أحمد الحقيل
أحمد الحقيل

@ahmedalhokail

9 تغريدة 74 قراءة Mar 17, 2020
حينما كنت أقرأ في كتاب الطبيخ لمحمد بن حسن البغدادي، قبل سنوات، بدأت أتخيل شخصا غريب الأطوار أثناء حصار المغول لبغداد، يعتزل في خلوة بيته المليء بالمؤن، ويزجي وقته بأن يطبخ كل يوم عدة وجبات، متنقلا بين السواذج والمطجنات والجواذيب والخشكنانج والحلاوات (هذه أسماؤها 🤷🏻‍♂️)
غريب الأطوار لأن عزلته لاتبدو هربا، ولكن لأن العالم الخارجي بالنسبة له مثل الحلم، مكان يسحبك ثم يعيدك إلى واقعك.
ولذا كان بيته هو واقعه.
أتخيله مترسا بكتب ورثها عن والده ولم يقرأ واحدا منها، وفي طرفه مخزن كبير، تغمرك فيه روائح الدارصيني والرازيانج والبوارد والزيرياج والسختور (🤷🏻‍♂️)
اسمه مصعب
شاب
مازال يحلم بالنساء القليلات اللاتي لمسهن في حياته.
لم ينطق جملة مكتملة البلاغة من قبل، ولا يهمه انعكاس شروق الشمس على الجدران، ولا يقرأ الشعر والنثر
ويخيل إليك أنه حينما يحدق إلى الناس، فإنه يراهم أدخنة تتلاشى فور أن يلقي إليها ظهره. ولذا لا يذكر أحدا، ولا أحد يذكره
ليس واضحا هل يحب الأكل، أم يتخذه وسيلة لإهدار الوقت.
ويزيد الأمر غرابة أنه نحيل.
ولكنه يبدأ غداء اليوم الأول بالأسفاناخية، ويختمه بـ الإبراهيمية عشاء، ويحلّي باللوزينج طوال اليوم.
ومع مرور اليوم الأول، يظهر أن مصعب، غريب الأطوار فعلا.
إذ أن مخيلته تبدو معدومة تقريبا، ولحظة الاكتشاف التي نترقبها من شخص غامض مثله، لا تجيء.
فنراه يعيش يومه وهو يطبخ ويأكل ويشرب ويتجول في المنزل، فقط.
لا شخصيات متخيلة، لا هلوسات، لا هواجيس، لا حيوانات أسطورية.
الطعام فقط.
فإذا لم يكن مجنونا أو عاقلا، فماذا يكون إذن؟
لا يهم. المهم أنه شخص يبدأ اليوم الثاني بـ طباهجة على الغداء، وسفرجلية على العشاء، ويحلي طوال اليوم بـ صابونية (نعم الأسماء الخرافية إحدى أبطال القصة)
وتمر الأيام بكل تلك الطبخات ذات الأسماء العجيبة الرهيبة، ومصعب يبدو أكثر غموضا وتمنعا، ولا يمكن حصره في سياق سوى ما طبخ.
ولذا تتحول القصة من أن تكون عن شخص ينتظر الموت، إلى قصة عن الطعام نفسه، الذي يمكن من خلاله أن تعرّف الأشخاص والأشياء.
ولذا حينما تحين النهاية، ويدخل العالم الخارجي إلى واقعه، تماما مثل الحلم، نراقبه يموت، ولحم العنبرية المطبوخ بأناة وشغف على نار لينة يحترق، ويزداد احتراقا مع كل لحظة لا يفيق منها مصعب من حلم العالم الخارجي كما اعتاد أن يفعل حينما يعود إلى بيته
ربما هي إذن قصة عن الجسد.
خصوصية التجربة المحسوسة، التي يجب أن تمثل درجة من واقعك المستقل عن العالم الخارجي.
إنها عن الطعام، والروائح، واللمس، والنظر، وحتى الألم.
إنها عن الشيء الذي تملكه، ويحاول العالم دائما أن يقتحم خصوصيتك فيه، مثل المغول

جاري تحميل الاقتراحات...