عبدالله الجمعة
عبدالله الجمعة

@AAlJumah

46 تغريدة 1,746 قراءة Mar 15, 2020
حكايتي مع الحجر الصحي:
من غرفة العزل في مستشفى في البرازيل،
حتى الحجر المنزلي في الرياض....
مروراً بأسبانيا !
(تنويه مسبق: لم أُصب بفيروس #كورونا ولله الحمد)
قبل نحو شهر، زرت البرازيل لأجل مشاهدة احتفالات الكرنفال الشهير هناك. لم يكن زخم كورونا كما هو اليوم، ولم تسجل في البرازيل (أو حتى في السعودية) حينها أية حالة إصابة بالفيروس بعد
كان الطقس في ساوباولو، وجهتي الأولى، بارداً وممطراً على غير العادة خلال فصل الصيف هناك.
أما وجهتي الثانية، مدينة سالفادور دي باهيا، موطن الكرنفال والزحام، فكان طقسها حاراً ورطباً
لم تكن أحوال الطقس، وزحام الناس، لتهمني حينها ....حتى ركبت الطائرة عائداً من سالفادور نحو ساوباولو. فبعد غفوة ساعة في السماء استيقظت على شعور مزعج: حرارة في جسدي والتهاب في الحلق بدأت أستشعر بداياته
لم أعر الأمر كثير اهتمام (لعلها إنفلونزا عادية) وجلست أُطبب نفسي ليومين في الفندق....حتى اتصل بي صديق شاركني الرحلة، ولا يزال في سالفادور، ليخبرني أنه في المستشفى !
ترددت إن كان علي الذهاب إلى المستشفى كذلك، خاصة أنني لم أذهب إلى أي منطقة موبوءة ب#كورونا مؤخراً....إلا إن ارتفاع درجة حرارتي في الليل وتزايد الحمى لم يعطيني مجالًا للتردد، فذهبت إلى الطوارئ!
في المستشفى، والذي عرفت لاحقًا أنه أكبر المستشفيات الخاصة في أمريكا اللاتينية كلها، كنت أتفاهم معهم بإسبانيتي الشبيهة بلغتهم البرتغالية، أو بإنجليزية مكسّرة، حتى أخذوا مؤشراتي الحيوية التي أكدت ارتفاع حرارتي، فألبسوني كمامة بسرعة، وأخبروني بأنهم سيأتون بطبيب يتحدث الإنجليزية
أثناء انتظاري بين جموع المرضى، رأيت من بعيد مجموعة أشخاص باللباس الأبيض الذي يغطي كل الجسم، يرتدون أقنعة وأحذية طبية زرقاء، ونظارات بلاستيكية كبيرة..كان منظرًا سرياليًا كالذي نشاهده في الأخبار!
قطعوا الممر بإقدام، من أمام المرضى المنتظرين، حتى توقفوا أمامي!
(الصورة من الإنترنت)
جفلت للحظة، وأنا أرى المرضى حولي يتركون أماكنهم بسرعة هاربين، بينما يخبرني أحد الأطباء المحتمين بلباس الوقاية من الفيروسات: برجاء تفضل معنا!
قمت وقادوني بين ممرات المستشفى، والناس عني يبتعدون وينظرون إليّ كمن يُقاد إلى المشنقة (حتى أنني رأيت أماً تُغلق عيني صغيرتها ! ) وأنا أُحدِّث نفسي: يا للمصيبة! كيف؟ وأين؟ هل سيحجرونني؟ كيف أخبر أهلي ؟ أتصل بالسفارة؟ أموت هنا في البرازيل؟ وأثناء الكرنفال؟؟!
أخذت الأفكار تفور في عقلي، مع فوران حرارة رأسي....أدخلوني غرفة العزل الصحي وأنا أشعر وكأن الأرض تدور بي، من همِّ المصيبة وحمى الجسد...حتى سألني أحدهم سؤالاً غريباً، كان آخر ما أتوقع سماعه حينها، جعلني أعود لواقعي:
"هل (العربية السعودية) هي نفسها (الإمارات العربية)"؟!
"هل (العربية السعودية) هي نفسها (الإمارات العربية)"؟!
