2023 02:51
لا أعلم لم أرسل هذه التغريدة أصلًا، منذ سبعة أشهر لم أفتح أي من تطبيقات وسائل التواصل، لقد هجرها الناس وانشغلوا بأمور عيشهم، توقَّعتها تعطَّلت عن العمل تمامًا، أحدث تغريدة ظهرت في وجهي كانت قَبل 3 أشهر، كُتِبَ فيها: "اخلطوا المعقم مع العصير، جرِّبوا فلن تخسروا شيئا"
لا أعلم لم أرسل هذه التغريدة أصلًا، منذ سبعة أشهر لم أفتح أي من تطبيقات وسائل التواصل، لقد هجرها الناس وانشغلوا بأمور عيشهم، توقَّعتها تعطَّلت عن العمل تمامًا، أحدث تغريدة ظهرت في وجهي كانت قَبل 3 أشهر، كُتِبَ فيها: "اخلطوا المعقم مع العصير، جرِّبوا فلن تخسروا شيئا"
قبيل عامين فَتَك فايروس كورونا بالبشر فتكًا عظيمًا، أسبابٌ كثيرة أدَّت لهذا الفتك، أهمها عدم شفافيَّة الحكومات بخصوص الأرقام التي كانت تُذاع، كانوا إذا قالوا ماتَ شخص سببَ المرض، فهم يخفون ثلاثة أصفار عن يمين الرقم واحد، رافقَ ذلك إهمال العامة لأسباب الوقاية، حتَّى نزلت الكارثة.
انهار كل شيء تقريبًا، لم أرَ وجهَ الانهيار من قبل، ولم أتفرَّس ملامحه، لكنه اليوم يطل بوجهه علينا في كل ساعة، ولا يمكنني أن أُفصِّل أكثر، فهي مشاهدات سريعة تشبه وميضَ البَرق في غدرة الليل، سمعتُ -كغيري- أنَّ جمعيَّةً عالمية مشتركة تقوم بتدوين ما حدث خلالَ الأعوام الثلاث الماضية.
وردتني اليوم رسالة من راكان بن سعود، أخبرني فيها أنهُ سيزورني خلال اليومين المقبلين لأمرٍ بالغ الأهميَّة، راكان بن سعود! أظنكم تعرفونه! وقليل منكم شاهده، لقد تغيَّرت ملامحه كثيرًا عمَّا كانت عليه مطلع العام ٢٠٢١، برَزَت عُروق وجهه، وتجعَّد جلده بصورة مخيفة.
من يراه يظنه في أواخر التسعينات من عُمره، وهو لمَّا يطرق بعد بابَ الثلاثين! وكأنهُ مسافرٌ عبر الزمن جاء من كويكبٍ شهرهُ كساعةٍ على الأرض، كثير الشرود والتململ، ولم أره قَط إلا متجهم الوجه مقَطَّب الحاجبين، على وجههِ مسحة من سواد، ككل الأشياء من حولنا اليوم.
وكثيرا ما كان يخرج من بيتهم ليومٍ وأكثر، ونتبعه في جولات للبحث، فنجده قد تَوَسَّد عتبةَ باب نادي الهلال والتحف بعَلَمٍ مهترئٍ لنادي النصر مكتوب عليه: "العالـ.." بعد أن مَسَحت أصابع الأيام آخر حرفين من الكلمة، إنه في تصرفه هذا كمُقاتلٍ أثخنته الجِراح لكنه لمْ يَنس عقيدةَ الانتصار.
في يوم زيارته المزعوم، أحضر معه القليل من العسل الأسود والجبن وشيء يشبه رغيفَ الخبز لكنه ليس خبزًا، شيء يقوم مقامه، جلس إلي جلسته المعهودة عنه، مُمَدَّدًا فوق الكرسي، وقد دفع بساقيه النحيلتين واضعًا إحداهما فوق الأخرى، مرخيًا ذراعيه للخارج، وكأنه يُحاول أن يستريح من شيء لا أعلمه.
ثم أطرقَ برأسه ورَان بيننا صمت طويل، كان إطراقه يفسِّر كل شيء، وصمته المتكلِّم البليغ، قاطعت ذلك كله:
- قُلت لي الأمر بالغ الأهمية؟! ما الأمر.
رفع يده ببطء وحكَّ وجهه وهو لما يرفعه بعد، ثم قال:
- قُلت لي الأمر بالغ الأهمية؟! ما الأمر.
رفع يده ببطء وحكَّ وجهه وهو لما يرفعه بعد، ثم قال:
- فُرصتنا اليوم كبيرة لدخول التاريخ، بعد أنْ خَرَج منهُ منْ خَرَج.
