بسم الله أبدَأ حكايتي هذه: #حكاية_من_بلاد_البنغال
١. بداية هذه السلسة هي لتوثيق أحداث شخصية، فإن كنت أيه القارئ الكريم باحثًا عن فائدة عظيمة من سلستي هذه، فلا تضع وقتك الثمين.
#حكاية_من_بلاد_البنغال
#حكاية_من_بلاد_البنغال
٢. "وين وجهتك يبوي"
"دكا، دكا عاصمة بنجلاديش"
طبعًا كنت قد وقفت عند مسار الدرجة الأولى ورحلتي على التذكرة السياحية -ولم أكن على علم بذلك- فقد تجاوز صاحب عربة الحقائب هذا الطابور الطويل من البنجلاديشيين لاختصار الوقت.
#حكاية_من_بلاد_البنغال
"دكا، دكا عاصمة بنجلاديش"
طبعًا كنت قد وقفت عند مسار الدرجة الأولى ورحلتي على التذكرة السياحية -ولم أكن على علم بذلك- فقد تجاوز صاحب عربة الحقائب هذا الطابور الطويل من البنجلاديشيين لاختصار الوقت.
#حكاية_من_بلاد_البنغال
٣. تتجه الأنظار نحو هذا السعودي الجالس عند بوابة صعود الطائرة، لذا اتخذت أنا ورفيق الرحلة "شاكر الله مفيض الكريم قاضي" زاوية في الصالة، فبطبعي لا أحب أن أكون محطةً للنظر، فكيف لو كان الشعب البنغالي مجبولًا أصلًا على التحديق بكل ما هو مختلف.
#حكاية_من_بلاد_البنغال
#حكاية_من_بلاد_البنغال
٤. لا أخفيكم أني كنت قلقًا لهذه الفكرة المجنونة، لركام العنصرية الخفية التي تراكمت مع السنين: أني سأكون في طائرة لمدة خمسة ساعات يقودها رجل "بنغالي"، فأكون بين يديه بعد رحمة الله سبحانه الواسعة.
#حكاية_من_بلاد_البنغال
#حكاية_من_بلاد_البنغال
٥. دخلت ممر الطائرة، ولازال سلاح التحديق مصوبًا نحو العبد الفقير، وشاكر الله يجر أغراضه ورائي مجيبًا على أسئلة الفضوليين، لا أسمع شيئًا في الطائرة سوى الصوت العالي من الرطن البنغالي المعلوم، طريقة تفاعلية عجيبة في الكلام، أحس بمرحه وغضبه، لا أكن لا أدرك منه شيئًا.
٦. المهم: أقلعت الطائرة بعد أذان العشاء مباشرة، إلى بلاد مجهولة للعبد الفقير، ماذا أعرف عنها: المجاعة، الفقر، الجهل، الفساد الحكومي والمالي، والعلمانية التي لا تفتأ من أن تنصب حبال الموت للعلماء وكلها ظلمات بعضها فوق بعض.
٧. استقرت الطائرة البنغالية صوب أرض وطنها، لم يكن في الطائرة شيئًا ملفتًا، سوى العشاء اللاهب، والمسامرات الطويلة لبطولات العائدين من بلاد الغربة، وأحاديث المكفولين عن كفلائهم الظلمة والمتجبرين. والعبد الفقير إلى الله يسامر مسار الرحلة.
٨. فوق العالم الإسلامي الفسيح، بلاد السند والهند، التي سمعت نداء الشريعة أول الإسلام، ورووا حديث المصطفى ﷺ، وحفظوا الوحي بالسند متصلًا إلى منبعه الأول النقي، هم جزء لا يتجزأ منا نحن أبناء الصحراء والسواحل العربية.
٩. هبطت الطائرة في مطار دكا أخيرًا هبوطًا مريعًا، لكن لا يهم، قد عاد الغريب إلى مأمنه، فلا تهمه هذه التفاصيل، فما هي إلا سويعات حتى يلقى العائد أهله في رحاب هذه البلاد الممتدة.
١٠. نزلت من الطائرة أبحث عن مكتب التأشيرة، لا أحد يصدق هذا المشهد، سعودي بزيه التقليدي في وسط مطار دكا، كانت دهشة أمن المطار كبيرة 😂
وشاكر الله يقنعهم بأن زيارتي هذه زيارة سياحية ترفيهية ليس إلا.
