حاتم العفنان
حاتم العفنان

@i_7at

229 تغريدة 173 قراءة Mar 20, 2020
#حياتي_وثقافتي من كتاب حياتي وثقافتي للأديب سعد العفنان
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
#اقتباسات_سعد_العفنان
أعتذر من الأخوة المتابعين على وجود خطأ في نقل بعض التواريخ وتم حذف السلسلة وإعادة المراجعة والتدقيق، وسوف أعيد نشرها واقتباسها كما هي في الكتاب المنشور
#اقتباسات_سعد_العفنان
البداية=
"
#حياتي_وثقافتي
ولدت في ليلة الثاني من شوال عام ١٣٥٨ هـ في قرية النعي في بيت جدي لأمي ضحوي بن هادي بن دهمي وهو الذي حنکني وأسمانی سعدا باسم جدي لأبي سعد بن عفنان الذي توفي رحمه الله في أول تلك السنة، ليس في طفولتي مايستحق الذكر،
نشأت وترعرعت في قرية السبعان جنوب حائل سبعين كيلو مترا وسط أسرة فلاحية ولذلك كان والدي قاسيا بحكم أن مهنة الفلاحة شاقة على العكس من والدتي ذات الأخلاق الشمرية الأريحية التي كانت إلي جانب ذلك تروي الشعر وتنقل صورة المشهد بشكل مؤثر.
لم أتعلم في صغري حيث لم يصل التعليم النظامي لقريتنا إلا في العام ١٣٧٥ هـ وكان عمري في حينها سبعة عشر عاما وكنت آنذاك أعمل في شركة أرامكو في الظهران لكن في قريتنا كتابًا يعلم الأولاد الأبجدية وحروف الهجاء وقراءة القرآن الكريم وتجويده وحفظه
وكان يقوم على هذا الكتاب طالب علم سلفي هو المرحوم عثمان بن سالم الرزيني وقد حرص والداي على أن أتعلم في هذا الكتاب لكني كنت ملول وأكره الرتابة ولذلك فقد كنت ألتحق بالدراسة شهرًا وأنقطع عنها عامًا.
وعندما بلغت الثالثة عشر من العمر صار لدي شعور جياش بأني صرت رجلا يستطيع أن يفعل ما يفعله الرجال وأني أستطيع أن أسافر وأن أعتمد على نفسي وأن أقتحم ميادين الحياة لكن الأيام فيما بعد أثبتت أن هذا كان أضغاث أحلام وأوهام حشى بها رأسي ماكنت أسمعه من أحاديث الكبار الذين كانوا يحكون لنا
عن فتيان يافعين تغربوا وشاركوا في الغزوات وفعلوا مثلما يفعل الرجال وجاءوا لأهلهم بالغنائم الجزيلة، وكثيرا ماسمعت من والدي رحمه الله يقول لي عندما كنت في مثل سنك فعلت كذا وكذا من الأعمال التي لا يقوم بمثلها إلا الرجال،
ولطالما تحدثوا عن الرموز الوطنيين والرجال الناجحين في المجتمع بأنهم برزوا بكذا ونجحوا بكذا من الأعمال التي يعجز عنها الكبار وهم أحداثًا أي وأنا في العاشرة إلى الثالثة عشر أني..
كنت أصدق هذا الذي يقال بسذاجة بالغة بأوهام لم يصمد منها شئ في أول تجربة أقدم فيها على خوض غمار الحياة محاولا الاعتماد على نفسي.
هذه الأوهام التي امتلأت بها مشاعري مع طبيعتي الملولة من الرتابة والحدة في العمل في الفلاحة جعلتني أكره البقاء في القرية وأطمح إلى البحث عن حظي في مكان بعيد وما كنت أدرك أنني لا أزال حدثا صغيرا أقل من تلك المهمة التي دونها المجهول.
وكانت سيارات النقل في ذلك الوقت بدأت تصل الي قريتنا في الشهر أو الشهرين مرة فكلما أتت سيارة كنت ألح على أهلي أن يسمحوا لي أن تنقلني من القرية إلى أي مكان آخر وكنت أقول لهم أنا رجل ويمكن أن افيدكم وأنا بعيد عنكم أفضل من وجودي بينكم
فكانت توسلات أمي ومحاولاتها اقناعي بأني صغير وأن المستقبل أمامي إذا كبرت وتأنيب أبي وكذلك أقاربنا الذين ينحو بعضهم منحى الوالد وبعضهم الآخر ينحو منحى أمي كلها تذهب في الهواء.
وأمام إصراري هذا توصل والدي رحمه الله إلى رأي وهو أن يأخذني معه في أول سفرة له إلى الرياض ويبحث لي عن عمل مناسب هناك وهكذا حصل في عام ۱۳۷۱ هـ.
ولكن وعندما ركبنا السيارة من حائل متوجهين إلى الرياض أصبت بالدوار والغثيان وكانت هذه أول صدمة أواجهها، واستمرت هذه الحالة على مدى خمسة أيام هي مدة السير من حائل إلى الرياض بالطرق الصحراوية وبالسيارات القديمة والتي يتم قطعها الآن بخمس ساعات،
وقد وصلت في بعض الحالات إلى اليأس من الحياة حتى أن والدي في اليوم الثالث عندما اشتدت الحالة معي قد شهدني والدموع تذرف من عينيه،
لكني في آخر اليوم الخامس ونحن نقترب من الرياض بدأت أستعيد حالتي الطبيعية وعندما اقتربنا من الرياض في صبيحة اليوم السادس على مسافة قليلة من مغرزات وتوقفت السيارة لتمكين الركاب من تغيير ملابسهم استعدادا لدخول الرياض
رأيت وجه والدي تكسوه تعشيبة طافحة بعد تلك الرحلة فأخذ ماء من السيارة وذهب بي جانبا وجعلني اغتسل وكان يسبح الله ويذكره ويردد الصلاة علي النبي صلى الله عليه وسلم وكان يدعو لي لم أعد أذكرها الآن
ثم ألبسني ثيابا جديدة كان قد اشتراها لي من حائل فشعرت بنشوة ونحن نأوي إلى الرياض وكأني خلقت من جديد.
عندما صرنا بموازاة مغرزات أخذ والدي يردد بصوته الجهوري تلك الأبيات التي تنسب للملك عبد العزيز وهي:
واهني الترف منسوع الجديلة
ماضواء الليل بأرض مغرزات
روحن مثل القطايين الثميلة
ضمر تضفي عليهن العباة
وردوهن هيت وأخطأة الدليلة
والموارد غیر هیت مقضباه.
وما هي إلا هنيهنة من الوقت حتي صرنا بموازاة مطار الرياض القديم فأخذ الركاب يتحدثون عن المطار والطيارات وكيف تهبط وتقلع ويتعجبون من ذلك الحديد الذي يطير في الهواء ويقولون سبحان الله الذي لوشاء ماطار الحديد وهو أثقل شئ على الأرض وكنت أمد رقبتي في الهواء
أحاول أن أستشرف من فوق جانب حوض السيارة باتجاه المطار لعلي أرى ذلك الطائر الحديدي. وهنيهة أخرى وإذا بنا نسير بجانب قصر الملك عبد العزيز (المربع) لكن لم يعد للركاب متسعا من الوقت كي يتحدثوا عما يشاهدون فقد توقفت السيارة في محطة السيارات في البطحاء.
والبطحاء هي وادي الوتر الذي تتكون روافده من شمالي الرياض والذي يلتقي بوادي حنيفة عندما يصل إلى منفوحة جنوبي الرياض وهو مايعرف الآن بشارع البطحاء بعد أن صار في وسط مدينة الرياض.
وكان آنذاك لم يتحدد کشارع وإنما كان لا زال واديًا تقع على جانبه الغربي مزارع نخيل وأطراف مدينة الرياض القديمة وتقع علي جانبه الشرقي بعض المحلات والمحطات العشوائية الجديدة.
ومحطة السيارات التي توقفنا فيها هي محطة سيارات السفر للجهات الشمالية بالنسبة للرياض كالكويت والحفر وسدير والقصيم وحائل وجميع مناطق شمال المملكة.
وكان مكان هذه المحطة يقع في الزاوية الشرقية الجنوبية لتقاطع شارع الخزان مع شارع البطحاء الآن، وكان هذا المكان بالإضافة إلى أنه محطة المسافرين القادمين إلى الرياض والمغادرين منها يضم سوقا تجاريا ناشتا ويقع خلفه حيًا سكنيا جديدًا يطلق عليه حلة القصمان
وهو عبارة عن أكواخ من الطين وكانت جميع مباني الرياض آنذاك من الطين وقليل منها من الطين والحجر،
وإذا استثنينا تلك المحلات التي أقيمت خارج المدينة ومزارع النخيل القائمة حولها منذ القدم وقصر المربع وبعض القصور هنا وهناك التي أقامها الأمراء من آل سعود فإن مدينة الرياض ما كانت مساحتها تزيد عن (٢*٣ كيلر متر مربع)
لكنها كانت مزدحمة جدا بالناس القادمين إليها من كل حدب وصوب إضافة إلى أهاليها والقاطنين الجدد فيها.
