عبدالرّحمٰن
عبدالرّحمٰن

@a6dulrahmann

14 تغريدة 37 قراءة Mar 01, 2020
يوم السبت يومٌ عسِر، والجميع يتفق على ذلك؛ لهذا قررت الوالدة أنه يكون هو يوم اجتماع عائلتنا؛ لكسر الرتابة والملل، ولترى إخوتي وأحفادها، فتستكين وتطرَب؛ أما بالنسبة لي، هو يوم أُشبّهه بيوم الحشر؛ حيث ينال الناس فيه من الشدائد ما ينالون، أحداث وأهوال يوم القيامة أراها أمامي يا إخوة
فقبل اليوم الموعود للقيا الأحفاد والأولاد، تعدّ والدتي ألف أنشودة فرحٍ، وألف ابتهال شكرٍ رفَعته للواحد القهار، تذهب إلى السوق، تشتري من الثياب أحلاها، تنطلق إلى محل الألعاب وتنتقي أغلاها، تهرع إلى بائع الحلوى وتشتري حتى تمل، ثم يأتونا كالأفواج صفًّا صفًا؛ فتُدك أرضنا دكًّا دكًّا
ما إن يتم وصولهم إلا وتقع الواقعة والقارعة، وتجيء الصَّاخَّة والطامَّة، يأتون كأنهم جراد منتشر، بحالة سُعُر، يتدافعون، حفاةً غير منتعلين، يُدمّرون كل ماوصلت أيديهم إليه، يعثون بالمنزل خرابًا حتى يغدو كحقل ذُرة هاجمته الغربان، فمنهم من يبلغ العرق منكبيه، ومنهم إلى شحمة أذنيه
يتراكضون، يُهرولون، يسقطون، ينهضون ويركضون مرةً أخرى، ومن لم يَستطِعِ النهوض، فإنه يسير على ركبتَيه، يندفعون مدججين بالشوكولاتة، وقد تلطّخت أفواههم بها، لا يدرون أين يسيرون؟ وإلى أين يتَّجهون؟ هم دومًا هكذا يركضون، لا تقفُ أقدامهم عن الركض إلا حين يُتعِبُهم المسير، ويغلبُهم النوم
وإذا استيقظوا ركضوا مرةً أخرى، لا شيء يُوقِفُهم، يركضون في الليل والنهار، وفي البَرْدِ والحرِّ، وفي الجوع والشِّبَع، كلُّ شيء يحفزهم ويدفعهم لمزيد من الركض، لا ينجزون شيئًا؛ لأنهم لا يعرفون إلا الركض
ثم أجد إحدى أخواتي تحمل أسلحتها تطاردهم؛ تحمل صندلها في يدها، تحاول استتباب الأمن دون جدوى، ثم تقول جملة الأمهات الشهيرة: "أسكتوا وإلا ما أصير أمكم" ثم تُدك أرواحهم بكاءً، فترجف بهم الراجفة، وتتبعها الرادفة .. الأغبياء مصدّقين
يقتحمون أكتاف الجدّة، وقد تسمّروا عليها كالطيور، يُقبّلون رأسها، وأيديها، وأرجلها، فتدخل في نفسها سعادة لاتقُدّر بثمن، تروي لهم الحكايات، ثم يشدّون بعض من خصلات شعرها لحين ما أن تنقشع بأيديهم، وهي تضحك بملء فيها! قائلة: "يابعد حيي أنتَم ولعبكَم" بفتح التاء والكاف
ثم تأتي إحدى الحفيدات حاملة بأيديها المكياج، ومصفف الشعر، تستشور شعر جدّتها بطريقةٍ عكسيّة؛ لحين مايصبح كالعهن المنفوش، ترسم أحمر الشفاه عليها، تُلطِّخ وجهها دون احتراف ولا سابق خبرة لحين مايُخيل لك أنها "الجوكر" وليست د.العنود
ثم يأتي والدي صاحِب القلب الكَبير، الذي أعجزُ أنا وكَلِماتي عنهُ بالتعبير، فعندما يراهم يرقُّ قلبه، يضمهم لأحضانه، فتهدأ نفسه، ويسكن فكره، يُلاعبهم ويُلاطفهم للحظات، ثم يذهب وقد تركوا على وجهه بعض الخدوش وطبعوا آثار الكاكو على ثيابه، ورغم ذلك يذهب مبتسمًا!
والنكبات ليست دائمًا حربًا، والمستعمر ليس دائمًا مرتزقة، فإذا أوى الفتيةُ إلى كهفي، أدخل بعدهم ألملم شظايا أشيائي المبعثرة؛ أُقلّب نظراتي الخامدة في حسرة ولوعة باحثا عن الأشياء المفقودة .. سرر مقلوبة، وأكواب موضوعة، صحفا مطهرة، وكتبٌ قيمة، سراويلي الداخلية القصيرة، بل حتى الطويلة
كنت في أحد الأيام متأنق لأحد المناسبات، فخرجت وشاهدتهم أمامي مرتصّين كالبنيان، فأقبل علي أحدهم فهربت، كانت نُذر الكارثة تلوح لكلّ ذي بصيرة؛ ظنوا أني أريد ملاعبتهم، فظلوا بملاحقتي، يلهثون مخرجين ألسنتهم، فقبضوا علي، تخطفتني أيديهم رغبة بتقبيلي؛ فاتسخ ثوبي، وتدمّرت غترتي، وشُج وجهي
"ماذا يَملِك العاجزون سوىٰ الصمت، وقد حلَّ الحزن في زوايا أرواحهم المتعَبة؟"
أما الكبار من الأحفاد، تجدهم متسمّرين علىٰ هواتفهم، تحسبهم رقودًا وهم أيقاظ؛ يلعبون ببجِي، تسحب منهم الهواتف، فيخلف ذلك صرخات منهم ترجّ صرح المنزل، صرخات تَميد من هَولِها الجبالُ كأنَّها صيحة الموت، لو سمعهم إبليس لولّى منهم فرارا، ولملئَ منهم رعبا
هم الآن في بيتنا، عملوا في جدّتهم وجدّهم ماسبق تم كتابته؛ فمنعتهم بالإجبار؛ لكنّي الآن منزوي أتحسَّس مواضع من جسدي، بعد عقوبة الضرب المبرح التي نلتها من والدتي؛ لأني أردت حمايتها من أحفادها فقالت: وش نوحك عليهَم، يوم أنك كبرهَم تراك كنت راثعن بنا ??

جاري تحميل الاقتراحات...