وشاكر الله يقنعهم بأن زيارتي هذه زيارة سياحية ترفيهية ليس إلا.
١٢. لم يزل في نفسي ذاك الخاطر عن علمانية هذه الدول الصغيرة التي تحاول قدح شرارة النهضة، لكن يحول دون ذلك أكوام من الفساد والمصالح الشخصية، لذا في وقت الانتظار أخذت أعدد مظاهر "التعلمن" المجتمعية،كان كل شيء مألوفًا، كنت أظن أني سأعد المنقبات على الأصابع، ولكني أصبحت أعد السافرات!
١٣. انتهى شاكر الله من جمع صناديقه الكبيرة من سير الحقائب، أما محدثكم فعادته التخفف في الأسفار الطويلة، والاكتفاء بحقيبة مرافقة واحدة.
١٤. على باب المطار أفواج من السيارات القادمة من القرى البعيدة، فعادة هؤلاء حين قدوم غريبهم أن يجيء كلهم للمطار لاستقباله إعلان للابتهاج والاحتفاء.
١٥. عند الانتظار صدحت مكبرات المطار بأذان رخيم لصلاة الفجر بصوت الشيخ القارئ مشاري العفاسي، أقبل رجل تطوعًا لشاكر جهازه النقال لما رآه حائرًا باحثًا عن أخيه نعمت الله الذي يعيش في دكا لطلب علم الشريعة وابن أخته عثمان، فقد كان الاتفاق أن يكون الانتظار عند وصيف انتظار القادمين.
١٦. مد شاكر الله ثلاثة ريالات لصاحب الجهاز فتمنع من أخذها. بعد دقائق أقبل نعمت الله وعثمان لنا واستقبلوني بحفاوة كبيرة، واكتشف عاصم المسكين أنه تحول فجأة في هذه الأرض إلى العلامة الفهامة حفيد الصحابة عاصم بن فلان الفلاني بقية البقية وأثر رسول الله في هذه الأرض.
١٧. استقلينا باصًا متوسط الحجم مع شاكر الله وأخيه وابن أخته، وأنا لا زلت في لحظة ذهول وتأمل: هل هذه بنغجلاديش حقًا! بنجلاديش يا عاصم بنجلاديش! 😂، "وش جيبك لهالديرة".
١٨. حين وقت الأقامة أوقف السائق الباص عند شارع ضيق مظلم، وبقي عثمان في الباص لحراسة الأغراض، يبدوا أن حس الخوف من اللصوصية وعدم الثقة أمر ظاهر في العاصمة.
١٩. مشينا في ذلك الزقاق المظلم الطويل، لاشيء سوى أضواء الأبواب المترددة، وأصوات الخطى إلى المسجد، عند الباب خلعت نعلي أعزكم الله، فالتقطها نعمت الله! قلت: لا تفعل، وهاتها، فرفض وتعجب من نهيي إياه.
٢٠. قرأ الإمام قراءة نعرفها من أصوات المؤذنين البنغال عندنا عند هروب الإمام ليلة السبت وتركه عنان المسجد بين يدي مؤذنه البنغالي، غفر الله لنا جميعًا التقصير في مساجدنا.
٢١. أعتذر من الأغلاط الإملائية، هي سبق إصبع وعليكم بالمفيد :)
٢٢. بعد خروجي من الصلاة كان في انتظاري رجل أظن كان اسمه: نور الدين محمد، فسلم علي بلهجة عربية فصيحة، وأخبرني أنه مدير مكتب الإغاثة التابع لرابطة العالم الإسلامي، وعزم علي أن أدخل المكتب، فوعدته خيرًا إن تيسر لي ذلك وقت عودتي من وجهتي البعيدة عن العاصمة في بنجلاديش.
٢٣. ركبنا الباص، على شروق الشمس،
ركام من البشر في باصات تشبه المقابر، أسلاك الكهرباء في كل مكان تشابه حبل مشنقة تخنق هذه المدينة الملوثة. كانت الوجهة: مدرسة جامعة مدهوغراهام الإسلامية على الحدود الهندية.
ركام من البشر في باصات تشبه المقابر، أسلاك الكهرباء في كل مكان تشابه حبل مشنقة تخنق هذه المدينة الملوثة. كانت الوجهة: مدرسة جامعة مدهوغراهام الإسلامية على الحدود الهندية.