- ماذا تقصد؟
- إعادة نادي النصر إلى الحياة.
- كرة قدم في هذه الظروف؟! أمجنونٌ أنت.
- لا، لست مجنونًا، أنا شيخ القبيلة وأحكم منك وأعْرَف.
ثم أردفَ بنبرة بهيجةٍ تبعثُ على الإثارة والسعادة:
- ماذا تقصد؟
- إعادة نادي النصر إلى الحياة.
- كرة قدم في هذه الظروف؟! أمجنونٌ أنت.
- لا، لست مجنونًا، أنا شيخ القبيلة وأحكم منك وأعْرَف.
ثم أردفَ بنبرة بهيجةٍ تبعثُ على الإثارة والسعادة:
- عندي في البيت ١٨ قميص للفريق من مواسم مختلفة، مع القليل من الرقع ستكون قمصانًا نافعة، الأحذية غير مهمة، القميص الأصفر هو المهم!
- ماذا عن اللاعبين؟ من أين ستحضرهم؟ ومن سيوافق على هذه الخطوة البشرية الجريئة.
- ماذا عن اللاعبين؟ من أين ستحضرهم؟ ومن سيوافق على هذه الخطوة البشرية الجريئة.
- لا عليك؛ لدي اتصالٌ دائم مع عبد الله مادو، ورتَّبْتُ معه كل شيء يخص اللاعبين، دعني أريك قائمةَ اللاعبين الذين وافقوا على الانضمام الأولي:
أخرج ورقةً يبدو أنها استخدمت أكثر من مرة، وآثار المسح عليها ظاهرة، ثم وقفَ وأخذ يقرأ بصوتٍ جهوري هزَّ الغُرفة:
أخرج ورقةً يبدو أنها استخدمت أكثر من مرة، وآثار المسح عليها ظاهرة، ثم وقفَ وأخذ يقرأ بصوتٍ جهوري هزَّ الغُرفة:
الوباري حارس، خالد السلامة ومشعل المطيري أظهرة الجنب، الصقور قلب دفاع، إيدير عاد إلى السعودية بعد أن حلَّ الوباء بالبرازيل وأبدى حماسته لِلَعب، ماطر -أو ما تبقى منه- سيكون رُمَّانة الوسط، سنوزع حوله كل من: المبارك والشويع والزيلعي والموسى، في الهجوم سنكتفي بمجهود أحمد بهجا حاليا.
كان يسرد الأسماء كما لو أنهُ قائد يسرد أسماء الأبطال الذين حَرروا بلاده من مُغتَصِب، تداركتُ نشوته بسؤالٍ احترازي:
- ماذا تناولت على الإفطار؟
- كبيبة، لم؟
- لأنك تتفوَّه بكلام المجانين! وهذا الأمر لن يتم على هذه الصورة..
- ماذا تناولت على الإفطار؟
- كبيبة، لم؟
- لأنك تتفوَّه بكلام المجانين! وهذا الأمر لن يتم على هذه الصورة..
فجأةً وبلا مقدِّمات؛ أدخلَ يده في جيبه ثمَّ أخرجَ مُسدسًا ووجَّههُ إليَّ، لم أتوقَّع بأن الجنونَ الذي اعتراه سيصل به إلى هذا التطرف المرعب، كان يوجِّهُ مسدسه إلى رأسي بيد رعَّاشة متعرِّقة وهو يغالب غُصَّة في حلقه، ثمَّ تكلَّم وكأن الصوت يجيء من مكانٍ سحيق في تجويف صدره:
- لم تدع لي فرصة يا صديقي! ستموت أنتَ وعمامتك بلا شك، وكل واحدٍ يقف في وجه هذا الأمر سيلقى ذات المصير، أنا أصلًا أكرهك منذ أيام تويتر، واليوم جاء السبب الذي يجعلني أرسلك للحياة الأخرى بلا ندم، وكُلِّي أملٌ أن تكونَ حياتك الأخرى أشنع من حياتك هذه.
وفي ثوان قليلة هي أطول من سنوات التيه، ارتفعت حرارة الجو، وتغيَّر مرأى الدنيا في وجهي، كان الأمر بالغَ القتامة، كئيبًا، عميق الوِحشة، اقترب راكان بخطوات إنسانٍ غادرت روحه منذ زمن، ألصقَ فوهة مسدسه بين عيني، حتى شممتُ رائحة البارود، وهكذا؛ كان آخر ما سمعتُ في حياتي هو صوت الزناد.
جاري تحميل الاقتراحات...