وعن أزدحام مدينة الرياض آنذاك بأفواج الناس الكثيفة غادین ورائحين كانت صور ذهنية لا تنسى بالنسبة لي فكان - مثلا - عندما يمر موكب المغفور له الملك عبد العزيز من قصر المربع إلى قصر الحكم (إمارة الرياض حاليا) لجلسته الصباحية
كانت تقف له الحشود من المواطنين علي طول الطريق فكان يبادلهم التحية بينما موكبه يمشي ببطء حتى أن الواقفين على جانبي الطريق يميزون قسمات وجهه ومفاصل أصابع يده وهو يبادلهم التحية
وعندما يأخذ مكانه في المجلس يستقبل وفود المواطنين القادمين من جميع انحاء المملكة للسلام عليه ويحرص على أن يستمع لهم ويلبي طلباتهم وكل يعود إلى منطقته وقد قضيت حاجاته.
في ذلك الوقت كان يتم إعادة بناء مسجد الإمام تركي ورغب والدي في أن أنضم إلى العمال وهو يدرك أني لن أقوى على حمل الأحجار ومواد البناء الأخرى نظرا لصغر سني
لكنه أراد أن يثبت عجزي من أجل أن يقنعني بالعودة معه إلى القرية ولكني أصررت على عدم العودة فما كان منه إلا أن طلب من أحد وجهاء آل الرشيد في الرياض وهو المرحوم سلطان بن جبر
الذي كان له جلسة بعد صلاة الفجر وكنا نحضرها كل يوم تقريبا، طلب والدي منه أن يبحث لي عن عمل مناسب بمعرفته.
وفعلا وجد الوجيه سلطان بن جبر العمل المناسب لي فقد توسط عند أحد التجار الذي شغلني في دكانه فكنت أساعده في عمل الدكان وأحيانا يرسلني إلى السوق لشراء مقاضي البيت اليومية وبقيت لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر
إلى أن جائني أحد أقاربنا وكان جنديا يعمل في الجيش العربي السعودي في منطقة الخرج فرغبني أن أذهب معه إلى الخرج والتحق بالجيش
فذلك أفضل وأكثر راتبا وامتدح الإلتحاق في العسكرية وأنها أحسن حاضرا ومستقبلا فاطعته وذهبت معه
لكني عندما عرضت نفسي على مدير التجنيد في الخرج رفض قبولي لصغر سني حاولت أن أعود لعملي السابق لكن قريبي وزملاء له من قبيلتنا قالوا لي أن فرص العمل متوفرة في الخرج وشجعوني علي البقاء عندهم
فقد كان الشمريون في منطقة الخرج يزيد عددهم على أربعين شخصا أغلبهم جنودا عاديين وفيهم عددا من صف الضباط وثلاثة ضباط وكان لهم مايشبه الجمعية
يساهمون فيها شهريا من رواتبهم الجنود عشرة ريالات وصف الضباط عشرون ريالا والضباط ثلاثون ريالا فكانوا يجمعون بحدود خمسمائة ريال شهريا وهذا كان مبلغا له قيمة في ذلك الوقت
فكانوا مستأجرين بيتا وقد جهزوه بكل ما يلزم من فرش وأواني ومواد للأكل والشرب وكان هذا البيت مفتوحا على الدوام للضيوف والمجازين ويجتمعون فيه في العطل والأعياد والمناسبات ولم يكن لأحد من أبناء القبائل الأخر مثل تلك الجمعية
والفكرة كانت مطبقة من قبل في الأردن إذ للموجودين هناك من قبيلة شمر بيت يسمونه مضافة شمر ولا زال قائما إلى الآن، وهذا البيت مفتوح لأي شمري أو من أهل حائل أو أي عابر سبيل أو صاحب حاجة وكذلك الحال في الخرج إلي أن وسع الله جل شأنه الحال على الناس هنا فاستغنوا عن مثل هذا الأمر.
تحت مظلة تلك الرابطة الشمرية الخيرة وجدت ملاذا دافئا فكان من أعضاء ذلك البيت من هم قادة في منطقة الخرج العسكرية ومن هم على صلة بمصانع السلاح في الخرج ولبعضهم معرفة بالمشتغلين بمشروع الخرج الزراعي أو بالعاملين في محطة السكة الحديدة.
وقد اشتغلت بكل هذه الجهات الأربع بشكل متقطع كان آخرها الالتحاق بالجيش بواسطة أحد الضباط الحائليين الذي كان قائد سرية هو المرحوم عبد الله الحمدان وهو من حاضرة مدينة حائل ومن عائلة محترمة لها مكانتها الاجتماعية المرموقة ليس في حائل وحسب وإنما في مختلف مناطق نجد
في الرياض وفي عنيزة وفي حائل، فقد توسط ذلك الرجل عند مدير التجنيد في الخرج الذي قبل أن يجندني ولكن بشرط أن يحولني علي السرية التي يرأسها عبد الله الحمدان.
لقد كان هناك تساهلا في قبول صغار السن في الجيش لأن تأسيس جيش نظامي كان أحد الإصلاحات الجوهرية التي وجه بها المغفور له الملك عبدالعزيز فلم يكونوا يدققون آنذاك
بحيث يشترطون حدة مرتفعة من اللياقة والأهلية البدنية في قبول المجندين ولذلك فقد كانت لا تخلوا سرية من سرايا منطقة الخرج العسكرية السبعة عشر سرية من عدد من الفتيان الذين هم في مثل سني
وكنت في سرية عبد الله حمدان وهي السرية الثانية من الفوج الثاني مشاة أحد خمسة أو ستة فتيان لم يتجاوز عمر الواحد منا الرابعة عشر عندما تم تجنيدى وكنت بالنسبة لزملائي أنبههم ذهنا
فقد حفظت الدروس العسكرية بسرعة وكنت أقولها بطلاقة وبدون تلعثم عندما يطلب منا ذلك وكنت أفضل زملائی لياقة في أداء الحركات العسكرية علي الرغم من أني لم أكن أشدهم بنية،
لكن كانت لدي مشكلة مزاجية وهي عدم استساغة طعام الإعاشة التي كانت تقدم لنا والتي كان القرع ولحوم البقر والسمن الهولندي موادها الرئيسية فكانت هذه المواد الثلاث في الأكل تسبب لي التقزز والغثيان فكنت أكتفي بأكل الخبز بدون ادام والأرز حافا ولاشك أن هذا افقدني كثيرا مما لدي من حيوية
وكان التدريب الميداني مشكلة أخري أدى إلى تراجع صحتي فصرت أبدو مرهقا ماجعل قائد السرية عبد الله حمدان يشفق على حالي فيوجه مأموري السرية بعدم خروجي للميدان
وتكليفي بدلا من ذلك بحراسة ثكنة السرية وأمر كاتب السرية ويدعی الحميدي من أهالي القصيم بتعليمى الكتابة والقراءة وكان الحافز له أنه إذا استطاع تعليمي أن يتم ترفيعه إلى رتبة أعلى لأحل محله.
اجتهد الحميدي في تعليمي إلى أن استطعت أن أعد نموذج (تکمیل السرية) وهو عبارة عن ورقة يتم تسطيرها ويكتب فيها تاريخ اليوم وعدد أفراد السرية والحضور والمكلفين بمهام والمتغيبين والمجازين.
لكن لم يكتب الله لي أن أتسلم تلك المهمة الموعودة فقد جاءت تعليمات جديدة ببرنامج تدريبي علي السلاح حيث كنا نتدرب من قبل على الحركات العسكرية بدون سلاح.
لم تساعدني بنيتي الجسمانية على حمل السلاح في التدريبات الميدانية التي أنهكتني فكنت عندما أقع على الأرض لا أستطيع النهوض حيث تقرحت ركبي من الزحف الميداني ومرضت ونومت في المستشفى أكثر من شهر إلى أن تم فصلي طبيا.
والواقع أن الفصل الطبي كان بسبب عدم أهليتي للواجبات العسكرية الصغر سنى وعدم اكتمال بنيتي الجسمانية لتحمل الواجبات والتكاليف ولم أكن أنا فقط الذي اتخذ مثل هذا القرار بشأنه
وإنما آخرین مثلي وأعتقد أن ذلك كان بالتنسيق مع قيادة الجيش التي صارت تدقق في قبول المجندين بحيث يكونون مؤهلين من الناحية البدنية للالتحاق بالجيش.