٢٤. الباصات كأنها خيل عناق تحمل الموت على صهواتها، أبواق السيارات الغاضبة، السباب بين السائقين، والأنفس التي تزفر من الحنق والغضب من الباصات الأخرى المعادية، كانت أجواء درامية صارخة.
٢٥. طيلة طريق الست ساعات، كان محدثكم بين الرقود واليقظة، الحلم والحقيقة شيء واحد.، كلها قصص غير مفهومة: ضباب المصانع وضباب الدخان، شوارع غطتها المزابل وأجساد البشر، ترا من معالم البؤس ما يطاول بؤساء هيجو، لا أكاد أصدق ما أراه بحق.
٢٦. توقفنا في الطريق ببقالة صغيرة، شاكر الله ومن معه نزلا وبقيت وحيدًا، لم ألبث طويلًا حتى جاءت أمرأة عجوز خرساء -أظنها مجنونة- تسألني الصدقة، كأنك تسمع حادي الموت من صوتها، بدت لي تحتضر، لم أفق من ذلك المشهد حتى علا صوت صاحب باصنا "الأرعن" يهشها به.
٢٧. جاء شاكر الله بالماء، وبادرت بطلبه قبل أن أكون آخر القوم ممن يشرب من القارورة اليتيمة.
٢٨. أكملنا الطريق لساعة أو ساعتين، حتى توقفنا للفطور، لم يكن المطعم غريبًا علي، فقد زرت دولًا آسيوية، المراوح في كل مكان تحاول تخفيف لهيب الصيف وحرارة الطبخ. أقبل صاحب المطعم متهللًا واستهل بقوله أنه عمل في السعودية لسنوات.
٢٩. "يا شاكر اطلب لي معك أي شي" ومن داخلي: "اللهم إني أستودعك بطني المسكين"، لم يمضي الوقت طويلًا حتى جاء طبق الفطور، صحن من مرق لحم البقر وخبز النان المشبع بالزيت.
٣٠. حان وقت التجربة، أكاد أدوخ من الفلفل الحار وطعم الزعفران والبهارات الحارقة، قرب المضيف قراه ورمى الخبز في صحني، استعنت بالله وتوكلت عليه وغمست الخبزة في المرق.
٣١. "أوبس، والله مب سهلين الجماعة 😂!"، كان المرق يسح لذاذة، لا أكاد أصدق تركيز البهار على اللحم مع طعم النان الأصيل.
٣٢. أكملنا الطريق نحو القرية، لم يبق الكثير من الوقت.
خرجنا من الطريق السريع إلى طريق فرعي يمر بقرية مزدحمة، كان صباح جمعة، وكان الناس يستعدون للصلاة، مشينا في طريق غابي حتى دخلنا منفذًا صغيرًا، ظننت حينها أننا وصلنا مدرسة الجامعة الإسلامية.
خرجنا من الطريق السريع إلى طريق فرعي يمر بقرية مزدحمة، كان صباح جمعة، وكان الناس يستعدون للصلاة، مشينا في طريق غابي حتى دخلنا منفذًا صغيرًا، ظننت حينها أننا وصلنا مدرسة الجامعة الإسلامية.
٣٣. أكاد أرى من نافذة السائق جموعًا ترتقب، كأن الطالع رسول رسول الله ﷺ، وجوه متوضئة، وابتسامات مشرقة، واللحى تضطرب من الفرحة والابتهاج!
"لقد وصل العلامة عاصم"!
"لقد وصل العلامة عاصم"!
٣٤. نزلت من الباص وأقبل الناس من كل حدب وصوب، الطلبة الصغار يتسابقون من حلقهم يريدون تبين وجه هذا القادم من وراء الأساتذة والشيوخ.
٣٥. والله صافحتني قلوبهم قبل الأيادي، وحضنتني مقلهم قبل أجسادهم.
ما لبثت حتى جاء الشيخ مفيض الكريم قاضي والد رفيقي شاكر، فأخذني إليه وعانقني عناقًا شديدًا، لم يكد يصدق إني قد أوفيت له الوعد بالقدوم إليه في بنجلاديش.
ما لبثت حتى جاء الشيخ مفيض الكريم قاضي والد رفيقي شاكر، فأخذني إليه وعانقني عناقًا شديدًا، لم يكد يصدق إني قد أوفيت له الوعد بالقدوم إليه في بنجلاديش.