كرر سؤاله الغريب وأنا أرى أعينهم الخائفة من خلف الزجاجات البلاستيكية، وأجسادهم التي تغطيها الملابس الواقية.
"آه لا! هي دولتان مختلفان، لكن ما علاقة.."
قاطعني أحدهم: أخبرتكم ! هي دولة أخرى..والآن لنخلع هذه البدل السخيفة!
قال ذلك وأنا مذهول مما أرى، أخذوا يخلعون ملابسهم الواقية ويرفعون نظاراتهم وهم يمسحون جباههم التي ابتلت بالعرق!
"لقد أخفتنا" قال لي آخر وهو يقوم بخلع كمامتي أنا أيضاً "كدنا نظن أنك أول حالة كورونا في البرازيل!"
أعاد أحدهم جوازي، والذي كنت قد تركته لدى استقبال طوارئ المستشفى، وأخذوا يعلقون، بمرح البرازيليين المعتاد، على صورتي بالشماغ ويتساءلون لماذا يفتح جوازنا من جهة اليمين، ومازحني آخر: "أسوأ ما في الكمامة أنها تخفي لحيتك المشذبة"
هكذا...بعد الارتجاف حلّ المزاح !
خرج جميعهم إلا من طبيب واحد، وكان يتحدث الإنجليزية بطلاقة. أخبرني أن البرازيل أضافت دولة الإمارات من ضمن قائمة الدول الموبوءة وأنهم ظنوا أنني من هناك.
أخبرته بالمقابل أنني كنت في الإمارات بالفعل قبل أسبوع واحد لأجل الطائرة، فقال: "لا عليك! سأذهب للتأكد إن كان قد سُجِّلت حالات فيروس #كورونا حينها في الإمارات"
وبالفعل تأكدوا أنه كان هناك حالات سُجِّلت في الإمارات حينها، فأخذوا مني عينات دم ومسحات، وأعطوني أدوية عبر الوريد، وطلبوا مني البقاء في غرفة العزل حتى خروج نتائج الاختبار.
أُكمل معكم غداً إن شاء الله ...
أكمل معكم حديث البارحة عن وضعي في غرفة العزل الطبي في مستشفى في البرازيل لشبه إصابتي ب #كورونا .. مع امتناني لدعواتكم وأمنياتكم الطيبة، لا أرانا الله وإياكم مكروهاً ولا من نحب
أقول خرج الأطباء وبقيت وحيداً في غرفة العزل. كانت الغرفة صغيرة بسرير طبي واحد وكرسي وتلفاز، وملحق بها دورة مياه. وبين الغرفة وباب الممر الخارجي مساحة صغيرة، أي هناك بابان بيني وبين الممر. ربما هذه المساحة وُضِعت لمزيد من الاحتياطات
انتظرت قليلاً حتى دخل علي أحد إداريي المستشفى، وكان يلبس الكمامة والقفازات... أخبرني أن نتائج الفحص ستأخذ بعض الوقت، وتناقش معي بكيفية تحصيل التكاليف، وزوّدني بمعلومات الواي فاي، وأعطاني بطاقة زائر، وقال: يسمح لك بزائر واحد للضرورة
ارتأيت ألّا أخبر أحداً حتى تخرج نتائج التحاليل، ولم يكن لدي في ساوباولو سوى صديق مقرّب واحد، تاليس.
تعرّفت عليه في أولى زياراتي للبرازيل قبل سبع سنوات، وقد يعرفه بعضكم، إذ شاركني رحلاتٍ عديدة، منها جولاتي في شرق آسيا، وشرق إفريقيا وجنوبها
المهم، أنني أخبرت تاليس بما حصل، فترك عمله وحضر لزيارتي حالاً. زوّدته بأرقام أهلي ليبقيهم على إطلاع لو حصل أمر، لا قدّر الله، رغم أنني بدأت حينها أشعر ببعض التحسن بفعل الأدوية التي أُعطيت إياها عبر الوريد.
خرج تاليس وغلبني النعاس. عمّ السكون المكان وهدأ الكون. استيقظت لاحقاً وقد غابت الشمس، وشعرت بأنني استعدت صحتي تماماً.
