ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

19 تغريدة 268 قراءة Mar 14, 2020
هل بإمكانك أن تخمِن لأي تمثال شهير حاليًا يعود هذا المجسم الأثري الذي في الصورة؟!
نعم بالفعل إنه مجسم أولي يعود لتمثال الحرية، المعلم السياحي الأبرز في أمريكا وربما العالم، لكن ماذا عن غطاء الرأس والزي العربي الواضحين فيه؟!
حديثنا اليوم عن هذا الأمر وأكثر
حياكم تحت??
جاء العام 1869 حاملًا الكثير لمصر، إذ تم الانتهاء من أحد أضخم مشاريع القرن التاسع عشر، أعنى هنا حفر قناة تربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، والتي عرفت فيما بعد بقناة السويس، فقط لم يتبق سوى إقامة تمثال رمزي ضخم يخلد هذا الحدث الكبير، يعقبه حفل افتتاح كبير.
راسل الخديوي إسماعيل حاكم مصر آنذاك، النحات الفرنسي الشهير فريديريك أوجست بارتولدى، حيث طلب منه ابتكار وتصميم عمل فني يخلد ذكرى حفر القناة، وهو ما استجاب له بارتولدي، بهذا المجسم الذي في الصورة والذي استقاه من رؤيته لفلاحة مصرية في الأقصر تملأ جرتها من النيل.
أعجب الخديوي بالفكرة، لكن خزينة مصر القاصرة عن دفع مبلغ 600 ألف دولار منعته من المضي قدمًا في هذا المشروع. عاد بارتولدى أدراجه إلى فرنسا، وفي تلك الأثناء لاحت له فرصة جديدة لتنفيذ فكرته، لكن ليس في مصر، وإنما في الولايات المتحدة الأمريكية.
في عام 1870 وبينما بارتولدى مبحرًا باتجاه ميناء نيويورك تخيل أن هناك تمثالا يرحب به، فتجددت في نفسه فكرة إحياء مشروع تمثاله الضخم من جديد، وهو ما سعى إليه على الفور، عبر مناقشات جادة مع مشاهير أمريكان وأصحاب قرار.
استطاع بارتولدى لقاء الرئيس الأمريكي حينذاك يوليسيس جرانت الذي أخبره عن سهولة تخصيص جزيرة صغيرة لإقامة التمثال بالقرب من ميناء نيويورك، لكنه يفضل أن يتحمل المجتمع المدني تكلفته، ذلك أن تكلفته ضخمة جدًا بالنظر إلى التصور الموصوف له حينذاك.
نجحت مساعي بارتولدى في استقطاب أثرياء على استعداد للتبرع لصالح المشروع،حيث اقتنع كثيرون منهم بالفكرة ودعموها، وانخرطوا معه في حملة مكبرة لجمع التبرعات، بينما حاول بارتولدي إقناع حكومة بلاده بدعم المشروع والتكفل بنفقاته ولو جزئيًا.
وفي ظل رخاء مالي ومناخ ليبرالي جديد تولد بعد الإطاحة بنابليون الثالث وتدشين الجمهورية الثالثة، وافقت فرنسا على تحمل تكلفة إنشاء التمثال وإرساله، على أن تتحمل الولايات المتحدة تكلفة القاعدة الخاصة به، وذلك في إطار تعزيز عرى الصداقة بين البلدين.
اهتم بارتولدى بأدق التفاصيل في تمثاله المنتظر بما يتناسب مع المجتمع الأمريكي، حيث اقتبس مثلًا الملامح من تمثال آخر سابق، يعود للأمريكي توماس كروفورد، والذي صور فيه ليبرتاس، إلهة الحرية الرومانية، يعلو هذا التمثال الأخير حاليًا قبة الكونجرس الأمريكي.
جاء التمثال في هيئة سيدة ترتدي على رأسها تاجًا مكونًا من سبعة أسنة في إشارة إلى البحار أو القارات السبع، بينما تحمل إحدى يديها شعلة الحرية، ويدها الأخرى تحمل كتابًا نُقِشَ عليه بالرومانية تاريخ الاستقلال الأمريكي، أما التمثال ذاته فقد جاء تحت شعار "الحرية تنير العالم".
عاد بارتولدى إلى فرنسا من أجل متابعة إنشاء التمثال، حيث أوكل مهمة تصميم الهيكل الإنشائي المعدني إلى المعماري الفرنسي الشهير غوستاف إيفل مصمم برج إيفل، وهو ما مثل إضافة قوية للعمل كون الأخير ذا خبرة واسعة ومشهود له في عالم الإنشاءات المعدنية الضحمة.
واجهت فرنسا صعوبات جمة في تمويل المشروع ما اضطرها إلى تدشين حملات تبرع، وبالفعل استطاعت جمع 250 ألف فرنك، ومن أجل الحث على التبرع عرِضت الرأس في معرض باريس العالمي عام 1878، كما عرِضت الشعلة ويد التمثال في فيلادلفيا لمدة 10 سنوات، حتى تم الانتهاء من التمثال بالكامل.
على الجانب الآخر من الأطلسي تم اختيار المعمارى الأمريكى ريتشارد موريس هانت من أجل تصميم قاعدة التمثال، والتي جاءت متفردة من حيث الإنشاء المعماري والصلابة، بطول وصل إلى 47 متر وعرض وصل إلى 47 متر كذلك.
في باريس وبعد الانتهاء من التمثال تم تجزئته إلى نحو 350 قطعة، حيث جرى تغليفها في 214 صندوق هائل، ومن ثم تم نقلها إلى ميناء نيويورك على مرات متعددة من خلال السفينة الفرنسية إيزري، حيث استقبلت هذه القطع بحفاوة، وجرى جمعها مجددًا ومن ثم تم نصب التمثال كاملًا في منتصف عام 1886.
في ظهر يوم 28 أكتوبر 1886 أسدل الستار عن تمثال الحرية في حفل مهيب، حضره ما يربو على مليون شخص، وترأسه رسميًا الرئيس الأمريكي آنذاك جروفر كليفلاند، حيث قال في كلمته "من المهم أن يخترق ضوء هذه الشعلة حجب الجهل والظلام"، بينما ذخر الحفل بكثير من العروض البحرية والموسيقية.
يتكون التمثال من ألواح نحاسية، فيما يبلغ طوله نحو 46 متر، ويرتكز على قاعدة من الجرانيت ذات عرض 47 متر، بينما يزن إجمالاً نحو 125 طن، فيما يحيط بالتمثال ككل حائط نجمي تم بناءه عام 1812 يعود لفترة الحرب الأهلية الأمريكية، حيث استخدم للدفاع عن مدينة نيويورك آنذاك.
بعد 134 عامًا هي عمر تمثال الحرية، يُعدّ حاليًا رمزًا أمريكيا ومزارًا سياحيًا مميزاً، يتوافد على زيارته سنويًا نحو 3 ملايين شخص من شتى أرجاء العالم. تم تصنيف التمثال والجزيرة الذي يقع عليها كأثر قومي أمريكي عام 1924، فيما أدرجته اليونسكو عام 1984 ضمن قائمة مواقع التراث العالمي.
تمثال الحرية لا يوجد في أميركا فقط، بل هناك مئات من تماثيل الحرية تم نصبها في أرجاء مختلفة من العالم، أشهرها تلك الموجودة في باريس، النمسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، الصين، وفيتنام.
ختاما
لو كلفت ان تضع تمثالا يمثل مدينتك
ماذا ستضع ؟

جاري تحميل الاقتراحات...