بعد تلك التجربة المريرة كان علي أن أعود إلى أهلي وقريتي وفعلا عدت كان ذلك في منتصف ۱۳۷۳ هـ ومكثت مايزيد على السنتين تقريبا ثم قررت هذه المرة الذهاب إلى الظهران على أمل الالتحاق في شركة أرامكو
فكان لي ابن عم يعمل هناك فكتبت إليه أن كان يمكن أن أحصل على عمل في أرامكو فأجابني بأنه يمكن ذلك فذهبت وكان عمري آنذاك ستة عشر عاما والتحقت في أرامكو وعملت فيها أكثر من سنة ونصف
ثم تركت العمل والتحقت بمركز تأهيل مهني في الظهران تشرف عليه أرامكو وتأهلت نجارا معماريا وعملت في هذه المهنة في الظهران فترات متقطعة ثم عدت إلى الرياض وعملت فيها فترات متقطعة أخرى.
ثم التحقت بوزارة الزراعة سائق حراثة زراعية مع مجموعة من الأشخاص أمثالي تم تدريبنا في الرياض على قيادة الحراثات وصيانتها ومن ثم وزعونا على مختلف مناطق المملكة.
كان الخبير الذي أشرف على تدريبنا أجنبيا ويساعده مهندس سعودي يدعى عبد الله بن ناصر بن عودان من أهل عودة سدير وهذا الرجل توسم فيّ شيئا مختلفا عن بقية زملائي
فصار يسألني إن كنت أقرأ وأكتب وهل درست وإلى أي مستوى ولماذا لا ألتحق بالدراسة الليلية فلما عرف حقيقة أمري واطلع على مستوى كتابتي ومعلوماتي رشحني للالتحاق في الدراسة الليلية في الخامسة الابتدائي
وأعطاني سبعة عشر ريالا ونصف وقال هذه ثمن دروس الصف الخامس تجدها في مكتبة الرياض في البطحاء تأخذها وكل يوم تأتي معك بكتاب منها وأنا مستعد أن أبقي معك كل يوم نصف ساعة بعد نهاية الدوام لاعطيك درسا من الكتاب الذي تأتي به.
ذهبت فعلا إلى المكتبة واشتريت الكتب وكانت على ما أذكر اثنی عشر أو ثلاثة عشر كتابا ونظرت فيها فإذا هي يمكن قراءتها واستيعابها ما عدا كتابين هما: القواعد والحساب،
في اليوم التالي لم آخذ أي من الكتب معي وأخبرته أني اشتريت الكتب لكني لن أكلفه تدریسي وأقسمت له أني عندما استقر في منطقة عملي بعد فترة التدريب
سوف التحق بالمدرسة الليلية وأكون عند حسن ظنه وشكرته كثيرا وطلبت منه أن يوزعني إلى حائل وفعلا لبى رغبتي كان ذلك عام ۱۳۷۹ هـ وكان عمري واحدا وعشرين سنة.
وعندما تم توزيعي إلى حائل كان في أول أولوياتي أن ألتحق بالدراسة الليلية وفعلا كان وصولي إلى حائل في بداية العام الدراسي ۱۳۷۹هـ فذهبت فورا إلى المدرسة السعودية بحائل
وهي أول مدرسة نظامية أفتتحت في إقليم نجد في عهد المغفور له الملك عبد العزيز عندما قرر تعميم التدريس النظامي في نجد كأحد أهم الاصلاحات الجوهرية لتحديث المملكة كان ذلك في عام ۱٣٥٦ هـ.
عندما ذهبت إلى تلك المدرسة كان مديرها آنذاك المربي الفاضل المرحوم صالح البكر الذي صار فيما بعد مديرا لمعهد العاصمة النموذجي فلما قلت له أني أرغب الالتحاق في مدرسته كطالب ليلي نظر إلي بشئ من
الاستغراب وقال: لم تعرفني بنفسك؟
قلت: أنا سعد ولد خلف العفنان
فقام وإلتف من خلف الطاولة وسلم علي وسألني عن حال والدي وقال: نعم الرجل أبوك وعاد إلى مقعده وقال: هل تكتب وتقرأ ياسعد،
قلت: نعم،
قال إلى أين درست؟
قلت: لم أدرس لكني تعلمت الكتابة والقراءة في الأعمال، قال: حتي عند الرزيني (خطيب) قريتكم
قلت: بلى تعلمت عنده الأبجدية والهجاء وحفظت جزئين من القرآن الكريم، قال لازلت تحفظهما
قلت: نعم.
أعطاني ورقة وقال: إكتب معروضا أنك ترغب الدراسة الليلية لدينا وأذكر الفصل الذي ترغب الدراسة فيه.
كتبت المعروض وطلبت قبولي في الصف الخامس ولما نظر في طلبي
قال: لا، أنا أرى أن نقبلك في الصف السادس،
قلت: أنا لدى دروس الصف الخامس،
قال: إذا كان الموضوع موضوع دروس أنا أعطيك دروس،
قلت: وإذا كان الموضوع موضوع عرف،
قال: ما الذي لا تعرفه بالنسبة لدروس الصف الخامس
قلت: القواعد وإلى حد كبير الحساب،
قال: طالما أنك تعرف ماهي المواد التي لا تعرفها فأنت جدير بأن تعرفها مع الوقت والإجتهاد.
وشجعني وقام من مقعده وأخذني إلى الصف السادس، وقال: بعد يومين تعالى إلي وأخبرني إن كنت تستطيع أن تواصل الدراسة في الصف السادس أم لا.
في اليوم التالي كتبت رسالة للمهندس عبدالله العودان قلت له فيها أبشرك أني نجحت من السنة الخامسة في المقابلة مع مدير المدرسة السعودية بحائل الأستاذ صالح البكر وأنا أدرس الآن في الصف السادس.
لكن بعد عدة أيام علم مديري في العمل وكان من نوع آخر من الرجال أني التحقت بالدراسة الليلية فانتدبني للعمل خارج المدينة وعندما قلت له أني أدرس في الليل ويمكنه أن ينتدب شخص آخر لم يلتفت إلي وذهبت للمهمة
وبعد شهرين عدت ولم يمانع مدير المدرسة من قبولي ثانية ولما علم مديري في العمل أني عدت للدراسة فصلني من العمل كليا فغضبت غضبا شديدة لكني كتمت ذلك
ودارت برأسي جملة من الأفكار اخترت منها الهجرة إلى الكويت فقد كانت لدي معلومات آنذاك أن الحياة في الكويت أرحب وأن الفرص لمن يريد أن يعمل ويدرس أوفر.
وصلت إلى الكويت في أول شهر محرم سنة ۱۳۸۰ هـ لكني لم أبقى فيها إلا أياما معدودات، فقد وجدت هناك أشخاصا كثيرين يبحثون عن العمل قد مضى على بعضهم شهورا
ثم أني سمعت أن في المنطقة المحايدة السعودية الكويتية حركة عمل نشطة حيث هناك شركتا نفط لديهما أعمال انشائية كثيرة فتوجهت إلى هناك وساقتنى الأقدار إلى بلدة الخفجی مقر الشركة اليابانية
وكانت تلك الشركة للتو بدأت العمل وأول أعمالها إنشاء ميناء وتعبيد الطريق الذي يربطها بشبكة طرق المنطقة المحايدة الأخرى والطريق إلى الكويت فاشتغلت لدى المتعهد في بناء هذين المشروعين كعامل عادي، وكان العمل شاقا لكني تعمدت افتعال المرح لتخفيف ارهاق العمل وخشونته
وفي ثمانية أشهر استطعت أن أجمع خمسة الاف ريال وكونت علاقات مع عدد من الزملاء الذين كنا نسكن ونعمل معا فأمدونی بشئ من مدخراتهم كقروض ائتمانية لأعمل دكانا كان هو أول دكان في الخفجي
إذ كنا على مدى عدة أشهر نأتي بما نحتاجه من مواد غذائية وأمتعة من الكويت، وعلى مدى الأشهر الباقية من عام ۱۳۸۰ هـ وعلى مدى عام ١٣٨١ هـ بكامله استطعت أن أحصل على ثلاثين ألف ريال من العمل في الدكان وكونت علاقات مع اثنين من أهل السوق في الكويت
وبحثت مع أحدهم امكانية الانتقال من الخفجي إلى الكويت على أمل أن تحصل لي فرصة الدراسة في الليل، وبدى أن كل شئ على مايرام فلما صفيت وضعي في الخفجي بشكل نهائي وانتقلت إلى الكويت بدأت تظهر الصعوبات التي لم أكن قد حسبت حسابها
فالرجل كان يريد مني ألف دينار کویتی سنويا مقابل أن أعمل باسمه لأن النظام في الكويت لايسمح لغير الكويتين في العمل في التجارة وفوق ذلك كان يريد مني ألف وخمسمائة دينار نقل قدم لدكان بعينه كان يملكه مع أن الدكان كان في موقع ليس له سوقا جيدا وإيجاره عالية
فأحسست أني وقعت بفخ فتركت الرجل وشروطه وعرضت موضوعي على الشخص الآخر فكان زید مثل أخيه عبيد فصرفت النظر عن الموضوع كله وخطر في بالي الذهاب إلى الرياض أو حائل وفعلا عدت إلى الرياض لكني لم أفعل شيئا أيضا.
