سعيد مصطفى سعيد
سعيد مصطفى سعيد

@ledo_007

16 تغريدة 17 قراءة Mar 10, 2020
في أمشير لا تبدو الأيام كالأيام ولا الساعات كالساعات ولا الطرقات كالطرقات ولا الساحات كالساحات ولا الأصوات كالأصوات ولا الروائح كالروائح..ولا البشر كالبشر..
لاشيء يبدو كما هو ولا شيء يشبه شيء..
لا معجزات تحدث ولا كوارث تتأخر..
الشمس تأتي وتذهب..النجوم تضيئ وتطفئ ..القمر يظهر ويغيب..نسمات الشمال تقترب لتهّب ثم تتوقف فجأة وتعود حيث أتت.. الناس تمشي وتركض..تنام وتصحو..
كل شيء يسير بصمت النهر والشجر والمراكب والطيور والبقر والحمير.. لاشيء يبدو جيداً ولا شيء يبدو بغاية السوء.
صاح ديك ود فاطمة معلناً طلوع الفجر قبل أن يصحى المؤذن.. لم يكن ود فاطمة يصلي في الجامع لكنّه كان الوحيد الذي يملك ديكاً..
لم يغمض لي جفن منذ شهر..نزعت جسدي من فوق العنقريب لأتجه صوب الساقية وأتوضئ..الأرض باردة وحبات الرمل تبدو مضيئة وكأنها قطعه من السماء نُثرت لوهله تحت قدمي..
كنت أمشي ولا أرى أثراً لخطواتي.. وكأني أطفو أو أسبح أو أحلّق.. صرير الساقية اليوم لايبدو مزعجاً كالعادة.. الماء المنهمر لايخلق الفوضى المعتادة عند النزول..كان يتساقط بإنتظام وكل قطرة تعرف تحديداً موعد نزولها ومكان وقوعها..
غسلت وجهي برائحة الفجر قبل أن أغسله بالماء ثم انطلقت..
متجّها صوب الجامع.
يبدو بأنها بوادر يوم غريب آخر..لا أضواء قادمة من الشمال ولا همس للصحراء من الشرق..لا حفيف للأشجار بالغرب ولا مراكب سائرة بالجنوب..لانباح للكلاب ولا نعيق للغربان.. لاصوت لأنين المرضى ولا بكاء للمظلومين.. لا غناء للسكارى ولا آهات للعشاق.
عجيب هذا الطريق الممتد من دار جدتي إلى الجامع.. كم داس عليه من أناس وكم كان شاهداً على أحداث.. لكنه بقي كما هو..
يخبئ في ذاكرته بيوت العشش ثم بيوت الطين ثم بيوت الإسمنت المقوى..
فيه مشيت على أربع ثم على اثنتان والآن على ثلاث وقريباً سأختفي في ذاكرته للأبد..
وصلت إلى الجامع ووقفت خارجه مميلاً جسدي على جذع نخله مُسنّه..
فقدت كل شيء لكنها مازالت تُثمر على الرغم من أن ماتنتجه أصبح خالٍ من الجودة لكنها تستمر على أي حال..
ربما عبثاً وربما لأنها لاتعرف شيئاً آخر تفعله.. رفعت جسدي عنها فمالت بإتجاهي.. فتساءلت من منا كان يسند الآخر ؟!
صعد الإمام إلى المأذنة..
الله أكبر الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله..
في تلك الكلمات يسكن كل شيء ويتجلى كل شيء ويُنسى كل شيء.. تلك الكلمات لاتعبر من الأذن وتصل إلى العقل حيث يتم معالجتها بل تتسلل مباشرة حيث القلب وحيث تكون الروح فتهيم وتخرج لتجيب قبل الحواس و الجسد..
لم يحضر أحد للجامع في ذلك اليوم سوى أنا والإمام ورجل ثالث لا أعرفه.. كان نحيل الجسد قصير القامة أشعث الرأس.. عيناه زرقاوان كالسماء الصافيه.. لم أشاهد مثلهما في هذه البقعة الجغرافية من قبل... أقيمت الصلاة.. كبّر الإمام وكبّرنا.. ثم قرأ سورة الواقعة...
كان الرجل القصير بجواري كثير الحركة..
يرتعد وينتفض ويهز جسده وينتحب ويبكي تارة.. ثم يتوقف فجأة ويعاود الكرّة..
وأنا أباعد بين قدمي وقدمه وجسدي وجسده لكن ما إن أفعل حتى يلتصق بي وكأنه يبحث عن ملاذ أو منقذ أو مأوى..
وضع رأسه على كتفي وهو غارق في كل ذلك..
لم تعد تحمله أقدامه.. استمر بالبكاء حتى بكيت لبكائه..
ثم أنزلت طرف عمامتي ووضعتها على رأسه..أصبحنا نقف نحن الإثنان أسفلها كمن يحتمي من المطر..
كنا كذرتين تسبح في ملكوت الله..
شعرت بأننا قد اختفينا فجأة من هذا العالم..وصعدنا إلى السماء..ووقفنا على الصراط..والنار تتلقفنا والجنة أمامنا ونحن نقف لا حول لنا ولا قوة.. لانتقدم خطوة ولا نتأخر.. أنا أبكي وهو يرتعد مختبئين أسفل العمامة من كل شيء حتى من أنفسنا! .
انقضت الصلاة وكادت لا تنقضي..
أنزل الرجل عمامتي من على كتفه وجفف دموعه.. نظر إليّ بعينيه التي أحيطت بحمره فبدت وكأن الغروب قد داهمها..
كاد أن يبتسم في وجهي لكنه تذكر شيئاً ولم يفعل..نهض مسرعاً من مكانه..
ثم خرج ومضى واختفى.
شعشع ضوء النّهار وبدأت تنقشع كتائب جنود الهمّ...أتت العصافير محمّله بالفرحه..
تساقط الندى من الأغصان واهتزت عروق القمح... بدى العالم يسير مجدداً دون تردد بعد أن توقف... عدنا مجدداً لقافلة هذا الكون بعد خروجنا وانحرافنا عن المسار...
أضاءت عيني عند رؤية
أول مركب يعبر..وأول رجل يركب دابته..
وأول معول يضرب الأرض..وأول ثمره تقطف..
وأول طفل يلعب حول شجرة السنط...
وأول رائحة نار مشتعله..
وبدأت النسمات تتسلل من جديد على استحياء..فوق أسطح البيوت وبين فرجات الجدران.. خلف السواقي وبين مربط البهائم.
بدأ الكون يرقص من جديد.. أو هكذا كان يتهيأ لي... الجو صافي والزمان صافي والسرور يداهم المكان..هناك انفجار كبير من الفرحة يوشك أن يحدث...الجميع سيقع في الحب.. والجميع سيصبح شاباً..والجميع سيمسي شاعراً..
اليوم هو أول يوم يغادرنا فيه أمشير... ذلك الشهر الذي لاشيء فيه يبدو كما هو.

جاري تحميل الاقتراحات...