Nader Halawa
Nader Halawa

@nhalawa1

15 تغريدة 36 قراءة Mar 16, 2020
"عرفتوا اللي حصل ؟"
"دبانة" ملك "السوشيال ميديا"!
قبل سنوات كثيرة مضت وداخل غرفة أحد الزملاء في المدينة الجامعية، كانت "شلة" الدراسة تلتقي كل مساء لتتجاذب أطراف الحديث ، وبدون مقدمات أو أي دعوة أو ترحيب يدخل مصطفى "دبانة" ، يجلس دون كلمة واحدة ودون أن يلتفت أحد منا لوجوده ، 1
فقد كان "دبانة" مصنفا تحت بند "شخص غير مرغوب فيه" ومع ذلك كان يحرص كل الحرص على الانضمام إلينا وهو ما منحه لقب"دبانة" عن جدارة و حين تهدأ وتيرة حوارات "الشلة" ، وفي لحظة صمت يختارها بعناية يقرر "دبانة" أن يطرح سؤاله الشهير المثير "عرفتوا اللي حصل؟" ،2
وبالطبع تتجه الأنظار المستفسرة نحوه وهنا يختار هو الصمت متطلعا بزهو في الوجوه المتسائلة ومترقبا لعبارة"لا نعرف..أخبرنا"وهذه هي الإجابة المنطقية على سؤاله الغامض لكنه كان ينتظرها دائما قبل أن يتكلم وحينها يعتدل في جلسته ويبدأ في بث الخبر عن "كواليس"الكلية وعلاقات الأساتذة بالطلبة3
يبدأ بمقدمة طويلة ومعلومات مكررة وقبل أن يتعرض للتوبيخ والسباب يلقي بقنبلته وهي غالبا معلومة لا يمكن تصديقها لكنه يؤكد صحتها بالقسم بأغلظ الأيمان وعندها يبدأ الجدل حول هذه المعلومة بين مصدق ومتشكك ومنكر لها وفي هذه اللحظات تنفرج أسارير "دبانة"ويذهب إلى غرفته فينام قرير العين4
لم أفهم يوما سر إنتشاء "دبانة" بجذب الانتباه إليه ولم أتمكن من فك شفرة تركيبته النفسية إلا بعد أن اقتحمت "السوشيال ميديا" حياتنا ، حينها اكتشفت أن حالة "دبانة" وبائية ،وأن هناك من هو على استعداد دائم لفعل أو قول أي شيء لمجرد جذب الانتباه ،5
وهذا هو سر التركيز على الأخبار و المعلومات السلبية بما فيها من شائعات وقصص مختلقة لا أساس لها ، فهي التي تشد إنتباه الناس عادة وفق القاعدة الشهيرة للصحافة الصفراء ( ليس خبرا أن كلبا عض رجلا لكن الخبر هو أن رجلا عض كلبا) 6
فكلما نقلت للناس أخبارا على شاكلة الرجل الذي عض كلبا فأنت على الطريق الصحيح للفت الأنظار إليك وزيادة عدد "المتابعين" و"اللايكات" و "المشاهدات" و "الترافيك" ، وبهذا تحول "دبانة" إلى ملك "السوشيال ميديا" 7
وهكذا يتحول أشخاص لا يهتم بهم أحد ولا يُحسب لهم حساب إلى شخصيات مؤثرة في مجتمعات "الواتس أب" و"الفيسبوك" و"تويتر" وهي بترتيب تنازلي أكثر المناطق الموبوءة بقبيلة "دبانة" 8
ومع التقدير البالغ للوضع النفسي لهذه القبيلة نتيجة مشاكلهم العميقة في الطفولة إلا أن الاستمتاع بجذب الانتباه على حساب إثارة الفزع في مجتمعهم والإضرار بمصالح بلادهم هو عمل إجرامي في المقام الأول ،9
والحل المجدي هنا هو العلاج النفسي الجماعي لتخليصهم من عقدة الرغبة في لفت الإنتباه ولتخليص من يستجيبون لهم من عقدة النظرة السوداوية للحياة التي تجعل صاحبها مستعدا لتصديق أي معلومة تثير في نفسه الخوف وتؤكد تشاؤمه وتستجيب لرغبته في إيذاء الذات .10
التركيبة المعقدةلمجتمعات "السوشيال ميديا"بين(مرضى مهووسين بجذب الاهتمام) و(متابعين يعشقون تعذيب الذات)جعلت ظهور(الطرف الثالث)حتميا وهو طرف يعرف كيف يوظف هذه الحالة في تحقيق أغراضه بنشر أكبر كم من المعلومات المضللة الموجهة بأسلوب يُرضي الطرفين ويحقق لهمااللذة النفسية التي ينشدونها
والنتيجة طوفان من الشائعات والأخبار المحبطة تمر عن طريق (المهووسيين بجذب الاهتمام) لتصل إلى(عشاق تعذيب الذات)فتبدأ موجة من الولولة وتوزيع الاتهامات العشوائية بدلا من مواجهة الأزمات الحقيقيةوهذه هي الطريقة المثلى لإضعاف المناعة النفسية لأي مجتمع فيكون مهيئا للانهيار في أي لحظة 12
ورغم وجود هذا الوباء المتغلغل في مجتمعات "السوشيال ميديا" ، إلا أن المجتمع المصري الحقيقي يؤكد كل مرة قوة مناعته النفسية وقدرته على تجاوز أقسى الظروف واستيعابها بل و السخرية منها 13
لتتحول ساحات "السوشيال ميديا" إلى ما يشبه منطقة للحجر الصحي مغلقة على ساكنيها من خلفاء "دبانة" ومريديهم ، دون أن يتوصل هؤلاء المريدون إلى أن العلاج الحقيقي لمشاكلهم النفسية يكمن في إجابة واحدة على السؤال الشهير المثير "عرفتوا اللي حصل؟" والإجابة هي "لا ..ولا نريد أن نعرف"14

جاري تحميل الاقتراحات...