وإني الآن عندما أحاول أن أوثق عن نفسي في تلك الفترة فإني لا استطيع تذكر الأسباب الحقيقية التي جعلتني استنفذ حصيلتي وثمرة جهدي لسنتين كاملتين
لأجد نفسي خالي الجيب تقریبا صفر اليدين إلا من بضع مئات من الكتب اشتريتها وقرأتها واحتفظت بها وكانت لي ذكريات معها لم انسها حتى الآن وبعض تلك الكتب بل الكثير منها فقد مني أثناء تنقلاتي والظروف القسرية التي مررت بها وبعضها لازال في حوزتي.
أذكر المكتبات التي اشتريت منها مجموعات من الكتب والأوقات التي تم فيه ذلك وأذكر الساعات الطوال التي كنت أعكف فيها على قراءة تلك الكتب وأذكر النقاشات التي كانت تدور بيني وآخرين حول مايحمله هذا الكتاب أو ذاك من أفكار فأعزي نفسي الآن وقد مضت السنون بأني لم أضع وقتي هدرا.
لقد كنت جادًا في قراءاتي ومخلصا في توجهاتي ماكنت أنشد إلا الحقيقة فإذا وجدتها عضضت عليها بالنواجذ وماكان يخدعني الزيف فخرجت من معمعة الساحة الثقافية في الثمانينات الهجرية بخلاصات صارت ثوابت في حياتي ومسيرتي الفكرية والثقافية.
كونت في تلك الفترة حصيلة معرفية لا بأس بها، فقد حددت من أنا، وماذا يمكنني أن أكون، وماذا علي أن أفعل وماذا على أن لا أفعل، وعلى ماذا أسس منهجي في الحياة بشكل نهائي
فأخترت الابتعاد عن السياسة لان السياسة صراع وقوده الدماء والأنفس، وعدم احتراف الأدب لأن الأدب صياغات وقلائد يسبكها محترفوا الأدب لصالح غيرهم ممن يستحقون أو لا يستحقون.
وأسوأ من احتراف الأدب احتراف الإعلام لأن الإعلام بدعة عصرية تقوم على قاعدة الوزير النازي (غوبلز) التي تقول: (إكذب ثم إكذب حتى يصدقك الآخرون).
*نقف هنا وغدًا نكمل سلسلة #حياتي_وثقافتي*
وسوف يذكر المؤلف فيها تجربته الثانية في الكويت، والرياض، والتجارب الزراعية في حائل، وبرقية الملك فهد بن عبدالعزيز (رحمه الله)
#اقتباسات_سعد_العفنان
في عام ۱۳۸۳ هـ عندما وجدت نفسي صفر اليدين ذهبت إلى الشيخ بدر الملا رحمه الله وهو صاحب أعمال تجارية واسعة في الكويت وكنت قد قابلته في إحدى المناسبات وصارت لي معرفة به فطلبت منه أن يوظفني في شركته الكبيرة فاستجاب لطلبي بكل أريحية
فكان قسم التحصيل في تلك الشركة هو القسم الوحيد الذي كنت استطيع أن أودي فيه عملا منتجا فتوظفت فيه براتب خمسين دينارا كويتيا وهو ما كان يفي بمصاريفي فقط والعمل لم يكن مكلفا
فقد كنت أحضر في الأسبوع مرة لاستلام إسناد المطالبة التي علي أن أحصلها في أسبوع وكنت أحضر يوميا في نهاية الدوام لأسدد مايتم لي تحصيله، أما مراجعة عملاء الشركة فكانت لا تتطلب مني إلا ثلاثة إلى خمسة مشاوير في اليوم أقوم بها جميعا قبل الظهر مشيا على الأقدام
ومدينة الكويت آنذاك لم تكن كبيرة مثلما صارت فيما بعد وأنا كنت أسكن في وسطها تماما وما كان أبعد اطراف المدينة يبعد عن الوسط أكثر من أربعة كيلو مترات وبالتالي كنت كل يوم أذهب إلي جهة من جهات المدينة.
ولقد فتح لي ذلك العمل نافذة للتعرف على الكويتيين وتركيبتهم السكانية وتاريخ أسرهم فكنت إذا أتيت تاجرا أو صاحب شركة أو موظفا عاما يستغرب أن سعوديا يعمل محصلا ليس لتواضع الوظيفة فحسب وإنما لأنهم تعودوا أن الشركات لا تستخدم سعوديين في أعمالها خاصة في أقسام التحصیل.
وكنت في تلك الفترة خجولا وأهاب دخول المكاتب الفخمة لكن شيئا فشيئا تغلبت على هذه العقدة لاسيما أن الشخصيات الذين كنت أتردد عليهم كانوا يرحبون بي إذا أتيتهم
ويتبسطون معي في الحديث ويناقشوننی
في أمور ثقافية وحتى سياسية ويجاملونني وكانت فيهم طيبة وأريحية وبعضهم يدعوني إلى بيته أو ديوانيته فامتنع فيقول لي هؤلاء البعض بشئ من العتب ألسنا إخوان؟
كان عملی متواضعا جدا وراتبه زهيدا لكني أعرف قدر نفسي و (رحم الله امرئًا عرف قدر نفسه) فأنا حتى ذلك الوقت لم ألتحق بعمل أرقی من ذلك العمل فقد كنت كادحا ويبدو أني سأظل كادحا حياتي.
كانت هذه هي قناعتي في تلك الفترة ولذلك كنت مرتاحا من الناحية النفسية وراضيا عما أنا فيه وكنت أطرد كل فكرة ترد إلى ذهني فتأتيني بوهم زائف أو خیال جامح فقد كنت آنذاك مستغرقا في القراءة
وزدت استغراقا عندما يسر الله لي ذلك العمل الذي يسد مصروفي ويجعلني متفرغا للقراءة فكنت حتى عندما أذهب إلى العمل أضع في حقيبتي كتيبا أقرأه في مكان الانتظار لدى إحدى الإدارات أو عندما أتعب من المشي فأجلس في أحد المقاهي على الطرقات.
وأذكر أني في أكثر من مرة جلست لاستريح في أكثر من مقهى فقرأت کتیبا کاملا أو بقية من كتاب في جلسة واحدة وعدت أدراجي ولم آنجز عملا.
ولذلك كان الحلم الوحيد الذي فشلت في مقاومته وراح يتغلغل في وجداني وعقلي هو حلم أن أكون مؤلفا في يوم من الأيام إذا كتب الله جل شأنه لي الحياة وإذا توفرت لي الظروف،
لكني كنت أدرك أن المسافة بيني وبين ذلك الحلم طويلة وعريضة وفيها صعوبات كثيرة ودرامايتكيات شائكة لابد أن يجدها صاحب مثل هذا الطموح كامنة أمامه دون أن يتوقعها أو يحسب حسابها.
فأنا إذا قارنت حصيلتي الثقافية بما لدى مؤلفين ناجحين في الساحة الثقافية ممن لا أرضى بأقل من نجاحهم أجد أنها قليلة لا من حيث الكمية ولا من حيث النوعية
وإذا نظرت في الصعوبات التي تعرض لها الكثيرون من الكتاب والتي فوجؤا بها في الكثير من المرات فأرغمتهم إما على التنحي أو أن يكونوا أبواقا لغيرهم سواء كان هذا الغير حكاما جبابرة أو أصحاب توجهات زائفة فإني أقف أمام مسلمة لا يمكن عدم الإقرار بها.
بالنسبة للأمر الأول قررت أن أعمق قراءاتي حتى يصير لدي رصيد معرفي كاف.
وبالنسبة للأمر الثاني قررت أن تكون لي شخصيتي المستقلة فلا أكون مرتبطا أو تابعا أو محتاجا لأحد فلا يكون لأي كان أن يملي على إرادته يفرض توجهاته أو أكون محتاجا لدعمه.
