في الأزمات الطارئة تظهر الحاجة لقرارات حاسمة يصعب الجزم بها، تخضع لمفاهيم الخطأ والصواب في أذهان الناس، وتندرج في موضوع الأخلاق، فهل تساءلت من قبل عن "الأخلاق في الدماغ"؟ هذا هو موضوع المقال الذي أترجمه وألخصه لكم اليوم، والمنشور في إحدى منصات جمعية علم الأعصاب الأمريكية.
#ثريد
#ثريد
"بادئ ذي بدء، لا يجزم علماء الأعصاب بمعرفتهم كيف يقرر الناس ما هو الصواب وما هو الخطأ، لكنهم يحاولون فهم الطرق التي يمكن أن تؤثر في تمييز الناس لذلك، ومن الوسائل التي يستخدمها العلماء، ملاحظة ما الذي يحدث في مناطق الدماغ أثناء التأمل في معضلة أخلاقية مختلقة.
هل يكتفي الناس بأفعال الآخرين لتمييز الصواب من الخطأ فيها؟ لا، فممّا يؤثر في تمييزنا، "فهمنا" لدوافع الناس للقيام بما قاموا به."
فإذا قام شخص بقتل الآخر، فسيتأثر تمييزنا للموقف بدافع القتل، هل هو دفاع عن النفس أو كراهية للقتيل، فمعايير الخطأ والصواب خاضعة لفهمنا الشخصي للدافع.
فإذا قام شخص بقتل الآخر، فسيتأثر تمييزنا للموقف بدافع القتل، هل هو دفاع عن النفس أو كراهية للقتيل، فمعايير الخطأ والصواب خاضعة لفهمنا الشخصي للدافع.
"خذ موقفاً أكثر صعوبة، لو افترضنا أن صديقك لديه حساسية تجاه زبدة الفول السوداني، وقدمت له ساندويتشاً بزبدة الفول السوداني، فقد يرى الآخرون أن هذا حادثاً غير مقصود، لكن ماذا لو علموا أنك للحظة من الزمن، كان لديك شك بسيط جداً في احتمالية أن يكون صديقك مصاباً بحساسية الفول السوداني؟
تفصيل صغير جداً كهذا يحدث فارقاً كبيراً في تمييز الصواب من الخطأ في أفعال الآخرين.
تخيل أن صديقك لم يتناول الساندويتش أصلاً فلم يتضرر، هل سيتغير حكم الناس؟ غالباً لا، سيواصلون حكمهم بسوء العمل، إذن يبدو أن الدافع أكثر تأثيراً من الفعل ونتيجته في تمييز الخطأ من الصواب هنا.
تخيل أن صديقك لم يتناول الساندويتش أصلاً فلم يتضرر، هل سيتغير حكم الناس؟ غالباً لا، سيواصلون حكمهم بسوء العمل، إذن يبدو أن الدافع أكثر تأثيراً من الفعل ونتيجته في تمييز الخطأ من الصواب هنا.
هذه اللحظة التي نحاول أثناءها تمييز الخطأ من الصواب في أفعال الآخرين تبدو لحظة مصيرية وحاسمة، هي ذاتها التي يدرس علماء الأعصاب نشاط الدماغ أثناءها ونحن نحاول تمييز الخطأ والصواب من خلال تفسيرنا لدوافع الآخرين، وقد يقود هذا لفهم كيف يعالج الدماغ هذه المعضلات الأخلاقية.
وجد العلماء أن ذلك الجزء من الدماغ (rTPJ) يستجيب بشكل مختلف عند تعريض الشخص لمثل تلك القصص، بعد تحليل الأنماط المختلفة تمكنت الدكتورة Saxe وفريق عملها من القدرة على توقع مدى تسامح المشاركين من خلال نشاط ذلك الجزء في أدمغتهم.
من خلال تناول جانب واحد من القصة، الخطأ غير المقصود، سنجد كيف تختلف أنماط الدماغ بشكل ملحوظ، فقد وجدت الدكتورة Saxe أن نمط النشاط في أدمغة الذين تسامحوا مع الخطأ غير المتعمد، كان مختلفاً عن نمط النشاط في أدمغة أولئك الذين لم يتسامحوا بنفس القدر مع الخطأ غير المتعمد."
إذن يبدو هنا أن الدافع نفسه ليس كافياً، فاستجابات الناس تجاه نفس الدافع كان مختلفاً بحد ذاته، مما يؤثر على تمييزنا للخطأ من الصواب، فيبدو أننا ننطلق في تقييمنا للصواب والخطأ من خلفياتنا المعرفية الخاصة لتفسير تلك الدوافع، وتلك الخلفيات قد تنطوي بدورها على تحيزات ودوافع خاصة بها.
يدرس العلماء أيضاً ما الذي يحدث في الدماغ، حين يطلَب منك أن تضع نفسك في محل الآخر وتقوم أنت بالتصرف.
كما في المثال الشهير، لو أن ٥ أشخاص فوق سكة حديد، في المسار الذي يمره القطار، وشخص وحيد على مسار آخر لا يمره القطار عادة، ولديك القدرة على تحويل مسار القطار بضغطة زر، ماذا ستفعل؟
كما في المثال الشهير، لو أن ٥ أشخاص فوق سكة حديد، في المسار الذي يمره القطار، وشخص وحيد على مسار آخر لا يمره القطار عادة، ولديك القدرة على تحويل مسار القطار بضغطة زر، ماذا ستفعل؟
تخيل الآن مشهد القطار ذاته، لكنك واقف فوق جسر، ليس لديك شيء يتحكم بمسار القطار، لكن بجانبك يقف شخص لديك القدرة على دفعه من أعلى ليقع في مسار القطار، مما سينقذ الخمسة الذين يقفون في مساره.
