من الدواهي، إذ أنه في آخر ليلة لي معه كنت قد خرجت لحاجة لي، فأحضر صاحبته لغرفتنا وفعل ما فعل: "ليته تجمل معي الله يهديه، كلها ساعتين وأطلع 😂!"
٥٣. ثم انتقلت لغرفة لي مع صاحبي "محمد"، كانت غرف الفندق أشبه بالزنازين، لولا وجود الخلاء فيها، سريران متقابلان مرتفعان، تحتهما مكتب دراسة، وتبلغ أجرة السكن شهريًا قرابة ٢٤٠٠ دولار أمريكي.
٥٤. هذه غرفتي بعد تنظيفها قبل غرفة فيسنت:
٥٥. كنت قد ذكرت أننا خمسة، العمارة الأخرى هي لتاجر هندي جشع، تقع في شارع أو فريل كذلك، كان بابها بابًا أخضرًا عتيقًا، لا إذن لأحد في الدخول حتى يفتح له أحدهم من الداخل أو أن يطلب الإذن من صاحب العمارة فتنتظر حتى يرفع الله عنك الغمة بإذنه.
٥٦. تحييك رائحة الحشيش عند فتح الباب، ثم صراخ سمنثا المجنونة مستلقية على سلم العمارة، فتفاوضها لتفسح لك الطريق.
٥٧. نشق الطريق إلى غرفة الصحاب مع أصوات السُكارى، ودخان الحشيش المنبعث، وصراخ البغايا اللاتي ساقهن شظف العيش إلى ممارسة الدعارة.
٥٨. جاء لمعهدنا شاب في الثلاثة والثلاثين من عمره، قد ابتعث لدراسة اللغة من عمله، فكان نعم حامل المسك لطلاب المعهد جميعهم.
٥٩. أول مجيء الشيخ محمد كان قد وجد أن وقت الدوام قريب من وقت الجمعة، وقد يتكاسل الطلبة عن أداء الصلاة، فاستأذن مدير المعهد في غرفة تخصص لنا، فأعطانا أكبر قاعة في معهدنا، وكتب على بابها أنها بعد انتهاء الحصص للمسلمين، فجعلناها للجمعة ولصلاة الظهر، وجعلنا الخطبة بيني وبينه:
٦٠. كان الشيخ محمد بشوش الوجه، حسن الطوية، طيب المعشر، قد سحر الطلبة المبتعثين لحسن أخلاقه ودماثته، فتوثقت الصلة حتى صارت رحلات برية لجبل تامبلس شمال خليج البي مع الشيخ محمد، فكان أثرها على المقصرين عظيمًا، فأنعم بريح ألقت ذلك الرجل المبارك بيننا:
٦١. قد علم الشيخ محمد بقصة آدم، فبعث لي عن وجود دروس عامة في مركزهم قد ينفع الله بها له، فكنت أخرج مع آدم إلى مدينة ريشموند شرق الخليج على قطار البارت في رحلة ٢٥ دقيقة تقريبًا، صاحبكم أخذته غفوة الصالحين في القطار :)
٦٢. عندما استقلينا القطار في أحد المرات متوجهين إلى ريشموند، كان آدم قد أخذته حماسة شديدة لقول شيء ما، فكان قد رفع صوت هاتفه على قراءة مشجية لعبدالباسط، قلت له: لو خفضت الصوت قليلًا، فقال ممتعضًا: لو أن أحدهم قد رفع صوت جواله بالموسيقى ما حركت ساكنًا! فبهت وسكت 😂🤭
٦٣. عندها أخبرني أنه مستعد لتسميع أول سورة قد حفظها، كانت سورة العصر! ، لا تصدقون أسارير وجهه كيف أشرقت عندما اختتمها دون خطأ، يالفرحته تلك الليلة بكلام ربه ✨
٦٤. نكمل لاحقًا بإذنه تعالى.
٦٥. نكمل قليلًا بحول الله.
٦٦. كان "خالد" مقيمًا في ضاحية في جنوب سان فرانسيسكو اسمها ديلي سيتي، ضاحية هادئة يسكنها آسيويون وعرب ومبتعثون، كانت جنة لله في أرضه مقارنة بزحام المدينة وصخب عيشها، يكفي أن أرتاح من أبواق الطوارئ وعزف المتسول البغيض تحت نافذتي.
٦٧. فانتقلت أنا و"محمد" وصاحبنا "أحمد" إلى شقة في العمارة رقم ٣٥ في شارع بونسيتا في ديلي سيتي، كان ثلاثيًا عجيبًا 😂، من يصدق أن يجتمع في شقة واحد من الشرقية والرياض والغربية بلهجات وتصورات مختلفة تمامًا ههههه
٦٨. كانت الديلي سيتي أشبه بقرية سكنية يملكها شركة ويست ليك جنوب شرق بحيرة الضاحية التي تفصلها عن سان فرانسيسكو.