لم يكن الإمتثال لهذين الأمرين سهلا أو مطلبا يسيرا فلكي أعمق وأنوع ثقافتي كان أمامي الكثير مما يجب علي إنجازه وهو يحتاج لسنوات من الجد في القراءة للعديد من الفروع المعرفية،
أما أن تكون لي شخصيتي فقد قررت أن أكون مسكينا قانعا بواقعي لا أطمع بمال ولا أتطلع إلى جاه فالطمع وطلب الجاه هما اللذان يذلان الرجل ويجعلانه خاضعا لغيره ومهزوما أمام من هو أكثر منه مالا وأبرز جاها، أما المسكين القانع المتعفف فلا يذل لأحد ولا ينهزم أمام أحد.
قد يقول قائل هذه فلسفة العاجز لكن الرجل الذي يملك طاقة ذهنية وثقافة وتعفف لا يكون عاجزًا وإنما يكون متواضعا وقانعا لأنه عندما لايستخدم قواه الذهنية وثقافته للحصول على المال أو السعي إلى الجاه
فإنما يكون متعففا عن أدران الحياة وزيفها اللهم ما يكون منها ضروريًا لسد الحاجة أو واجبا تقتضيه الأخلاق.
کونت هذه الأفكار وركزتها في الكويت وصبرت نفسي عليها وساعدني ذلك على تطبيق الثوابت الثلاث التي ذكرتها من قبل والتي هي:
الإبتعاد عن السياسة وعدم إحتراف الأدب أو إحتراف الإعلام للأسباب التي بينتها وبذلك تحصحص منهجي في الحياة وتحددت رؤيتي الثقافية التي لم ولن أحيد عنها إن شاء الله تعالی.
وأن يكون المرء متواضعا وقانعا لا يعني بحال من الأحوال أن لا تكون له كبرياء ولا يسعى في طلب الرزق،
لكن الكبرياء المطلوبة هي كبرياء المؤمن الذي لايذل أو ينسحق أمام الجبروت والغطرسة وأيضا الجاه إذا كان في عزة النفس والإمتثال للأخلاق الكريمة فهذا هو الشرف الذي لا يعلى عليه أما إذا كان في التفاخر والتكاثر فهذا هو الجاه المذموم.
أما طلب الرزق فهو سنة الحياة لازم ومفروض على الإنسان وفي وجوبه نصوص قرآنية كثيرة ولكن هناك فرق بين طلب الرزق والذی فرضا وبين الطمع الذي يكون فيه التنافس المذموم.
في عام ۱۳۸٥ هـ تركت الكويت ووصلت الرياض في بداية تلك السنة وعملت أول ماوصلت لدى أحد رجال الأعمال مخلصا لمعاملاته لدى الجهات الرسمية براتب متواضع
وتقدمت لمكتب العمل في الرياض بطلب عمل اختبار لي في مهنة النجارة المسلحة باعتباري أحمل شهادة مركز التأهيل المهني في الظهران الذي كانت تشرف عليه شركة أرامكو وفعلا عملوا لي الإختبار المطلوب لدى إحدى الشركات المعمارية وأعطيت شهادة معماري درجة أولى وأحالوني إلى إحدى الشركات الأجنبية
التي كانت تنفذ مبانی إذاعة الرياض فتركت العمل لدى رجل الأعمال وكنت قد سجلت
في إحدى المدارس كطالب ليلي في الصف السادس الابتدائي وحصلت على الشهادة الابتدائية عام ١٣٨٥ / ١٣٨٦ هـ
ثم بعد ذلك إلتقيت صدفة برجل الأعمال الذي كنت أعمل لديه من قبل
فسألني: أين تعمل؟ قلت له في شركة إنكاس.
قال: ماهو عملك؟
قلت: نجار .
قال: نجار مسلح؟
قلت: نعم.
قال: وكم يدفعون لك راتبا؟
قلت: سبعمائة وخمسون ريالا،
قال: أنا أعطيك ألف ريال فلدي مشروع بناء مستشفى في جيزان وأريدك مديرا للمشروع هناك وأعطيك سيارة والسكن والمأكل.
كان العرض مغريا آنذاك فوافقت وذهبت إلى جازان في بداية عام ١٣٨٦ هـ.
وفي عام ١٣٩٤ هـ كان لي ابن عم في الرياض يعمل في المقاولات والتجارة وكان له شريك فاختلفا وتنازعا فوسطا بينهما محاسبا قانونيا لكنه لم يستطع أن ينهي خلافهما فتدخلت بينهما وتمكنت من فض خلافهما
فعرض كل منهما أن أدخل شريكا معه فاخترت العمل مع ابن عمي الذي قدم لي مئة ألف ريال اشتغل بها في العقار شراكة بيننا وقدم لي الصديق عبد الله الهريش ثلاثين ألف ريال قرضا حسنا وكان سوق العقار في ذلك
الوقت نشطة فاشتغلت في بناء البيوت في حي الصالحية والعود في الرياض مستغلا خبرتي کمعماري
فكنت أشتري أرضا ثم أخططها بيوتا صغيرة، بيتين أو ثلاثة أو أربعة فاعمرها ثم أبيعها وصادف ذلك مايسمى الطفرة العمرانية فكسبت فوق ما كنت أتوقعه وأعدت لابن عمي المبلغ الذي أخذته منه مع ما ترتب له من مكسب
أما الصديق عبدالله الهريش فقد رفض أن أعيد له مبلغه وأمهلني لاستثماره فترة غير محدودة.
تحسنت أحوالي وصرت أملك سيارة وفتحت حسابا في البنك وعمرت بیتا من صندوق التنمية العقاري وعمرت بيتا آخر أجرته وتزوجت وصارت الفرصة متاحة لي للعمل في المقاولات المعمارية الصغيرة
فرغبت أن أنتقل إلى حائل أولا للشوق والحنين وثانيا أن أسعار البناء في حائل أعلى منها في الرياض وثالثا أن الازدحام بلغ أشده في الرياض آنذاك بسبب الطفرة العمرانية التي كانت تعيشها.
أتيت إلى حائل في عام ١٣٩٦ هـ وبنيت عشر فلل في سنة ونصف تقريبا فحصل تراجع في سوق العقار والمعمار فتدنت أسعار المقاولات فاتجهت إلى الزراعة فأقمت مزرعة حديثة في ناحية الخطة شمال مدينة حائل خمسين كيلو مترا
ولم يكن قصدي استثمارية في الاتجاه إلى الزراعة وأيضا لم تكن خطوتي عشوائية من حيث الأساس فالمزرعة التي أقمتها كانت صغيرة وكنت أريدها لممارسة هوايتي في الزراعة باعتباري ابن عائلة فلاحية وكنت أيضا أريدها مستراحًا وخلوة أخلو بها مع هوايتي للإطلاع ومحاولة زيادة رصيدي المعرفي
وكان في تقديري أن لدي مايزيد على مليون ريال بين سيولة نقدية وعقارات وديونا على آخرين وأن هذا المبلغ كاف لتأمين حياتي لمدى معقول لكني بعد مضي سنة واحدة فقط أدركت أني سرت في الطريق الخطأ والذي سوف يؤدي بي إلى الإفلاس
فقد استنفذت رصيدي من السيولة النقدية واضطررت إلى الاقتراض من البنك الزراعي من أجل استكمال تأسيس المزرعة ووجدت نفسي أمام خيارين أحلاهما مرا أما أن أتخلى عن المزرعة بأن أبيعها أو أبيع أحد البيتين اللذين في الرياض
فاخترت الخيار الأسوأ حيث بعت أحد البيتين على أمل أن المزرعة إذا نظمتها وحسنتها سوف تأتيني بقيمة جيدة، لكن ذلك لم يكن إلا مزيدا من الاستدراج لي في الاتجاه الخطأ فالمزرعة كانت تأخذ ولا تعطي فما هي إلا سنتين فقط حتى اضطررت إلى بيع البيت الثاني على نفس الأمل.
لقد صارت المزرعة بالنسبة لي ورطة عويصة حرفتني عن عملي الذي كنت ناجحا فيه واستهلكت مدخراتي وبينما كنت أفكر بالخروج منها تفاقمت تلك الورطة بظهور مضاعفات أخرى بشكل دراماتیکی بعضها كنت أفهم أسبابه لكني كنت عاجزا عن تجنب مواجهة نتائجه،
فالمزارع بوجه عام صارت تتراجع أسعارها ومع الاستمرار في انحدار الأسعار كانت الديون تتصاعد ومع أني اتخذت اجراءات تقشفية إلى درجة أن الضنك المعيشي صار يحيط بي من كل جانب
إلا أنني كنت من المغبوطين عند الآخرين الذين لا يعرفون حقيقة أموري فقد كنت اتجمل أمام الآخرين وأخفي عنهم معاناتي حتى زوجتي وأولادي كنت أحرص على أن لا يشعروا بما أعانيه.
