يشدّني صمتهم، ويلفت انتباهي صبرهم، وتدهشني قدرتهم الفائقة علىٰ التحمّل؛ هنا أعني المحاسِبون في الأسواق المركزية الغذائية؛ كالتميمي والعثيم وبنده وغيرهم، تبدأ معاركهم الدائمة بعد صلاة الجمعة؛ عندما يغزوهم ذاك المتقاعد بعدما ودّع غترته في سيارته، مظهرا قشرة رأسه؛ مستعدا للنزاع
وقد وضع به كلمة سر، وغالبًا تكون مبتدئة من العدد ١ لحين العدد ٦ ، كلمة سر معروفة للجميع، من أمه وأبيه، زوجته وبنيه، وفصيلته التي تؤوية، ومن في الأرض جميعًا؛ يعلم أن الجميع علىٰ دراية بكلمة سر هاتفه، ومع ذلك لا يأبه
وقد أرسلت عليه زوجته (مسمّيها العجيّز بعد التقاعد) رُزمة من الطلبات التي لو أتىٰ بها جميعها في شهرٍ واحد؛ لأهتزت ميزانيته، واضطر أن يتديّن من أحدهم ليُكمل ماتبقىٰ من النصف الآخر من الطلبات
يدخُل نحو السوق، الله أكبر! جاء المتقاعد ليهدم كيانهم، ويزلزل أركانهم، يمطرهم بالحجارة، ويصب عليهم الويل والخسارة، يرسل عليهم حجارة من طين، تسحق التجار الطاغين، وتمزق المحاسبين المارقين، وما رمت الزبائن يوم رمت، ولكنَّ المتقاعد وحده رَمىٰ، ولِجيبه حمىٰ، وللمحاسبين الموتُ والعمىٰ
يقفون المحاسبون كحرسِ حُدُودٍ علىٰ مشارِفِ أرضِ السوق، في محاولة منهم لصد غارات هذا المتقاعد؛ عندما يعلم أن سعر الأرز لهذا اليوم قد ارتفع بمقدارِ هللتين ونصف، وأن الطماطم لاتشمله عروض اليوم
يدخل مرتديًا حذاء "سكيتشرز"؛ وهذا الحذاء مخصص فقط للتجوال؛ يعطيه المرونة الكافية لتمشيط أي منطقة ينوي غزوها؛ ثم تبتدأ غاراته وسط السوق، يجري ورياحُ الجنوب تهبُّ بنفحاتها الحارة خلفه، كأنها سياطٌ من حُمَم بركانية
يتبضّع لحين مايحس بمرارة في الفمِ من فَرط العطش، أما العرق، فعلىٰ جبينه يسيل كأنه غديرٌ من الماء العَذْب، يسيل علىٰ جلده، ويرهق جسده، يأخذ الأرز والطماطم والبصل والجبن، ثم ينظر للجزّار ويبصق عليه قائلًا: إييه هذا الّي كان مدخّل يده في *** ويحكها .. الله يخسّك يالخسيس
وبعد مرور ساعة ونصف، اشترىٰ ما أوصته عجوزه عليه، وجُل هذا الوقت قضاه بمطالعة تاريخ الانتهاء، وأما احتياجاته كلها في رفٍّ واحد أصلًا
ثم يتجه نحو المحاسب، وهو يتنهد بصوتٍ مسموع من أثر التعب، يكمل مسيره نحو المحاسب الغلبان؛ الذي يشاهد هذا المتقاعد أثناء قدومه، ودموعه تترقرق من مقلتيه، قائلًا: يارب يارب يارب يروح للمصري ومايجيني يحاسب، يلتجئ بتمائم وأدعية واستغفار واستنفار؛ لكن دون جدوىٰ
يصل وجهته للمحاسب المنكوب، ثم يرحب به مبتسما متهللا بهذا المتقاعد قائلًا له: ما شاء الله شباب ياعمي اليوم (بما أنه جمعة وصابغ شنبه)، في محاولةٍ منه أن يمتص غضبه، ثم ينظر له هذا المتقاعد بنظرات ازدراءٍ إشارة بأنه حاسب ولا يكثر
ما إن ينتهي بالحساب ثم يقول: حسابك ياعمي ٦٩٨.٩٨ .. ثم يقوم بركزِ نظارته علىٰ أنفه، مع انحنائة طفيفة لحاجبيه ويخرج هاتفه من الدرع، يفتح حاسبة جوّاله متجاهلًا المحاسب، والفاتورة! لايعترف بها: ثم يبتدي بسؤال المحاسب عن سعر كل سلعة، متجاهل أيضًا الزبائن الذين ينتظرون خلفه .. وطز فيهم
يتكدّسون العوام من الناس خلفه ينتظرون دورهم، وهو باقي عند السلعة الثانية التي لم يشملها العرض قائلًا للمحاسب: يوم انك تدري أن العرض مايشملها وشوووولووه تحسبونها لي!!! ياحراميّة!!!؛ يعتقد أن المحاسب هو "الصبحان" ملك التوقعات .. وش درّاه ياعمي
يُكمل الحساب لحين مايتطابق مع الفاتورة، ولم يتم حساب سلعته بالشكل المثالي إلا بعد صلاة المغرب من يوم السبت، ثم يخرُج وهو يشتم بكلمات غير مفهومة، ثم يأخذ بالالتفاتة يمنة وشمال؛ ليتأكد من عدم وجود أي رجل أمن ثم يقول: إييييه الله يرحم الملك عبدالله بس
ما إن يفتك هذا المحاسب من هذا النشبة، إلا يستقبل الزبون الآخر وهو مقطب الجبين؛ فيستقبله المحاسب بوجه طلق ثم ينظر له ويقول: ليش شايفني مهرّج يوم تضحك بوجهي!!!
وفي ظلِّ هذه الأمور، ورغم رواتبهم الزهيدة؛ التي بالكاد ترافقهم لمنتصف الشهر، تجدهم صابرين، محتسبين؛ مرهقين دون تذمُّر، كادحين دون ضجر، شامخين رغم المِحَن، يقنعون بقليل رواتبهم، وبالتواضع يتحلّون
ذات مساء رأيت أحد المحاسبين، وأمامه أحد المتقاعدين، ما إن انتهىٰ المحاسب من إصدار الفاتورة إلا ودفع له المتقاعد وذهب دون أن يتفوّه بأي كلمة!! بعدها نزل المحاسب نحو الأرض وسجد لله عز وجل ومرغ وجهه في موضع السجود فبكىٰ شكرا لله ..
- مسكين متعوّد يتهزأ منهم
- مسكين متعوّد يتهزأ منهم
أخيرا اتقوا الله في إخوانكم المحاسبين؛ فإنهم يمرون بمحن وبلايا، وفتن ورزايا، أعينوهم وادعوا الله لهم سرا وجهارا، ليلا ونهارا؛ فرسولنا عليه الصلاة والسلام يقولُ: "مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكىٰ منه عضو تداعىٰ له سائر الجسد بالسهر والحمىٰ"
فاللهمَّ احفظِ المحاسبين، وأمِّن عبادك المتقاعدين. انصر المحاسبين، ولا تذل المتقاعدين، ودمِّر أعداء الدين. اللهم انصُر إخوانَنَا المحاسبين فِي جميع فروع العثيم وبنده والتميمي؛ اضبط حسابهم، وبارك في جُهُودِهِم، وأبعد المكشّرين عن دروبِهم.
جاري تحميل الاقتراحات...