بُسْتَانُ العِلم
بُسْتَانُ العِلم

@Taleb_Elm

31 تغريدة 1,012 قراءة Feb 29, 2020
سلسلة تغريدات بعنوان:
" الوسطية المُفترى عليها "
هذا المصطلح الذي طاله الكثير من التشويه في الآونة الأخيرة.
١- الحمدلله القائل: ﴿وكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطَاً﴾ والصلاة والسلام على رسولنا محمد ﷺ، أما بعد:
فقد انتشر في الآونة الأخيرة كثرة استخدام مصطلح (الوسطية والاعتدال) وتم ترويج كثيراً من الغُثاء تحت هذا المصطلح من أمور تُصادم الشريعة والكثير من الأدلة الصحيحة والصريحة.
٢- وبسبب غياب المعنى الصحيح للوسطية عاد الناس بين مُفْرِط ومُفَرِّط، وضاعت معالم الدين، وفُقد التّنزيل الحقيقي لنصوص الشّرع على الواقع، فَطَفَا على السطح شرذمة في ثوب من العقلانية جديد، يزعمون الوسطية في الفكر، والاتّزان في الاعتقاد، وينسبون أنفسهم أنهم هبة من الله ﷻ لهذه الأمة!
٣- وقد التبس على كثير من الناس المعنى الحقيقي للوسطية بسبب كثرة الحملات الشرسة والممنهجة على الإسلام. مع أن الوسطية خط رسمه الله ﷻ وحسم أمره فقال: ﴿وأنّ هذا صِرَاطِي مُستَقِيماً فَاتّبِعُوه﴾ لذلك قال: ﴿فاسْتَقِمْ كما أُمِرْتَ﴾ فلا تأخذ يميناً فتغالي فيه ولا شمالاً فتنسلخ منه
٤-وأكبر خطأ الباحثين عن الوسطيةبحثهم عنها بين تيارات الطوائف وليس بين الأدلة. ومن فعل ذلك يضل عن الوسطية بلا شك. فقد تكون هذه الطوائف كلها على ضلالة. والوسطية رسم معالمها الوحي وليست لكل من نزل بين فكرين أن يجعلها وسطية فيتتبع منازل المختلفين ليتوسطهم فتلك وسطيته لا وسطية الإسلام
٥- والكثير في هذه الأيام يظن أن الوسطية هي أن تقف على قَنْطَرة بين الملتزمين والمنسلخين، فتراهم ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ﴾ وهذا بلا شك خطأ ! فميزان الوسطية هو ما قاله النبي ﷺ:
(مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ اليَوْم وَأَصْحَابِِي)
٦- فليس معنى الوسطية أن تقف بين أهل الدين وأهل الإنحلال وتظن أنك وسط بينهما. فلو كانت الوسطية تعني التوسط بين تيارين لكان منهج أبي طالب وسطية بين قريش ومحمد ﷺ
وإنما الوسطية الحقيقية هي اتّباع الوحي، حتى لو كنت وحدك. فمحلّها في رضا الله ﷻ عنك لا في اجتماع الأطراف والتيارات عليك
٧- وما أحسَن ما قرّره الإمام #ابن_عثيمين رحمه الله بقوله:
"الوَسَط في الدِّين أن لا يَغلو الإنسان فيه فيتجَاوز ما حَدّ الله عز وجل؛ ولا يُقَصِّر فيه فينقص عمّا حد الله سبحانه تعالى. والوسط في الدّين أن يتَمسّك بسيرة النبي ﷺ، والغُلو في الدين أن يتجاوزها، والتّقصير أن لا يبلغها"
٨- قال #ابن_القيم:
"والدين كله بين هذين الطرفين -التقصير والمجاوزة- بل الإسلام قصد بين الملل، والسنة قصد بين البدع، ودين الله بين الغالي فيه، والجافي عنه"
وقال:"ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان؛ إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو، فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين"
٩- فالواجب على الإنسان أن يُبصر مَوضع قدميه، هل هما على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه أم لا ؟ من غير غُلو ولا إجْحاف، فديننا لا غلو فيه ولا تفريط. فالغلو محرم في دين الله ﷻ لكن البعض أفرط في محاربة الغلو حتى تولّد لدينا مجتمعاً لا يعاني من الغلو بالقدر الذي يعاني فيه من الإنسلاخ.