اثنين من جيراني الطيبين أبو فهد وأبوعبد العزيز واللذين كثيرا ماكنت أجلس معهما شعرا بالضنك الذي كنت أعيشه، فأما الأول فكان يشحن السيارة بكل ما يحتاجه البيت
فيغافلني ويأتي إلى بيتي عندما لا أكون موجودا فينزل مايأتي به وكان يصعب علي ذلك كثيرا عندما أحضر ولكني ما كنت استطيع أن أفعل شيئا إلا شکرا یا أبو فهد وجزاك الله خيرا فنعم الأخ أنت.
وأما الثاني، أبو عبد العزيز فقد إستجرني إلى حديث طويل معه عن الدنيا وأحوالها وعن أحواله هو بالذات في بداية حياته وكيف كانت المعيشة آنذاك ضنكة ثم كيف تحولت أمور ك معظم الناس من شدة الحياة وشظف العيش إلى ماهم فيه الآن من رخاء ونعيم
لكن أكثرهم مع الأسف لايتحسسون أحوال إخوانهم المعوزين المتعففين فيمدون لهم يد المعروف إلى أن قال: وأنا أحوالی طيبة ولله الحمد وعندي خير کثير وكذلك إخواني وأولادي وأحد أولادي رجل أعمال كبير وأنا أعرف إن أحوالك المادية رقيقة جدا وأنك تتعفف أن يعرف أحد ما أنت فيه من ضنك معيشي،
فقاطعته وقلت: كيف عرفت ذلك عني؟
قال: وهل تخفي الحقيقة الواقعة؟
قلت: أنا لدي فلاحة وأعيش منها ولو عجزت الفلاحة عن سداد نفقتي لبعتها وتمونت بثمنها
قال: لكن كم عليك دينا؟
قلت: الدين للبنك الزراعي وهو دين على الفلاحة
قال: إذن الفلاحة للبنك، انتاجها لسداد أقساط البنك وهو أيضا لايكفي وهي مرهونة للبنك وإن بعتها فهي لا تسدد دين البنك.
قلت: يبدو أنك بحثت موضوعي بشكل جاد وأنا لا أدري.
قال: وقررت.
قلت: وماذا قررت؟
فأخرج من جيبه ربطة نقود وقال: قررت أن أمد لك يد المساعدة فأرجوا أن تقبل ذلك مني معروفًا من أخ لأخيه.
ثم اتصل معروف ذلك الرجل بي لكنه كان يسببه إلي عن طريق غير مباشر تجنبا للحرج فشكرا له وكثر الله من أمثاله فالمجتمع الذي فيه مثل هذين الرجلين لا يزال ولن يزال بخير.
نحن الآن في عام ١٤٠٧هـ وكنت على مدى السنتين الماضيتين قد قمت ببعض النشاطات الميدانية والثقافية الزراعية.
ففي عام ١٤٠٤هـ قمت بتجربة زراعة البطاطس في فصل الخريف وكانوا من قبل لايزرعونه إلا في فصل الشتاء ونجحت التجربة وصارت لها جدوى اقتصادية أفضل من الفترة الشتوية وكتبت عنها مقالة نشرتها في مجلة تجارة حائل وكان لها ردود فعل واسعة بالنسبة لمنطقة حائل.
وفي عام ١٤٠٥ هـ قمت بتجربة زراعة القمح في فصل الصيف ومعروف أن القمح محصول شتوي ونجحت التجربة لكن معالي وزير الزراعة رأى أن يتم التعتيم عليها لسببين الأول: أنها يمكن أن تستهلك كميات مياه كبيرة،
والسبب الثاني أن زراعة القمح في فصل الشتاء آنذاك كانت قد تجاوزت حدود الاكتفاء الذاتي في المملكة وكذلك تجاوزت قدرة صوامع الغلال على الاستيعاب فرأى معاليه عدم النشر عن هذه التجربة،
لكني كتبت مقالة من جانبي نشرتها في مجلة تجارة حائل وكتبت عنها لجلالة الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وتلقيت منه البرقية التالية:
(٣٠/٧٥٣٠ الرياض: ٢١/٥/١٤٢٦ هـ ١١،٣٠ زر المطرود عدد ٢٢٠ برقية)
المكرم / سعد خلف لعفنان
حائل : ص ب : ۱۰۸۹
وردتنا برقيتكم المؤرخة في ١٧ الجاري المتضمنة نجاح التجربة التي قمتم بها بزراعة محصول القمح في فصل الصيف وإننا لنحمد الله سبحانه على ذلك ونقدر ما أبديتموه من مشاعر صادقة.. يتبع
تجاه مانقدمه من دعم في سبيل تطوير الزراعة ومساعدة المزارعين .. ونحيي فيكم نشاطكم الذي أبرزته هذه التجربة سائلين المولى جل وعلا أن يأخذ بأيدينا إلى مافيه خير بلادنا وأزدهارها ورفعة الإسلام وإعلاء شأن المسلمين إنه سميع مجيب.
فهد بن عبد العزيز
رج/صح جدا
وفي عام ١٤٠٦ هـ أنتدبت من قبل صاحب السمو الملكي أمير منطقة حائل الأمير مقرن بن عبد العزيز لحضور الندوة العالمية الثانية للنخيل في جامعة الملك فيصل في الإحساء لتمثيل مزارعي منطقة حائل
فكتبت بحثا ميدانيا عن النخيل في المنطقة فلاقى ذلك البحث قبول واستحسان الكثيرين في المنطقة من المزارعين والمهتمين وكذلك لاقی قبول واستحسان اللجنة العلمية في جامعة الملك فيصل
وكل من إطلع عليه من المشاركين في تلك الندوة من البلدان الأخري ومن المشاركين من داخل المملكة من الباحثين ومن المزارعين حثوني على طباعته في كتاب لتتم الاستفادة منه ميدانيا.
في ذلك العام أيضا بدأت نشر مقالات شهرية في مجلة تجارة حائل تحت عنوان (التقويم الزراعي لمنطقة حائل) اعتمدت فيه على التجارب الزراعية في المنطقة والطبيعة المناخية للمنطقة التي تختلف عن الطبيعية المناخية لأي منطقة أخرى
سواء ما يتعلق بمواعيد الزراعة أو بالمعاملات الكثيرة في الري والوقاية ومكافحة الآفات لكل نوع من أنواع المزروعات من النخيل والأشجار المتنوعة إلى زراعة الخضار والحبوب والأعلاف إلى التعامل مع المعدات وحتى الأغنام إلى غير ذلك من الأمور،
وتلقيت ملاحظات إيجابية على تلك المقالات من مختصين ومزارعين وطلب مني أن أجمعها في كتاب لفائدة المزارعين.
في تلك السنوات شعرت شعورا قويا أن لدي نفس طويل للكتابة وقدرة على توظيف المفردات بشكل مناسب حتى أن الدكتور سعدي التميمي من منظمة الفاو والتابعة للأمم المتحدة في مكتب الرياض زارني على رأس بعثة علمية عام ١٤٠٥هـ
للإطلاع على تجربتي زراعة القمح في فصل الصيف أشاد بدقة ما كتبته عن تلك التجربة من مختلف جوانبها وعندما قلت له أود أن تكتبوا عنها تقييما وهل هي مجدية، قال: التجربة ناجحة بكل المقاييس وأنت خير من يكتب عنها وفق ما إطلعنا عليه من متابعاتك لها وتدوينك عنها.
كانت النتيحة لنشاطاتي هذه في مجال الزراعة محبطة من الناحية المادية لم يكن لها أي مردود لمصلحتي حتى مقالاتي التي كنت أنشرها لم أكن أتقاضى عنها أي مكافأة
وحتى الكتابين اللذين اقترح علي طبعهما عن الزراعة في المنطقة وهما النخيل والتقويم فإنما طبعتهما على نفقتي الخاصة ووزعتهما مجانا تقريبا.
والإيجابية التي حصلت عليها هي أني تأكدت من قدرتي على التأليف وصرت قريبا من بلوغ حلمي أن أكون مؤلفا.
نستكمل الجزء الأخير من سلسلة #حياتي_وثقافتي من هنا
#اقتباسات_سعد_العفنان
في العامين ١٤٠٦ - ١٤٠٧ هـ إنتابني إعياء بدني عام لم أقف له علي سبب راجعت مستشفى حائل العام فلم يتبين لهم وجود أي مصدر لذلك الإعياء وكان عمري في ذلك الوقت ثمان وأربعون عاما أي أن ذلك الإعياء لم يكن عارضا من أعراض الشيخوخة وراجعت أحد المستوصفات الخاصة وعملوا لي تحاليل شاملة
ولم يظهر لهم أي شئ وأمام ما كنت أشعر به من إعياء وأمام نتائج الفحوصات الطبية التي تقول: لاشئ داخلنى التشاؤم والهواجس بأنها ربما تكون النهاية فأجهزة الجسم عندما تتراجع في أدائها كما هي الحال بالنسبة لي فهي قد تستمر في التراجع حتي الخمود تماما.