٣٧. كان منزل الشيخ مفيض أزرق من دور واحد، بعض الغرف تغطى بالستار وبعضها لها باب خشبي قديم. دخلت غرفة نظيفة، وضع نعمت الله حقيبتي فيها. لم يمض وقت طويل حتى أقبل علي رجالات عائلة قاضي وأختانهم وأولادهم وأحفادهم ومن اتبعهم بإحسان في هذه الغرفة الصغيرة الضيقة.
٣٨. جاء الشيخ مصطفى والشيخ عبدالمعين والشيخ عبدالمنعم والشيخ مصطفى لتناول طعام الفطور، وبدأت سلسلة التعريف بالشخصية ومكان العمل بالسعودية واسم الكفيل.
٣٩. كان من المفترض أن أقدم محاضرة صباحًا وأخرى بعد صلاة المغرب، وبينهما خطبة الجمعة.
لذا قلت لشاكر أنني أحتاج للراحة قليلًا.
لذا قلت لشاكر أنني أحتاج للراحة قليلًا.
٤٠. جاء بعد الفطور الشيخ عبدالعزيز قاضي الذي دخلي قلبي كالنسمة دون مفتاح، رجل طاهر لا تكاد تخطئ عيناك السماحة في وجهه وطيب أخلاقه.
٤١. لم يتوقف صوت صبية ال قاضي يلعبون حول بيت جدهم الشيخ مفيض، بالكاد أغمضت عيني لأرتاح من عناء رحلتنا الطويلة إلى هذه القرية النائية.
٤٢. جاء شاكر يعلمني بقرب موعد الصلاة، وأخبرني عن مكان الاستحمام الخاص بالعائلة، كان بناية صغيرة بعيدة عن المنزل، عددتها رصافة من نظافتها، تساءلت في نفسي: مالذي جعل هؤلاء على هذه الهيئة من حسن النظافة والعناية الشخصية دون غيرهم؟ القران ربما.
٤٣. لبست للصلاة وعليه مشلح إعلانًا للمشيخة، فلا مجال للتراجع بعد الوقوع في الفخ 😂.
اتجهت للمدرسة إلى الطلبق العلوي حيث غرفة الضيافة، ما هي إلا دقائق حتى جاء شيخ الجامعة اليونسية الإسلامية في بنجلاديش "نسيت اسمه".
كانت جلسة قصيرة قبيل المحاضرة الصباحية.
اتجهت للمدرسة إلى الطلبق العلوي حيث غرفة الضيافة، ما هي إلا دقائق حتى جاء شيخ الجامعة اليونسية الإسلامية في بنجلاديش "نسيت اسمه".
كانت جلسة قصيرة قبيل المحاضرة الصباحية.
٤٤. ناداني إخوة شاكر للمنصة، ورافقني للترجمة الشيخ محمد يوسف المدني، رجل من أهل الحديث، يحفظ من حديث رسول الله ﷺ ما يسر الله له من الصحاح والسنن والمسانيد.
٤٥. كان غالب الجمع من طلبة المدرسة، فشرعت في الحديث عن وصايا النبي ﷺ لابن عباس في الحديث العظيم: "يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك...".
٤٦. ازداد عدد الحضور لشهود صلاة الجمعة، أخذني شاكر وإخوته للمسجد الجامع للمدرسة، وعند باب الجامع أعاد نعمت الله ما نهيته عنه 😣!
"خل نعالي الله يصلحك"، لا فائدة، الأفواج تلو الأفواج يتقدمون للجامع ولا شيء سوى الصخب.
"خل نعالي الله يصلحك"، لا فائدة، الأفواج تلو الأفواج يتقدمون للجامع ولا شيء سوى الصخب.
٤٧. جلست عند المحراب في الصف الأول، التفت يميني فإذا رجل متوسط العمر، قليل اللحية، تعلوه عمامه زادته مهابة وهيبة، "أخوك نُذُر الإسلام القاسمي من طلاب جامعة دوبند في الهند"،
"ما شاء الله ما تخصصكم؟"
"علم الحديث ندرس صحيح البخاري"
"على من تدرسون؟"
"أنا أدرسه للطلبة يا شيخ عاصم"
"ما شاء الله ما تخصصكم؟"
"علم الحديث ندرس صحيح البخاري"
"على من تدرسون؟"
"أنا أدرسه للطلبة يا شيخ عاصم"
٤٨. "حياكم الله سعدت بلقائك"
جلس على يميني الشيخ المترجم محمد يوسف وانتظرنا ثلث ساعة حتى نودي للصلاة، وقفت على المنبر، وخطبت بمختصر شرح النووي لحديث النعمان بن بشير: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات...".