١٠- وكثير من الكُتّاب ووسائل الإعلام أسرفوا في باب محاربة الغُلو ومرادهم من ذلك أن ينشأ الإنسلاخ تحت مظلة محاربة الغلو. وهذا ما لم يفطن له كثير من الناس. فإن الغلو في إنكار الغلو لا يقل خطراً عن الغلو في ذاته، لأن أخطر أساليب المنسلخين استغلال ذلك في هدم الدِّين وتشويه المُعتدلين
١١- ومن نظر إلى مسألة الغلو بعينه من غير أن يُعير بصره وبصيرته لوسائل الإعلام فإنه سيجد أن الأمة في الحقيقة تعاني من الإنسلاخ ولا تعاني من الغلو.
• فإن كان الذين فَجّروا أنفسهم في عمليات انتحارية بالعشرات، فإن الذين يسافرون إلى بلاد الكفر للفسق والسياحة وشرب الخمر بمئات الآلاف!
١٢- ومن نظر بعينه إلى الواقع فسيجد أيضاً أن:
• الذين في الشوارع والطرقات في أوقات الصلوات أكثر من الذين في المساجد بأضعاف مضاعفة !
• والذي يُكفّر مسلم بغير حق في الإنترنت وغيره من وسائل الإعلام، يُقابله أقوام أدخلوا اليهود والنصارى في دائرة المؤمنين وادّعوا أن أديانهم صحيحة !
١٣- والعقل يصاغ بالمؤثرات كما تصاغ المعادن بالطَرْق. فلو تواطأ ١٠ أشخاص على شخص أن يشككوه في اعتدال خلقته وأتى كل واحد منهم في وقت مختلف وبتعبير مختلف لصدّق قولهم أنه كذلك!
فكيف بعقول تُضرب بسياط الإعلام ليل نهار على مدى أعوام يشككون الناس بدينهم وأن كثير من تصرفاتهم من الغُلو !
١٤-ووسائل الإعلام تستدرج كثير من العلماء في كل مناسبة. فإن تكلموا في الصلاة أدرجوا فيها الغلو، وإن تكلموا في الطهارة تكلموا في الغلو، وغيرها. ثم تبرزها الصحافة بخطوط عريضة حتى أصبح كثير من الناس من كثرة الطَرْق على مسامعهم محاربة الغلو، ينظرون إلى سمت الآخرين أنها من تصرفات الغلو
١٥- فالتمسك بكتاب الله ﷻ وسُنة نبيه ﷺ أصبح تشدداً، والتنازل عنهما أصبح اعتدالاً وانفتاحاً وتعايشاً ووسطية.
انتكست المفاهيم، وحُرِّفَت المصطلحات.
فأصبح الاختلاط اسمه بيئة عمل ودراسة، والتّبرج والسُّفور اسمه أناقة، والعلاقات المُحرّمة اسمها صداقة، والمنكرات والمجون اسمها ترفيه!
١٦- وتسمية المحرمات بغير اسمها للوصول إلى تحليلها ليست وسطية، بل هي من أساليب أحبار اليهود. وهذه المسميات لا تغير حكمها عند الله ﷻ
فالتي تظهر للعلن متبرجة بكامل زينتها ويسمونها:
(ممثلة، إعلامية، ميك أب آرتيست -خبيرة تجميل-، فاشينيستا)
مسماها الشرعي واحد:
فاسقة ، مرتكبة كبيرة
١٧- وهؤلاء لا يرون ما هم منغمسين فيه من وحل الكبائر
يقول أنس:
(إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات)
قال ابن مسعود:
(إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا)
١٨- وإن أمرتهم بالمعروف وذكّرتهم بالله ﷻ قالوا عنك:
"مُتخلف، رجعي، لم تُواكب التطور"
وإن نهيتهم عن منكر، قالوا عنك:
"مُتشدد، عليك بنفسك، دع الخلق للخالق"
وهذه من أقبح الردود وأشنعها !
قال رسول الله ﷺ:
{وأبغض الكلام إلى الله أن يقول الرجل للرجل: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك}
١٩- وقد انتشرت ظاهرة الدعوة إلى مُوالاة الكافرين على أنها وسطية؛ تحت مسمى التسامح والإنسانية وتقارب الأديان، متجاهلين قول الله ﷻ ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ فهذه ليست وسطية، بل هو من النفاق وعدم الإيمان بالله ﷻ ﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء﴾
٢٠- فالكافرين بالله ورسوله يجب بغضهم والبراءة منهم لا محبتهم، والله ﷻ يقول: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾
وقال ﷻ: ﴿بشّر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ۝ الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا﴾
٢١- قال رسول الله ﷺ:
(أوثق عُرى الإيمان: الموالاة في الله، والمُعاداة في الله، والحُب في الله، والبُغض في الله)
فأهل الإيمان والاستقامة تحبهم حبا كاملا، وأهل الكفر تبغضهم بغضا كاملا، وصاحب الإيمان العاصي تحبه على قدر ما عنده من الإيمان والإسلام وتبغضه على قدر ما عنده من المعاصي
٢٢- ومن أخبث أساليب الذين يدندنون حول وتر الوسطية محاولين تنحية حقيقتها عن أذهان الناس، أنهم يُمررون المحرمات تحت مظلة "التيسير على الناس" ويقولون الدين يُسر وأن النبي ﷺ ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
وهذه من أخبث أساليبهم، أنهم جعلوا يُسر الدين قاعدة للتفريط والإنسلاخ.
