أ.د/الشريف حاتم العوني
أ.د/الشريف حاتم العوني

@Al3uny

13 تغريدة 147 قراءة Mar 08, 2020
أبي ! رسالة أرسلها إليك من عالمي الذي يقال له عالم الأحياء ، إلى عالمك الذي يسمونه بعالم الأموات ، ولعلنا في موت ، أمام حياتكم !
أبي ! أرسلها لك بعد أكثر من عشر سنوات على وفاتك !
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أبي العزيز ! هل تصدق أنني لم أفتقدك كثيرًا ، مع أني أشتاق إليك كثيرا ! لأنك تعيش معي دائما ، لأني أذكرك في كل وقت : فأنت معي في رضاي وغضبي ، في حلمي وثورتي ، في إقدامي وإصراري وعزمي !
أنت معي بحكمتك ، ورجاحة عقلك ، بفراستك الباهرة ، وذكائك الوقاد .
أنت معي بعينك التي لا يقرؤها إلا من أردت أنت أن يقرأها ، عمقا ودهاء وضبطًا للنفس .
أنت معي بابتسامتك النادرة ، التي جعلتنا نجد فيها سعادة تفوق سعادة ابتذال الضحكات .
أنت معي بقراءة المستقبل كأنما هو ماضٍ ، لقدرتك العجيبة على ترتيب الغايات على المقدمات .
أسمع حديثك دائما ، ما قلته ، وما لم تقله ، وأكاد أعلم ماذا ستقول لو كنت ستقول !! أو هكذا أتوهم !! من شدة حبي أن أعيش معك !!
أنت معي في بعض آرائي التي تغير اجتهادي فيها عما كنتُ عليه في حياتك ، كم كنت تقول لي في كثير من المسائل : يا بني ! لا يمكن أن يكون دين الله كما تقول !
فكنت أكتم انفعالي، وأجيبك بتغيّظ مكبوت: الدين ليس بالعقل، ولو كان الدين بالعقل لكان مسح باطن الخف أولى من ظاهره، كما قال جدّنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)!!فتحترم رأيي ، لا أدري .. أو ترحم جهلي!! أو تدرك أني سأذكرك يوما وأقول: رحمه الله! كان بعقله أعلم مني بكثرة قراءتي ودرسي!
أنت معي اليوم ، وأنا أواجه هجوما شرسًا ومحاولات يائسة لثنيي عن مواقفي أو تحجيم أثرها ، وأعلم أنك ستقول لي : امض لما أنت ماض ، ما دمت تظنه الحق ، فنحن قوم قد كُتب علينا الابتلاء بالحق على مر التاريخ .
قلت لنا مرات : قيل : «والنعم» ما هي بالهين ! يقصد : أن تكون مذكورا بالمكارم ، فلا يُذكر اسمك إلا قال الناس عنك : «والنعم» إلا بركوب الصعوبات ، ومواقف الرجولة لا تكون بالملذات ، والمروءات لا يستحقها إلا من صبر على الابتلاءات .
أذكر دمعتك التي لا تنفر من ألم ولا وجع ولا لشيء ؛ إلا لله ، أو عند ذكر قصص المروءات والمراجل ! كنت صغيرا ، فكنت أستغرب من عبرتك إذا سمعت أو حكيت لنا قصة من قصص الشجاعة والبطولة لأحد مشايخ العرب وأبطال البدو وفرسان القبائل ، فليس الموطن موطن بكاء ، بل موطن حماسة وفخر وإباء !
ثم كبرت ، ففهمتك ! لقد كنت تعشق تلك المروءات ، وتحن إلى هاتيك البطولات ! لقد كنت ترى فيها نفسك الأبية ، ترى فيها شموخ قلبك العربي الأصيل !
لم تكن عاطفيا معنا ، أبدًا ، لكن لا أدري ! لماذا استطاع حزمك وعقلك أن يشعرنا بدفء الأبوة منك ؟! كيف استطعت أن تشعرنا أن شدتك حب ، وأن هيبتك قوة لنا ، نحن أحوج إليها من صدر حنون ، وأن قسوة جوابك وجفوة نبرة صوتك وحدة نظرتك كانت هي الوطاء الخشن في الظاهر اللين في الباطن !!
أذكرك كيف ربيتنا أن لا نفخر بشريف النسب ، لكن أن لا ننسى واجب هذا النسب علينا ! وقلت لي مرة : نحن كغيرنا في الرخاء ، ولسنا كغيرنا في الشدة والضراء ، نحن كغيرنا في الحقوق ، ولسنا كغيرنا في الواجبات .
لقد عشت كريما ، ومت كريما ، وخلفت بعدك ذكرا كريما !
اللهم ارحم والدي الشريف عارف بن ناصر العوني برحمتك الواسعة ، واجعل الفردوس الأعلى مثواه ، واجمعنا به في رضوانك وأعالي جنانك !!

جاري تحميل الاقتراحات...