جلس على يميني الشيخ المترجم محمد يوسف وانتظرنا ثلث ساعة حتى نودي للصلاة، وقفت على المنبر، وخطبت بمختصر شرح النووي لحديث النعمان بن بشير: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات...".
٤٩. أنهيت الصلاة، ولا شيء مختلف حتى سلمت والتفت نحوهم، علا المكان صمت كأنهم ينتظرون شيئًا ما، حتى قام شيخ كبير وصرخ في وجهي راجيًا إياي شيئًا ما عرفته، فدنى شاكر مني وأخبرني بأنهم يرجون أن تدعو لمرضاهم، ففعلت، راجيًا أنها ليست بدعة دائمة عندهم بُعيد الصلاة.
٥٠. ما قمت من الصلاة حتى تداعى الناس علي مصاحفين معانقين مرحبين، وما كدت أن أنجو من هذا البحر البشري المتلاطم حتى جذبني عبدالعزيز إلى خارج الجامع.
٥١. أخذني عبدالعزيز إلى أرض في مدرستهم فيها مقبرة لعائلة قاضي، أشار لي بقبر يكاد أن يكون مساويًا للأرض، لا تعلم وجود القبر إلا بشريط طوارئ حوله، قال: "هذا قبر جدنا الشيخ أحمد قاضي"، وهو شيخ جليل حارب غلاة الطرق الصوفية وقمع البدع والشرك باللسان والبنان ونأى عنهم إلى هذه المدرسة.
٥٢. صعدنا إلى غرفة الضيافة وقدم معنا طلبة علم من ال قاضي، ومعهم الشيخ نذر الإسلام، فأجلسوني في زاوية، وتحلقوا حولي، وقد أضمرت في نفسي كلامًا أقوله لهم، لن أذكره الان.
٥٣. ما انتهيت من كلامي ذلك حتى ذرفت المقل بالدموع، ولهجت الألسن بالدعاء لله سبحانه وتعالى، وقلت في نفسي: "حق إخواننا علينا مثل هذا".
٥٤. مر الوقت سريعًا بعد الصلاة ووجبة الغداء في منزل الشيخ مفيض الكريم، حتى انتقلت لمنزل الشيخ الحبيب عبدالعزيز قاضي لأرتاح قبل صلاة العصر.
٥٥. بعد الصلاة أخذني شاكر لجولة في مدرسة الجامعة التي خرّجت ألوفًا من حفظة كلام الله سبحانه وتعالى، وهي مدرسة قائمة على العقيدة الصحيحة والمنهج السلفي الأصيل كما شاهدت وعايشت.
٥٦. عدنا لمنزل الشيخ عبدالعزيز ورافقنا عبدالمنعم ونذر الإسلام، وأخذ الشيخ نذر يبث همومه العلمية وأخبار مناظرته مع أهل الحديث، فالشيخ نذر محدث على مذهب الإمام أبي حنيفة النعان على طريقة الإمام الطحاوي.
٥٧. قبيل المغرب جلسنا في فناء منزل الشيخ مفيض الكريم ننتظر أذان المغرب واستعدادًا للمحاضرة الكبرى.
٥٨. كانت المدرسة قد ازدحمت لكثرة القادمين من القرى المجاورة، يطوون الطرقات الخطرة على أرجلهم حبًا في غشيان مجالس الذكر، ومالهم من نصيب الدنيا شيء إلا نصيب الآخرة.
٥٩. اعتليت المنصة ومعي المترجم الشيخ محمد يوسف المدني، وبدأنا بفقرة تكريم الحفظة، كان الحافظ يخرج مختالًا بعمامته التي تلتحفه هو.
٦٠. أعلنت بداية المحاضرة بمقدمة طويلة عريضة انهالت فيها المدائح للعبد الفقير المسكين، حتى كدت أقول له: "اتق الله يارجل" 🤭😂!
٦١. قد عدني مقدمنا ذاك من المدينة المنورة، ولست كذلك، وإني أمام مركز إسلامي! وربما قائد معركة شقحب وسابع الراشدين! المهم أنه غفر الله له قد جانب الحق تمامًا وحاد عن مهتمه التقديمية إلى إلقاء ركام من الأوصاف والمدائح التي هي لشخص آخر.