٢٣- واليُسر هو تطبيق الأحكام الشرعية كما جاءت في كتاب الله ﷻ وسنة نبيه ﷺ، من غير تشدد يحرم الحلال، ولا تميّع يُحلّل الحرام.
ومن اليسر:
*المريض يفطر
*المسافر يقصر الصلاة
*من لم يجد ماء يتيمم
أما حضور الحفلات الماجنة واختلاط العمل والتبرج بحجة يسر الدين فهذا افتراء على الله ﷻ
٢٤-وليس من الوسطية واليسر تتبع رخص العلماء والأخذ بالأسهل. فهذا تنصل من التكاليف الشرعية.والواجب على الشخص أن يختار من الأقوال أرجحها من حيث الدليل إن كان أهلا للنظر والموازنة، وإن لم يكن فعليه أن يقلد أوثقهم في نفسه علما ودينا وورعا. لا أن يأخذ أيسرهم ويظنه حجابا بينه وبين النار
٢٥-ونحن في زمن ظهر فيه الكثير ممن ينتسب للعلم متصدرين شاشات التلفاز، يبيحون للناس أمور عِظام، وهؤلاء قد باعوا دينهم ﴿بثمن بَخسٍ دراهم معدودة﴾
يقول الإمام #ابن_عثيمين:
"إننا في عصر كثر فيه المتكلمون بغير علم، ولهذا يجب على الإنسان ألا يعتمد على أي فُتيا إلا من شخص معروف موثوق"
٢٦-وإذا ضعف وازع المرء الديني وقل علمه الشرعي، ألفت نفسه بعض المحرمات بحجة أن فيها خلاف، فيرى أن منعها تشدد لايناسب الزمن، فيرتكبها، ولايزال كذلك حتى يجعل المحرم قرين المباح، ثم يُطمَس على قلبه حتى يرى أن ليس للحرام أصلا يُعتد به. وهؤلاء كما قال ﷻ ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾
٢٧-ومن آفات هذا الزمان الذي نعيشه، أن تَرَ شخص ظهر للناس على أنه:
ممثل، شاعر، فنان، فكاهي، يحكي قصص التاريخ
ثم إذا تابعه الآلاف من الأشخاص بدأوا يسألونه عن آرائه في الدين!
فيفتنونه بكثرتهم ويفتنهم بإجاباته الخاطئة!
فيبدأ يهرف بما لا يعرف، ثم يأخذون أقواله حجة، وهذا هو الزّيغ!
٢٨- قال التابعي الجليل عبدالرحمن بن أبي ليلى:
"أدركت في هذا المسجد مئة وعشرين من أصحاب رسول الله ﷺ ما أحد يُسأل عن حديث أو فتوى إلا ود أن أخاه كفاه ذلك، ثم قد آل الأمر إلى إقدام أقوام يدّعون العلم اليوم، يقدمون على الجواب في مسائل لو عرضت لعمر بن الخطاب لجمع أهل بدر واستشارهم"
٢٩- فلا تدع أهل الأهواء يعلموك ما هو الاعتدال وما هي الوسطية. فهذه المسألة قد حُسِمَت بأنها ماكان عليه النبي ﷺ وأصحابه. فعليك بالأمر العتيق، واللهَ اللهَ بالثبات والصمود، أجركم لن يضيع، وما جزاء الصبر على هذه الدنيا إلا ﴿جَنّةٍ عَرضُهَا السّمَاواتُ والأرضُ أُعِدّتْ للمُتّقِين﴾
٣٠- ونحن في زمن انتشرت فيه الفتن، فادع لنفسك بالثبات وقل: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾
ولا تغتر بثباتك واعلم ﴿أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾
وعليك بدعاء نبيك ﷺ:
"يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك"
قال حذيفة:
«ليأتين على الناس زمان لا ينجو فيه إلا من دعا كدعاء الغريق»

جاري تحميل الاقتراحات...