هل التضحية بالشخص الوحيد لإنقاذ الخمسة في الموقف الأول هي نفس التضحية في الموقف الثاني؟
هل التضحية بالشخص الوحيد لإنقاذ الخمسة في الموقف الأول هي نفس التضحية في الموقف الثاني؟
هذا على افتراض أنك مقتنع بأهمية التضحية بشخص واحد لإنقاذ الخمسة في الموقف الأول (كما كانت أغلب الإجابات في بعض الدراسات)، لاحظ كيف يختلف تمييزك للصواب والخطأ في الموقف الثاني برغم تشابه الدافع (إنقاذ الخمسة أشخاص)، ما الذي وجده علماء الأعصاب مختلفاً في موقف مثل هذا؟
اللافت هنا، أن قرارات المشاركين تجاه الموقف الثاني اختلفت، فالمرضى كانوا أكثر ميلاً -من الأصحاء- لاختيار الدفع بالشخص من أعلى الجسر، مما يلفت النظر إلى الدور المحتمل الذي تلعبه المشاعر فيما يخص التفاصيل الدقيقة لقراراتنا بشكل عام، وإذا انطوت على أمر هام كتمييز الخطأ من الصواب.
ففي دراسة أجراها عالم الأعصاب المعروف Antonio Damasio، قام بسؤال مجموعة من الأصحاء والمصابين بضرر في الـvmPFC عن آرائهم حول مثال آخر.
فتاة تعمدت وضع بودرة سامة في كوب شاي قامت بإعداده لصديقتها، لكنها اكتشفت لاحقاً أن ما وضعته كان مجرد سكر.
فما كان رأي الأصحاء والمرضى المشاركين؟
فتاة تعمدت وضع بودرة سامة في كوب شاي قامت بإعداده لصديقتها، لكنها اكتشفت لاحقاً أن ما وضعته كان مجرد سكر.
فما كان رأي الأصحاء والمرضى المشاركين؟
كان رأي الأصحاء أن هذا لا يعفي الفتاة من شناعة ما فعلته، فقصد الإضرار كان موجوداً، بينما كان رأي المرضى أن الخطأ بسيط طالما أن الصديقة بخير.
وهذا قد يشير إلى أنه حتى ونحن نعرف دوافع الشخص للقيام بالأمر، وأنها دوافع سيئة يقيناً، فإن اختلافاً في الدماغ كهذا قد يؤثر في دقة تمييزنا.
وهذا قد يشير إلى أنه حتى ونحن نعرف دوافع الشخص للقيام بالأمر، وأنها دوافع سيئة يقيناً، فإن اختلافاً في الدماغ كهذا قد يؤثر في دقة تمييزنا.
جانب آخر يمكن النظر إليه، حينما يعاملنا الآخرون بطريقة نقرر معها ما إذا كانت صائبة بحقنا أم لا.
في دراسة أجرتها عالمة الأعصاب Molly Crockett وآخرون بكلية لندن الجامعية، أعطوا المشاركين مشروباً يؤثر في مستويات "السيروتونين"، أحد النواقل العصبية المؤثرة في الشعور بالسعادة.
في دراسة أجرتها عالمة الأعصاب Molly Crockett وآخرون بكلية لندن الجامعية، أعطوا المشاركين مشروباً يؤثر في مستويات "السيروتونين"، أحد النواقل العصبية المؤثرة في الشعور بالسعادة.
بعدها أشركوا المشاركين في لعبة تسمى ultimatum game، حيث يلتقي المشارك بشخص غريب، يتم إخبار المشارك أن هذا الغريب لديه كمية من المال سيقتسمها معك (دون إخباره كم!)، ولديكما فرصة/عرض واحد فقط، إذا قبلت بالمبلغ الذي يعرضه فهو لك والباقي له، إذا رفضت عرضه فلن يأخذ أحدٌ منكما شيئاً.
وجد الباحثون أن المشاركين الذين انخفضت لديهم مستويات السيروتونين كانوا أكثر ميلاً لرفض العرض المقدَّم من الغريب، اعتقاداً بأنه عرض غير منصف.
وجد الباحثون أن رفض العرض أتبعه ارتفاع في نشاط جزء في الدماغ يسمى dorsal striatum وهو جزء يعتقد العلماء أنه يشارك في الإحساس بالمكافأة.
وجد الباحثون أن رفض العرض أتبعه ارتفاع في نشاط جزء في الدماغ يسمى dorsal striatum وهو جزء يعتقد العلماء أنه يشارك في الإحساس بالمكافأة.
يقترح الباحثون أن مستويات السيروتونين قد تؤثر في استعداد الشخص لقبول أو رفض المعاملة غير المنصفة بحقه.
فمثلاً، الشخص المتسامح بطبعه قد ينخفض شعوره بالسعادة مع انخفاض مستويات السيروتونين لديه، فيرفض ما تعود على التسامح فيه، ربما لأن هذا الانتقام يعوضه عن شعور السعادة المنخفض.
فمثلاً، الشخص المتسامح بطبعه قد ينخفض شعوره بالسعادة مع انخفاض مستويات السيروتونين لديه، فيرفض ما تعود على التسامح فيه، ربما لأن هذا الانتقام يعوضه عن شعور السعادة المنخفض.
مستويات السيروتونين أيضاً قد تختلف بالتزامن مع الجوع أو الضغط النفسي، مما يؤثر على طبيعة الشخص في التعامل مع الأمور من حوله، ومن ضمنها تقييم ما يحدث بحقه، مبالغةً أو تفريطاً."
بهذا تنتهي ترجمة وتلخيص هذا المقال.
بهذا تنتهي ترجمة وتلخيص هذا المقال.
جاري تحميل الاقتراحات...