أردت الخروج لكن نتائج التحاليل لم تخرج بعد. أحضروا لي طعاماً خفيفاً، أكلته وغبت في نوم عميق.
استيقظت في اليوم التالي بألم في صدري، مع ارتفاع بدرجة الحرارة مرة أخرى ...أخبرت الطبيب فطلب أن أُعطى أكسجين.
أخذوني نحو غرفة عامة بكراسي طبية، دخلت وأنا أرى الممرضين يُلبسون المرضى على الكراسي كمامات طبية ويتمتمون لهم ...فهمت أنهم أخبروهم أنني حالة اشتباه !
جلست في كرسيي وأخذت أنبوب الأكسجين. رأيت المرضى من حولي، سيدة تبتسم لي تطميناً، وأخرى تهمس في أذن زوجها المريض وتفصل عنه الأنبوب الوريدي لتأخذه خارج الغرفة ... البقية لم يبد عليهم كثير اهتمام.
بعدها بدقائق، دخلت طبيبة...نظرت إليّ من بعيد فأقبلت نحوي. ابتسمتْ وقالت ممازحة: أعرفك! أنت الذي أخفت الأطباء البارحة ! تم تحويل حالتك إلي بعد ظهور نتائج التحاليل.
رفعت أوراقاً كانت تحملها وهزّتها في الهواء:
"مبروك! أتت النتائج سليمة بخلوّك من الفيروس!"
ابتسم المرضى حولي، وضحك مريض كبير في السن في آخر الغرفة، وكان قد لفّ سترته فوق كمامته من شدة الحذر، وقال: إنها حياة واحدة !
أنهيت جلسة الأكسجين، التي أجريها للمرة الأولى في حياتي ولله الحمد، وخرجت من المستشفى بعد أن صرفت لي الطبيبة بعض الأدوية الخفيفة، أخبرتني بألّا أقلق و"ما بك إلا العافية"
كنت قد حجزت عودتي إلى الرياض بعدها بيومين، فقررت تأجيل رحلتي حتى تعود لي صحتي تماماً، فليس من الحكمة السفر على مرض.
فمددت إقامتي في ساوباولو، والتزمت الراحة والأدوية وشرب الماء حتى شفيت تماماً بحمد لله.
فحجزت رحلة العودة إلى السعودية عبر إسبانيا، ولم تكن حينها إسبانيا ضمن قائمة الدول الموبوءة. كان خطتي أن أصل إلى مدريد ترانزيت مساءً، وأبيت فيها ليلة لأستقل رحلة الغد إلى السعودية.
تركت البرازيل متجهاً إلى أسبانيا، في طريقي نحو السعودية.
في السماء، وقبل أن تحط طائراتي في مدريد بساعات ... صدر القرار بتعليق السفر إلى أسبانيا، وإلغاء كافة الرحلات بينها وبين المملكة.
انحبسنا !
وغداً نكمل !
شغل مسلسلات نيتفليكس مع #الحجر_المنزلي ?
أُكمل حكايتي بعد خروجي من العزل الصحي في مستشفى ساوباولو، مروراً بإسبانيا، حتى عودتي أخيراً إلى الرياض بحمد الله
ما إن حطت طائرتنا في مدريد حتى أخذتُ أتابع تبعات قرار تعليق السفر إلى أسبانيا وإلغاء كافة الرحلات بينها وبين المملكة، خاصة أنه تم إلغاء رحلات الدول الوسيطة كذلك
اجتاحني قلق عارم خشية عدم تمكني من العودة إلى البلاد
نزلت في منزل أحد الأصدقاء وأطلعته إنني قد أبيت عنده مدّة قد تطول
وأشير هنا إلى حال أسبانيا حينها مع الوباء، وفيه ما يثير العجب والتساؤل!
كانت حالات الإصابة في البلاد في تزايد مخيف، لكن لم يبد أن أحداً، من الحكومة أو عامة الناس، ليعبأ كثيراً
المطارات بلا إجراءات احترازية، رحلات المناطق الموبوءة مفتوحة، الناس يمارسون حياتهم بلا تحرز أو احتياط!
