سليمان الناصر
سليمان الناصر

@salnasser

7 تغريدة 46 قراءة Mar 14, 2020
قال أبو جعفر القروي"حقيقة الإنسانية أن لا يتأذى منك إنسان، لأن حقيقة الاسم في نفسه: أن يكون كل شيء بك مستأنسا"
كما هي عادة القول الصوفي، اقتضاب لفظي غني بالمعنى، مقولة القروي هذه تضمنت دعوىً واستدلالًا على الدعوى، فالدعوى هي إن " تحقيق وصف الإنسان يقتضي عدم إيذاء إنسانًا آخر "، =
ودليله على هذا الدعوى، مستمد من اسم الانسان، فـ"الانسان" مأخوذ من الإنس، ضد الوحشة، فمن يأنس بالأخرين ويأنسون به فقد حقق من وصف الإنسانية قدرًا اكبر بحسب ما حقق من الأنس مع الغير، والأذى ينزع الإنس ويجلب الخوف والوحشة، وهذا التقرير متفرع على تقرير أوسع منه، وهو أنه =
لا إنسانية بدون أن يزيد اعتبار الغير على على اعتبار الذات، بحيث لا تصح نسبة الإنسانية إلينا حتى يزيد أنس الغير بنا، وإذا كان هذا التعريف بنطبق على الغير أيضا في نسبة الإنسانية إليه اتضح لنا أن تحقق الإنسانية يكون بأنس الغير بنا وأنسنا بالغير، =
وحينما نؤذي غيرنا فنحن نقلل من انسانيته في نظرنا بقدر تقللينا من حقيقتنا الانسانية، فالانسانية(أفق) و(إمكان)وبقدر تخلقنا بالمحبة والرحمة والرأفة واللطف والعطاء والبذل نكون أقدر على كفِّ أذانا عن غيرنا، حيث أن تخلّقنا وكفّنا الأذى هو تحقيق هذه الامكانية الإنسانية، ودخول في أفقها.=
ومن الطريف المرح الذي يُستأنس به في هذا السياق قول بعضهم أن ( الإلف والنون) في ( إنسـ ان) أنما هي للثنية، فكأنما هذا الكائن المسمى ( إنسانًا) إنما يحقق إنسَه اذا كان مع الغير، فلا وجود لإنسٍ واحد بل لا يكون إلا إنسان.=
في النهاية إذا كانت المؤانسة والتخلّق تحققان لنا مزيدًا من إنسانيتنا فمن الغريب أن نشعر بالمتعة بأذى الآخرين، وإذا كنا نمتنع عن الأذى الجسدي غالبًا فإننا ننجرف كثيرًا مع الأذى اللفظي والمعنوي، الذي قد يكون نفوذه لروح الإنسان أشد وأثره أنكى، في مواقع التواصل تتفشى حالة الاستمتاع=
بأذى الأخرين، والكارثة أن وجود حالات الأذى والعدوان في هذه المواقع الاجتماعية يحولها إلى حالة معدية، فتتحول إلى وباء أخلاقي متفشّي و مدمر، ويبلغ السوء أقصاه اذا تقبلنا هذه الحالات وتعايشنا معها.

جاري تحميل الاقتراحات...