٦٩. بسبب خروجي من المعهد باكرًا، كان محدثكم شيف الشقة المحترف، أسابق الزمن لتجهيز الغداء خشية وصول "الرماميت" قبل إنهاء المهمة.
٧٠. الركض في شارع مونتوقمري الطويل، حتى الدخول إلى بوابة المترو، أشحن بطا القطار، ثم الوصول للمحطة بعد نصف ساعة، ثم الركض من المحطار حتى شارع بونسيتا، الصعود للطابق الثالث ورمي الشنطة وتبديل الملابس والبدء بالمهمة الطويلة.
٧١. كانت الميزة لمحدثكم أنه لا علاقة له بورطة العشاء، فقد أوجبت بالالتزام بمهمة الغداء اليومية مع تنظيف الصحون والمطبخ والحمام -أعزكم الله- 😂
٧٢. كان موعد الانتقال للجامعة يقترب أكثر، لاسيما وقد أنهيت دراسة اللغة بسرعة، قضيت أشهرًا في الصيف مع أهلي في منزل في ديلي سيتي، وكنت في ذات الأمر منشغلًا بإجراءات الانتقال لولاية إنديانا في عاصمتها إنديانابوليس في جامعتها، كان الوقت يمضي سريعًا.
٧٣. شحنت سيارتي إلى الولاية الجديدة، وأوصلني والدي لمطار سان فرانسيسكو، كان الوقت قبيل صلاة الفجر بساعة.
الرحلة قرابة ٤ ساعات على الطيران الأمريكي.
٧٤. وصلت لمطار عاصمة الولاية، واستقليت سيارة أجرة إلى نزل قريبًا من مسجد التقوى.
٧٥. في الليلة التالية كنت مع موعد مع الحبيب الأديب الأريب شيخنا @A_alwashali كانت ليلة سمر بديعة على قناة الماء في العاصمة، ليلة لا تُنسى.
٧٦. كانت مهمة البحث عن سكن حول الحامعة مهمة شاقة جدًا، وكنت أتمنع عن عروضات الكريم ابن الأكارم @A_alwashali للمساعدة رغبة في خوض هذه المغامرة.
خرجت إلى الجامعة لإتمام مهمة التسجيل ورفع الأوراق الرسمية.
في محاولة يائسة دخلت إلى سكن ما، ووجدت شابًا في العشرين -كأنه من ربعنا-
٧٧. لكن منعني من تلك النهية عيونه الزرقاء وشعره الأشقر، خرجت لطلب سيارة أوبر لأعود بخفي حنين إلى الفندق، حتى سمعت صوت من خلفي يناديني: "وين تبي تروح أخوي 😂"
٧٨. كان صاحبنا ذاك ذا العيون الزرقاء والشعر الأشقر، يدرس دراسة طبية في جامعتي، كان بالنسبة لي ملاكًا هبط من السماء.
٧٩. لم تمر ساعة حتى دخلت شقتي الجديدة في شارع هانا في مجمع ستون ليك، ويبعد عن الجامعة قرابة الثلاث دقائق بالسيارة.
٨٠. من طريف الأحداث أن تعرفت على الصديق الشيخ محمد الوليعي، وكان قد أرسل لي صندوقًا لا أدري ما فيه، انتقلت إلى الولاية ولم يصلني الصندوق بعد، فلما أعلمت بوصول الشحنة، طلبت من أهلي استلامها وإرسالها لي، فُتح الصندوق وكان يحوي حذاء فاخرًا ومطارة ماء 😂
٨١. فأرسلت للصديق محمد شاكرًا ومقدرًا على حذاء المترفين هذا، فأرسل لي رسالة حفتها الاستفهامات: لعل في الأمر خطأ ما يا عاصم!!!
٨٢. المسكين صاحب الشحنة كان ينتظر حذاءه الأزرق الجميل فاستلم بدلها نوادر الصديق الوليعي واختيارته الكتبية 🤣.
٨٣. درست في جامعة إنديانابوليس تخصص علم الاجتماع: (Sociology)، في كلية العلوم والآداب الليبرالية في مبنى القود هول -صورته أدناه-، مادة علم الاجتماع عند البروفيسور جيمس وولف، والانثروبولوجي عند جيرمي بييش، والجغرافيا السياسية عند براين بلات.
٨٤. في أول محاضرة لي في مادة علم الاجتماع، قد اجتمع الطلبة في القاعة بانتظار رجلًا مهيب يطل علينا ببزته الأنيقة، فما هي إلا دقائق حتى دخل القاعة رجل في السبعين من عمره، قد خلا جسده من اللباس إلا "خيشة" غطى بها جسده إلى ساقه🤭
٨٥. النوم سلطان، نكمل لاحقًا بإذن الله تعالى.
٨٦. عم الذهول أرجاء القاعة، من هو يا ترى هذا الرجل المجنون!؟ أخذَ يطوف القاعة ويسأل أسئلة مجتمعية كأنه قد قدم من عصر غابر آخر، كانت مسرحية درامتيكية ساخرة لتقريب العلم.
