محمّد فروانه
محمّد فروانه

@MohdFarwana

10 تغريدة 72 قراءة Mar 09, 2020
ألَّف أحد أبرز فقهاء الأندلس كتاباً في الحب وأعراضه وأسبابه وعلاماته وصفاته وأحواله، فأصبح الكتاب من أشهر الكتب العربية والعالمية في الحب.. لكن، ما الذي دفع "شيخ دين" للكتابة عن هذا الموضوع؟ ولماذا قال "أعزك الله" عند تعريفه للحب؟
(١)
كان للإمام (ابن حزم الأندلسي) صديق عزيز قد ارتحل إلى ديار أخرى، وكان وفياً مخلصاً. أرسل هذا الصديق رسالة لابن حزم يسأله فيها عن الحب وأسراره وفوائده وأضراره، لأنه قد ابتلي به، وهو يعلم أن الإمام يدرك مضمون الرسالة لأنه سبق وأن مر بتجربة هزَّت فؤاده من قبل:
(٢)
تزوّج ابن حزم من محبوبته "نُعْم" واطمئن قلبه لها، فالزواج هو المآل الصريح للحب في الإسلام، وكانت تضيء له حياته، لكن هذا النور انطفئ مبكراً، وانتقلت إلى رحمة الله فجأة..
وكانت حادثة وفاتها قاسية على قلب الإمام
(٣)
كان ابن حزم يكتب في الفلسفة والأديان والشعر والفقه والأنساب والمنطق واللغة، ولم يرد طلب صديقه في الكتابة عن الحب.. فكتب ٣٠ فصلاً عن أسراره وعلاماته وأعراضه وأحداثه، وكان بارعاً في الربط بين الأشعار العذبة والقصص التاريخية والآراء الحكيمة
(٤)
أشهر تعريف للحب في الأدب العربي:
"الحب -أعزك الله- أوله هزل وآخره جِدٌّ، دقَّتْ معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تُدْرَك حقيقتها إلا بالمعاناة، وليس بمُنكرٍ في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل."
الإمام ابن حزم الأندلسي | كتاب طوق الحمامة
(٥)
ويوجد خطأ شائع وهو استهجان القارئ للفظ "أعزك الله" المذكور مع الحب، لأننا نستخدمه في أيامنا هذه عند ذكر منقصة أو مسبة أو غيره مما لا يليق بمقام المتلقي، فوجب الإيضاح:
المعنى يتغير في اللغة حسب السياق، والإمام كتبها في سياق الدعاء لصديقه، وقد ذكرها في مواضع غير الحب:
(٦)
في ختام رسالة ابن حزم فصلان عظيمان، "باب قبح المعصية" و"باب التعفّف"، حذَّر فيهما من الإستخفاف بالمعاصي والإعراض عن الطاعة وهتك الستر وارتكاب الكبائر، إذ أن العاقل يدرك حقيقة صراع العقل والنفس، ويتذكر قول الله تعالى:
( إن النفس لأمارةٌ بالسوء )
(٧)
أما عن تسمية الرسالة بـ "طوق الحمامة" فقد اختلف فيه الناس، والبعض قال بأن السبب هو أن الحمامة كانت وسيلة انتقال الرسائل بين المحبين، والطوق الذي في عنقها يميّزها عن غيرها كما يتميز هذا الكتاب عن غيره في الجمال..
(٨)
معظم مؤلفات الشيخ قد فُقدت، فالحمدلله الذي حفظ هذه الرسالة؛ وقد وجدها أحد المستشرقين، فأدرك أنها مخطوطة ثمينة فاعتنى بها وأوصلها إلى احدى الجامعات.. وما أكثر الكتب القديمة التي أحرقت وفقدت.
أرجو أن نعثر على المزيد من الكتب التراثية التي لم تصل إلى مكتباتنا بعد.
(٩)
غفر الله لابن حزم الذي خلّد لنا هذه الرسالة المتزنة، والتي نقرأ فيها عن الحب دون إسفاف أو تسطيح، وبلا ابتذال ولا تكلّف، فلم يخلط بين ميل القلب الطبيعي والسلوك الذي قد يتبعه، أو بين الحب والشهوة، أو بين التعفّف المحمود والجفاف الشعوري..
وأعان الله المحبين على ما هم فيه.
(النهاية)

جاري تحميل الاقتراحات...