من هنا شعرت أنه ليس لدي متسعا من الوقت كي أدون شيئا من خلاصات تجربتي الثقافية فتعجلت في أمري وكتبت منظومة ضعيفة قلت آنها (ملحمة شعرية) وهي لم تكن كذلك إلا من باب التجاوز لأنها فعلا كانت ضعيفة ومن عدة جوانب،
فأنا لست شاعرا لكني تجرأت في التعبير عن مشاعري ورؤاي نظما ولذلك فأن هذه المنظومة عندما ظهرت تعرضت للنقد بأنها ضعيفة حتى أن البعض قال إنها ليست شعرا ولم يغضبني ذلك لأني أنا نفسي قلت عنها في تقديمي لها:
(إني وأنا أقدم هذا العمل المتواضع غير مقتنع أن عملي هذا عمل فني متكامل كما ينبغي أو بالأحرى كما أريد ولكني وجدت نفسي ابتعد بالرغم مني إلى محيط ريفي بسيط خشيت أن أودع ولم أطرح في الساحة الثقافية هذه الفكرة ولو بشكل مقتضب ومتعدد العيوب، ....
وهانا أفعل فإن حقق عملی هذا خيرا فذلك هو مرادي ومبتغاي وإلا فلا حول ولا قوة إلا بالله).
كان خطأي الذي لازلت نادما عليه أني دخلت إلى التأليف من باب الشعر فكان علي أن أعيد حساباتي وأدخل من المدخل السليم، أي من باب البحث الجاد فكان أول كتاب جاد لي هو كتاب (جذور الإرهاب وأهدافه)
ووفقت في هذا الكتاب في كشف مخططات اليهود في الإرهاب وإذكاء الصراع والفتن بين الأمم والشعوب عبر التاريخ وقدمت ذلك الكتاب إلى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله تعالی عندما زار منطقة حائل عام ١٤٠٨ هـ فتلقيت عليه مكافأة مالية وخطاب الشكر التالي من الديوان الملكي:
(الرقم ١/٦٤٧٣ في ٩/١٤٠٨ هـ)
سعادة الأستاذ سعد بن خلف العفنان المحترم
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته وبعد:
فإشارة إلى كتابكم المرفوع إلى خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ومعه نسخة من مؤلفكم (جذور الإرهاب وأهدافه) فإن خادم الحرمين الشريفين حفظه الله يشكركم على ذلك ويقدر لكم جهودكم العلمية التي تبذلونها في سبيل المنفعة العامة ويتمنى لكم التوفيق.
رئيس الديوان الملكي
محمد النويصر
وقدم للكتاب قراءة في الإذاعة في برنامج (کتاب وقارئ) قدمها الدكتور سلطان بن سعد القحطاني، وتم تقريضه والإشادة به في الصحافة من قبل العديد من النقاد من بينهم معالي الشيخ عبد الله بن خميس وتلقيت عليه ملاحظتان:
الأولى: يقول أصحابها أن اليهود ليسوا من الأهمية والخطورة إلى الدرجة التي تكلمت فيها عنهم في الكتاب.
والثانية: يقول أصحابها أن اليهود فيهم أنبياء وصالحون وبالتالي لايجوز إطلاق التنديد بهم بدون استثناء.
وكانت تلك المردودات الإيجابية علي ذلك الكتاب وأيضا هاتان الملاحظتان مع مامنیت به من إحباط مادي في المزرعة أسباب قوية في دفعي نحو التأليف فبنيت غرفة في فناء بيتي ووضعت فيها رفوفا صنعتها بيدي وأخذت أنظم فيها كتبي مركزًا على الموضوعات التي كنت أفكر في البحث فيها
فكان الكتاب الجاد الثاني الذي قمت بتأليفه هو (حقيقة اليهود) وهو رد على الملاحظتين السالفتي الذكر على الكتاب الأول.
قلت في ذلك الكتاب أن اليهود اليوم لايمتون بصلة إلى بني إسرائيل الذين سادوا ثم بادوا في فترة زمنية قديمة جدا وكذلك الديانة اليهودية إنما هي ديانة مبتدعة لاتمت بصلة إلى دين نبي الله موسى عليه السلام
وأن اليهود ليسوا شعبا ولا أمة وإنما هم شراذم ملفقة من كل جنس ولون وجمعهم سوء السلوك والحقد ضد الأمم والشعوب.
وما كاد ذلك الكتاب ينزل إلى المكتبات حتى نفذت طبعته الأولى وكانت الملاحظات التي وردتني عليه إيجابية جدا والحمد لله ما جعلني أنطلق في التأليف والكتابة في مختلف المجالات فشعرت بنشوة أزالت عني كثيرا من الإعياء الذي كنت أعانيه
فشرعت في كتابة بحوث عن المغفور له الملك عبد العزيز تحت عنوان (فصول من عبقرية الملك عبد العزيز ) فقد كانت لدي أفكار وملاحظات كثيرة حول ما كتب عنه تتلخص في أن جميع ما كتب ورصد من أحداثه لم يعطه حقه،
بل لم يتجاوز السرد المألوف الضعيف الوصف العادي والمديح المفروغ منه ولم يصل إلى بيان حقائق شخصيته العبقرية.
فشخصية الملك عبد العزيز رحمه الله تعالی تتجاوز أعظم الشخصيات في زمانه على الأقل وبالتالي فإن البحث في شخصيته ينبغي أن يتجاوز مناهج البحث المألوف فلا ينبغي أن يكون سرد وقائع وبيان أسباب واستقصاء مسببات وتحديد عوامل ومن ثم استخلاص مایحتمل أو يترجح من النتائج والتقریرات،
وإنما لابد من استخدام غير ماهو مألوف في محيطنا العربي وخاصة المحيط السعودي من آليات البحث التي لا ترقى إلى مستوى شخصية الملك عبد العزيز وإنجازاته السياسية والاجتماعية بإعتبار ذلك كله خلاصة تجارب القرون والأجيال قبله.
فلقد تمثل في شخصيته كل ما كان خلاصة تجارب للأمة العربية من معطيات أخلاقية نبيلة فالجزيرة العربية هي مهبط الوحي ومؤل الإسلام ومهد العروبة وكان أهلها وما يزالون يتمسكون بشئ من ثوابتهم الدينية والاجتماعية
لكن ليس بالصورة المطلقة لأن القوامة السياسة والمركزية الاجتماعية عندما ظهر الملك عبد العزيز كانت بيد أصحاب السلطة الأجنبية القائمة من ولاة الدولة العثمانية وباشواتها في الأقطار العربية
حيث جعلوا من أنفسهم بحكم القوة هم المراجع السياسية والاجتماعية لجميع الزعامات العربية المدنية والقبلية.
وكان معنى هذا أن ولاء العرب كان للدولة العثمانية فكان ظهور الملك عبد العزيز استبعاد لهذا الولاء الذي أثقل كاهل العرب قرونًا سوداء مريرية فتحرر العرب باد ذي بدء في وسط الجزيرة العربية ثم أخذ يمتد وينسحب على جميع الأقطار العربية.
وكان العالم يتقدم إلى الأمام والأمم في جميع القارات تمثل نفسها أمام الأمم الأخرى مخلفين العرب وراء ظهورهم كما لو كانوا أمة سادت ثم بادت
فالحق الملك عبدالعزيز العرب بركب الأم عندما انتزع اعتراف أعظم الدول آنذاك به كطرف سیاسي في معاهدة القطيف عام ١٩١٥م التي عقدها مع بريطانيا العظمى فحاكاه العرب فيما بعد بنضالات ومعاهدات حصلوا فيها على استقلالهم في نهاية المطاف.
وعلى الصعيد الداخلي أقام الملك عبدالعزيز دولة مدنية عربية إسلامية تحكم شرع الله جل شأنه وتأخذ بناصية أرقی ما وصل إليه العالم في مجال العلوم والتقنية وفي مختلف المجالات.
لاشك أن الذين أرّخو للملك عبدالعزيز رصدوا لنا هذه المعلومات لكن لم يلقوا عليها الأضواء الكافية ولم يشبعوها تحليلا فحينما نقرأ للكتاب العرب أو نستمع إليهم وهم يتحدثون فإننا نجدهم يصنفون الملك عبدالعزيز على أنه أحد ملوك أو زعماء العرب
وبالتالي يجعلونه طرفا من الأطراف العربية فينسبون له مواقف يجتزؤنها اجتزاء مخلا من موقفه الكلي العام فيجعلونه مع غيره سواء فيأتي من يدعي الانتصار له ليميزه عن غيره ويأتي من ينتصر لغيره ليميزه عليه وهذا وذاك كلاهما مجانب للحقيقة.