وأعجب من هذا كله، تسمح الحكومة الإسبانية بمسيرة مليونية في الشوارع لأجل يوم المرأة. هكذا! وكأن الأمر لا ينبئ بخطر داهم وقنبلة توشك على الإنفجار!
وفعلاً، تضاعفت أرقام الإصابات في مدريد بعد انتهاء المسيرة، وبدأ الحديث عن إعلان المدينة منطقة موبوءة وإقامة حالة الطوارئ في البلاد!
أسألُ أصحابي الإسبان عن هذا فيقولون: نحن الإسبان هكذا، لا نُحسن التفكير بالمستقبل! ننتظر دوماً حتى تقع الطّامة.
يقولون ذلك، وأنا أقول أن الأمر غير هذا.
كان التوجس والترقب سيّدا المرحلة، فلم أعرف طعم الراحة وأنا أستشعر بأنه لن يمكنني العودة إلى الوطن. كان شعوراً غريباً ما عهدته من قبل...
لا أعرف، شعور انقطاع، إنزواء، اغتراب... لا أعرف!
أعرف فقط أنه شعورٌ لا أتمنى أن أشعر به مرة أخرى !
وهذه لفتة ..
فرغم حبي لأسبانيا، بلد عشت فيه ودرست، وأزوره باستمرار، وأتحدث لغته، ولي فيه سكن وأصدقاء كُثر، لكنني ما كرهت أرضاً مقدار كرهي لأسبانيا حينها، ولا تمنيت إلا أن يخرجني الله منها، وكأن الأرض بما رحبت ضاقت بي ولفظتها نفسي، إلا أرض بلادي ووطني !
حلّ النهار واتصلتُ بسفارتنا في مدريد، كان تجاوبهم سريعاً وتعليماتهم واضحة، سجّلوا بياناتي وأخبروني إن رحلة الخطوط السعودية بعد يومين إلى جدة ستكون الأخيرة إلى السعودية.
رتّبت حجزي على تلك الرحلة فعلاً، فهدأت نفسي وعادت إليّ طمأنينتي التي غادرتني فور سماع خبر تعليق الرحلات، والحمد لله رب العالمين.
سأعود، بإذن الله، إلى الرياض !
أخذتُ أعد الساعات وأطوي الوقت حتى حل النهار الثاني، موعد الطائرة !
ذهبت إلى المطار قبل موعد الرحلة بأكثر من ثلاث ساعات (وأنا المعتاد أن أحضر عادة في آخر لحظة للمطارات!) خشية أن تفوتني الرحلة الأخيرة إلى الوطن !
كان الإجراءات الاحترازية تم تطبيقها في المطار هذه المرة، وسمعت المنادي عند بوابة رحلة "بوغوتا" ينادي بالناس: "من يعود إلى كولومبيا يلتزم الحجر المنزلي لأسبوعين، ومن لا يريد فليبق هنا في مدريد!"
صعدنا الطائرة، وتنفست الصعداء..شعرت بالخلاص!
لم تكن الطائرة ملأى بالمسافرين، ومرت الساعات الخمس بسرعة حتى وصلنا إلى جدة بحمد الله
عُدت إلى أرض الوطن مرّاتٍ لا أُحصيها عدداً، لكن العودة هذه المرة كانت عودة مختلفة، عودة تعدل حياة، تعدل انعتاق...عودةٌ تعدل غُربة ألف عام !
في المطار تم فحص كافة الركاب من قِبل أطباء وزارة الصحة فور الوصول، وتم إلزام الجميع بالحجر المنزلي لمدة ١٤ يوماً من تاريخ الدخول كإجراء وقائي، حيث لم تظهر عليّ أية أعراض ولله الحمد.
استكملتُ رحلتي حتى وصلت أخيراً حيث يسكن القلب، الرياض.
وهأنذا أدخل الآن يومي الخامس ب #الحجر_المنزلي مبتهجاً بعودتي، سعيداً بعزلتي تحت سماء الوطن وفوق ترابه، محاطاً بعناية الله وقلوب الأحبة ?

جاري تحميل الاقتراحات...