٦٣. كان الحديث عن منزلة الاستجابة لأمر الله سبحانه وخبر الصحابة حين حرمت الخمر، وخبر الصحابيات مع اية الحجاب في حديث أمهات المؤمنين عائشة وأم سلمة رضي الله عنهن.
٦٤. ثم ختمت اللقاء بخاطرة وثلاث رسائل: أما الخاطرة فهي: أن قدومي من بلدي المملكة العربية السعودية إنما كان لمحبتنا لكم يا أهل بنجلاديش، ولا يظن الواحد منكم أنكم على هامش العالم الإسلامي، بل أنتم على ثغر عظيم، تحمون فيه رسالة محمد ﷺ، وشريعة الله الغراء التي يحاول أعداء الإسلام
٦٥. سلبها منكم. وإني وإن كنت عربي الأصل، فليس بيني وبين رسول الله ﷺ نسب، إلا أني لا أجد لي نسبًا إلا عملي إن أحسنت، وكم من أعجمي سبق العرب، وكم من حامل فقه أعجمي إلى عربي ليس أفقه منه.
٦٦. أما الرسالة الأولى فللآباء، والثانية للطلبة الأبناء، والثالث لأهل القرية، كانت وصايا للعناية بكتاب الله حفظًا وتطبيقًا وعلمًا، وأنا المقصر وأحوج الناس لذلك.
٦٨. تلك الليلة كنا على موعد في منزل أهل شاكر مع عشاء من طبخ أم عائلة قاضي زوجة الشيخ مفيض الكريم أم ذاكر الله 😍، لا أدري كيف أصف لكم كيف فُتنت بالأكل البنغالي، نكهة البهار المركزة وخبز النان اللذيذ وأنواع من طبخات الأرز لا أذكرها، يقدم القرى للضيف ويأتى بإناء لغسيل اليدين.
٦٩. ثم توضع المأكولات مباشرة أمامه دون المقبلات، وهذا مذهبي في الأكل، فالعاقل يأخذ السيف من مقبضه لا من وسطه :)
٧٠. أكرموني غاية الإكرام، وربما يجتهد بعضهم بتقسير الروبيان بيديه العاريتين ويضعها في صحني حتى لا أتكلف تقشيرها 🙂.
٧١. أمضينا ليلة مليحة، وأذكر أني كنت قبيل العشاء في بيت الشيخ عبدالعزيز، وكنت في الغرفة حتى أحسست بتحرك الباب قليلًا ولا أرى أحدًا.
٧٢. حتى سمعت صوت عبدالعزيز يقول بتغنج: جننة الفردووس 😍، كانت صبية آل قاضي المدللة حفيدة الشيخ عبدالعزيز، عمرها ٣ سنوات تكاد تذوب من الخجل والحياء، إلا أنها قاومت جماح ذلك للظفر برؤية زائر ال قاضي الغريب.
٧٣. انتهت تلك الليلة وعدت لغرفتي في بيت الشيخ عبدالعزيز، كانت الساعة ١٢ تقريبًا، نحن على موعد لمغادرة القرية باكرًا بعد الفجر، جهز عبدالعزيز الغرفة ووضع على السرير ناموسيته.
٧٥. قد زرت في حياتي دولًا كثيرة، وقابلت شعوبًا في الشرق والغرب، ولا يجد صاحب تلك التجربة مانعًا من التعرف على أرض جديدة أخرى ولو بالنظر لها من بعيد.
٧٦. في عودتي من تلك التجربة الخاطفة، كنت أتقاقل في المسير، راجيًا تأخير لحظة وداعهم، كيف أفعل وقد خطف آل قاضي قلبي عندهم، وشتتوا الوجد بين بيوتاتهم الكريمة.
٧٧. تجمع الشيخ مفيض الكريم وأبناؤه الثلاثة وأحفاده، للحظة الفراق، كيف أجد في نفسي كل ذلك وأنا ما أكملت عندهم يومًا، لكنها -والله أعلم- نفس ظامئة لاقت فطرًا ونفوسًا هذبها الإسلام والقرآن.
٧٨. ودعت عبدالعزيز والشيخ مفيض وأبناؤه وهم يدعونني للزيارتهم دائمًا كلما سنحت لي فرصة.
٧٩. كان منظر وداع شاكر لوالده منظرًا تتفطر له قلوب القساة، ولو علم من ولاه الله سبحانه على الضعفاء من أهل الغربة لاتقى الله فيهم.
٨٠. تمت بحمد الله
جاري تحميل الاقتراحات...