٨٧. جيمس وولف أستاذ علم الاجتماع الديني في جامعة بيركلي سابقًا وإنديانابولس حاليًا وهو في ذات الأمر بروتستانتي مفتخر بمذهب الذي اختاره لنفسه، وطأ لنا العلم بما استطاع فأحسن أيما إحسان، كنت طالبه الذي لا يفتر عن سؤاله، وعنده كتبت مقالتي تلك: الفوقية الغربية.
٨٨. ومثله ما جهل الإسلام، فإن كان قد أسلم فالحمدلله، وإن كان غير ذلك فأسأل الله له الهدية، وإن كان قد مات على الكفر فإنا لله وإنا إليه راجعون، إننا لا نهدي من أحببنا لهم الهداية.
٨٩. أما الانثروبولوجيا: (علم الإنسان) فقد درسني البروفسور جيرمي بييش، كان عالم آثار تطوري سكير، لكنه كان ينعم بروح مرحة، لا يصبر إلى آخر محاضرتنا الطويلة عن الكحول، فإذا طال الوقت عليه، جلس وأطرق برأسه ثم أشار بيده أن اخرجوا، قد انتهى الدرس!
٩٠. أذكر أول محاضرة له، كان قد صرح: بأني هنا لتدريسكم مفردات المقرر، ولا شأن لي باعتقاداتك الشخصية ولا اعتبار لها عندي، في خارج القاعة كِل علي من الذم والسباب ما تريد، -كان يمهد لمحاضراته التطورية التي تعتبر كفر بواحًا عند متديني الولاية-
٩١. في الاختبارات الشهرية والنهائية، كان يسمح بإدخال كل ما يلزم مما يساعد الطلبة في امتحانهم، بل حتى لا يمانع من إحضار الجهاز المحمول وعرض الشرائح والجواب منها، وهذا قد يكون مصداقًا لقول الحق سبحانه: (فيهما إثم كبير ومنافع للناس) :)
٩٢. أما براين بلات البروفيسور الشاب، طيب المعشر والخلق، كانت محاضرته مزدحمة بالطلبة من تخصصات شتى لكونها مادة اختيارية للتخصصات الأخرى، كان المقرر غاية في النفع وكان بلات غاية في الإجادة والتمكن.
٩٣. كنت قد واجهت مشكلة إدارية كبيرة في دراستي، وهي أن أوراق الإلحاق قد توقفت بعد وفاة الملك عبدالله رحمه الله تعالى، مع أني كنت مستحقًا للبعثة قبل سفري إلا أني قد قدمت على الدراسة على حسابي الخاص لكون التخصص لا يسمح بالبعثة من السعودية، بل لابد من الدراسة ثم الالتحاق.
٩٤. وفي سبتمبر ٢٠١٥ كانت زيارة الملك سلمان حفطه الله تعالى لواشنطن، فعزمت على السفر إلى العاصمة، لاحتمال وجود الوزير أو مرافقون من الديوان لحل هذه المعضلة التي طالت ألوف الدارسين.
٩٥. كانت خطتي أن أسافر بعد محاضرة يوم الجمعة الصباحية اليتيمة، لكن خشيت فوات الفرصة، لذا عزمت على السفر ليلة الجمعة في الساعة العاشرة من مدينتي وحتى واشنطن العاصمة.
٩٦. من إنديانا إلى أوهايو، مرورًا ببنسلفينيا إلى فرجينيا الشرقية إلى فرجينيا. كان الطريق طويلًا أحاول تقصيره بالمسموعات، إلا أنها لم تجدي نفعًا، صعب أن تقطع هذه المفازة وحدك!
٩٧. عند فرجينيا الشرقية كان قد بلغي بي النعاس مبلغًا كدت أسقط به صريعًا، لا أحتمل إكمال ذلك الان، لذا وجدت موقفًا للشاحنات فاسترحت فيه إلى وقت صلاة الفجر.
٩٨. أشرقت الشمس، وسبحت الخلائق بحمد ربها، كان مشهدًا عشته ما أنساه، كانت جبالٌ تعلوها أكواخ حجرية، والغيوم تحف الطريق من كل جانب إلى الشمس التي تحجبها أعمدة الجسر المعلق آخر مد بصرك للطريق الطويل، مشهد ما أنساه ما حييت، ولا أدري أين كان ذلك.
٩٩. قصدت فرجينيا الغربية لا الشرقية*
المهم، كنت فيما تبقى من مفازتي هذه بين الحلم واليقظة، بالكاد أتبين الطريق، تجلدت على إبقاء العين مفتوحة والبال منتبه حتى بلغت إعلان الدخول إلى واشنطن العاصمة في حي كولومبيا العريق، مصنع السياسة ومطبخ العالم!
١٠٠. لم أصدق أنني في واشنطن حتى تبينت بيته الأبيض وقبته البيضاء، مبنى الكونجرس ومكتبته والبنتاغون الشاهق.

جاري تحميل الاقتراحات...