والحقيقة هي أن الملك عبدالعزيز هو القدوة والمثال للعرب جميعا سواء علم العرب بذلك أو جهلوه أو تجاهلوه، فكل ما حققه الملك عبد العزيز على صعيد السياسة الدولية أو على صعيد الانجازات الوطنية الداخلية إنما سبق به العرب جميعا في جميع الأقطار العربية،
وكل الذي حققه العرب فيما بعد في جميع الأقطار العربية إنما كان القدوة والمثال لهم فيه هو الملك عبدالعزيز.
وأنا عندما كتبت فصولا من عبقرية الملك عبدالعزيز لم ولن أدعي أني أتيت بما لم يأت به الآخرون عنه لكني أعتقد أني بحثت ماكان من حقي أن أبحث فيه ولا شك أني كغيري اجتهدت وكان لي نصيبي من التوفيق أو بالعكس،
وقمت بتقسيم الكتاب بحسب فصوله إلى ثلاثة كتيبات كل فصل منه جعلته كتیبا مستقلا وقمت بخطها خطا جميلا وعملت من كل کتاب عشر نسخ وجلدتها تجليدة فاخرة وقدمتها لولاة الأمر وتلقيت عليها مكافآت وخطابات شكر ومن تلك الخطابات الخطاب التالي:
(الرقم: ١/٢١ خ في ٢/١/١٤١١ هـ
المكرم الأخ سعد بن خلف العفنان
حائل ص ب : ١٠٨٦
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته :
إطلع صاحب السمو الملكي نائب وزير الداخلية على النسختين المخطوطتين من كتابيكم (عبقرية الملك عبدالعزيز العسكرية والسياسية، وشخصية الملك عبدالعزيز وعبقريته الإدارية)...
وقد أمر سموه الكريم بإبلاغكم تقدير سموه لجهودكم الطيبة كما تفضل حفظه الله بمساعدتكم بمبلغ عشرين ألف ريال بموجب الشيك المرفق المسحوب لأمركم على البنك الأهلي التجاري برقم ٠٠٥٠٠٨٣ في ٩/١٢/١٤١٠ هـ
وعندما يؤذن بطباعة هذين الكتابين فسوف يساعدكم سموه الكريم للإحاطه مع أطيب تحياتي.
ص/م مدير مكتب وزير الداخلية
محمد الشاوي
عندما إنطلقت في التأليف وتأكدت من قدرتي على البحث والكتابة في العديد من المجالات وجدت أنه لابد لي من الانتقال للسكن في المدينة وفعلا استأجرت بيت شعبيا قديما نوعا ما وهذا البيت كان يملكه الأخ الصديق محمد بن فهد العضيبي وهو من المشتغلين في السوق وأعرفه منذ صغري
فأنا وهو من نفس القرية وكانت معرفتنا منذ صغري طيبة جدا ثم تطورت إلى صداقة عندما كبرت وصارت بيننا معاملات مالية وثقة لاتشوبها شائبة لفترة طويلة،
ولكن لم يكن اختياري لبيته لهذا السبب وإنما كان للبيت نفسه فهو بيت رحب وأعرفه ومتكامل الخدمات وشوارعه داخليه وفسيحة ويقع في قلب المدينة وقريب من المدارس وجيرانه مثاليين وفوق ذلك كنت أتوقع أن إيجاره بحدود إمكانياتي.
حاول صديقي أن لا يأخذ مني إجار لكني رفضت فطلب مني الحد الأدني وبعد أيام زارني وتبسط معي في الحديث حتى واتته الفرصه ليسألني:
ماهو مشروعك القادم؟
قلت له:حائل وعبقرية المكان
قال متسائلا:حائل وعبقرية المكان؟
قلت:نعم.
قال:هل هذا عنوان کتاب؟
قلت:نعم،
قال:أنا أسألك عن المشروع المعيشي الذي سوف تعيش منه
قلت:في رأسي كثير من الأفكار بهذا الشأن لكن ليس لدى إمكانية مالية أبدأ بها فيما لو أردت أن أعمل أي مشروع.
والواقع أنه لم يكن في رأسي إلا مشروعا واحدا فقط وهو البحث والتأليف وكنت أعتقد أني وصلت إلى المرحلة التي ينبغي أن أتفرغ فيها للتأليف لكني كنت أتجنب أن أصارح الآخرين بهذا الأمر لأن ذلك قد يفسر بشكل سلبي.
على العموم قدم لي ذلك الصديق الوفي خمسين ألف ريال وقال: هذا المبلغ قرض حسن مني إبدأ به أي مشروع وإذا بدأت سوف أعطيك خمسين ألف أخرى.
شکرت صدیقي واستثمرت ذلك المبلغ في التمويل الزراعي ومضيت في مشروعي الثقافي حائل وعبقرية المكان الذي كان عبارة عن بحوث تاريخية وجغرافية وأدبية واجتماعية عن منطقة حائل كمنطقة متميزة في حياة العرب وتاريخهم
وكانت خطتي في ذلك المشروع أني أنشر بحوثه على شكل مقالات في مجلة تجارة حائل كي يتسني لی استطلاع آراء العدد الممكن من القراء والمعنيين واستقبال ملاحظاتهم إذا كان هناك ملاحظات قبل أن أصدر ذلك المشروع في كتاب.
لم يسألني صديقي عماذا فعلت بالمبلغ الذي أخذته منه وكنا نلتقي كثيرا وكان يقرأ مقالاتي في المجلة وينفحني باستحسانه لها، وكان يقترح علي جمعها في كتاب فكنت أقول له: إن شاء الله تعالى لكن بعد أن أنتهي من نشرها في المجلة.
بعد سنة أو ربما أكثر اخبرته عن الكيفية التي استثمرت فيها المبلغ الذي أخذته منه وأن عائده السنوي يغطي سداد أقساط البنك الزراعي وأكدت له إني سأعيده له متى طلب مني ذلك فقال: طالما أنك تستفيد من ذلك المبلغ فأنا مسرور لأني لست بحاجة إليه وتستثمره أنت فذلك أفضل من تجميده في البنك.
كانت السنوات ١٤٠٩ - ١٤١٥ هـ سنوات إقبال علي فقد سددت جزءا كبيرا من ديوني وصار الطريق مفتوحا لي للخروج من الورطة التي أوقعتني بها المزرعة واشتريت البيت الذي كنت أسكن فيه بالإيجار وقطعت مشوارا بعيدا في التأليف حيث بلغت اصداراتي إلى نهاية تلك الفترة أكثر من عشرة كتب.
عشرة كتب بلغتني حلمي العتيد الوحيد في أن أكون مؤلفا لكني لم أسع إلى هدف فوصلته وإنما وجدت نفسي قد سعيت في طريق طويل فوصلت فيه إلى المسافة التي علي أن أمضي قدما فأنا لم أعد ملكا لنفسي وإنما أنا ملك لهؤلاء الذين يتابعونني وينتظرون مني المزيد.
وأنا أيضا ملزم للمضي قدما لتبكيت أولئك الذين اتخذوا موقف العداء ضدي بدافع الغيره والحسد فكان علي ممارسة حقي المشروع وتأكيد وجودي وتوثيق رؤيتي الاجتماعية والثقافية فهذه هي المحطة التي علي أن أرسو عندها.
وأنا أيضا ملزم للمضي قدما لتبكيت أولئك الذين اتخذوا موقف العداء ضدي بدافع الغيره والحسد فكان علي ممارسة حقي المشروع وتأكيد وجودي وتوثيق رؤيتي الاجتماعية والثقافية فهذه هي المحطة التي علي أن أرسو عندها.
وإذا كان لي أن أختم هذه السيرة المختصرة بشئ فهو التأكيد على أن الثقافة ليست حشد معلومات وآراء بقدر ما هي رؤية تطبيقية سلوكية على الوجوه الأخلاقية التي تخدم المجتمع وفق ثوابته التي يؤمن بها وأهدافه التي يتطلع إليها
فمهما تبحر الإنسان في حشد المعلومات والآراء خارج الأطر الأخلاقية للمجتمع أو بما يناقض ثوابته ولا يحقق أهدافه فلا يمكن اعتباره مثقفا ولذلك فأنا أرى أن الثقافة التزام فكري وعلمي قبل أي شئ آخر
فالقراءة ليست للاستمتاع وسد الفراغ كما هي وجهة نظر محترفي الأدب وأصحاب الأطماع الأنانية الذين يسخرون ثقافتهم أما للتسلية وسد الفراغ أو لتحقيق أغراضهم الشخصية بعيدا عن أي التزام أخلاقي.
*نهاية الاقتباس*
نهاية فصل #حياتي_وثقافتي من كتاب حياتي وثقافتي
#اقتباسات_سعد_العفنان

جاري تحميل الاقتراحات...