١-فلنقرأ معا حكاية هذا الرجل الذي قالوا عنه إنه "أبو العلم الحديث"وقالوا إنه المجدد الأكبر للإنسانية،ولكن في زمنه حاربوه وكفَّروه، وقالوا إنه وضع نظرية تخالف ما جاء في التوراة والإنجيل،ولذلك فهو مهرطق! هذا هو العالم الإيطالي الشهير "جاليليو" الذي قرأنا عنه في كتب التاريخ المدرسية
٢-تعرفون أنه ولد قبل أربعمائة عام،وأخالكم تعرفون قليلا من قصته ولكن لا بأس من أن نتناول تلك القصة من منظور الصراع القائم بين الجديد والقديم،أو التراث والتجديد.لم يكن في إمكان جاليليو أن يجدد القديم، لأن القديم كان قد ابتني على أساس فاسد
٣-إنما كان مبتغاه تغيير القديم ووضع منظومة معرفية جديدة مختلفة عن المنظومة القديمة، ولكن ليس كل ما يتمناه جاليليو يدركه، وتأتي الرياح بما لاتشتهي كل السحب التي تطير فوق سماء إيطاليا، والفاتيكان ليس هو البيضة التي يمكن أن يتم كسر قشرتها بسهولة،فكان أن تم كسر بيضة جاليليو وإسكاته
٤-وها هي قصته.ذات يوم قرأ جاليليو نظرية العالم البولندي"كوبرنيكوس"الذي كان قد مات قبل مولد جاليليو بعشرين عاما،وكانت نظرية كوبرنيكوس تدور حول أن الشمس هي مركز الكون وأن الأرض مجرد جرم سماوي يدور حول الشمس،وكانت هذه النظرية عكس المعتقدات الدينية السائدة التي تعتبر الأرض مركز الكون
٥-وأضاف كوبرنيكوس في نظريته أن الأرض تدور حول نفسها،وأن القمر يدور حول الأرض، ووضع نظريته هذه في كتابه الشهير "حول دوران الأجرام السماوية" ولأنه كان يخاف من سطوة الكنيسة لذلك أوصى أن لا يتم طرح كتابه هذا إلا بعد وفاته، وهو الأمر الذي حدث فعلا.
٦-صديقنا جاليليو كان يعيش في إيطاليا،وكان قد شغف بعلوم الطب والفلك والفيزياء،وبرع في صناعة المناظير،وعندما قرأ كتاب "كوبرنيكوس" وضع ماقرأه موضع التجريب،ونظر بمنظاره للقمر والأجرام السماوية،وعرف من خلال تجربته صحة ما وصل إليه كوبرنيكوس، فأخذ يدافع عنها وينشرها في الأوساط العلمية
٧-بل إنه كان قد عرضها على بعض الأساقفة في الكنيسة الكاثوليكية ولم تلق اعتراضا منهم في البداية،ولكن هذه النظرية التي يدافع عنها جاليليو والتي استطاع أن يقيم البراهين عليها تخالف ما استقرت عليه الكنيسة،إذ كانت نظريات الفلكي المصري ـ اليوناني بطليموس هي التي تم اعتمادها في الكنيسة
٨-وتدور حول أن الأرض ثابتة وكل الأجرام السماوية تدور في مساراتها،واعتبرت الكنيسة الكاثوليكية أن هذا الرأي هو الذي يوافق الإنجيل ويتفق مع آياته.وإذا ببعض الحانقين على جاليليو والمبغضين له يتقدمون بشكوى ضده أمام الكنيسة لتنعقد محكمة تفتيش لمحاكمته على تلك الهرطقة
٩-وأصبحنا الآن في مواجهة بين الجديد الذي لم يألفه الناس ولم تتعود عليه الكنيسة في تعاليمها،وبين التراث الديني المستقر عليه في أفهام رجال الدين جيلا بعد جيل،وكأننا نسمع آل فرعون وهم يقولون لموسى وأخيه هارون :"قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا"
١٠-وتمت المواجهة، واستطاع جاليليو إثبات صحة نظريته، ولكن لا أذن تسمع ولا عين ترى،إنما الحق عندهم ما قاله بطليموس بعد مائة عام من الميلاد، والذي اعتبرته الكنيسة دينا لا يجوز مخالفته.أمجنون أنت يا جاليليو؟!هل تفهم أكثر من رجال القرن الأول الميلادي والذين كانوا أقربا عهدا للمسيح
١١-أوصل بك الأمر أن تقارن نفسك ببطليموس وتقول هم رجال ونحن رجال؟! أو أنه توافر لديك ما لم يتوافر له وهو العالم النحرير في علوم الفلك؟ ولأنك تريد أن تجري تغييرا على التعاليم الكنسية القديمة التي تنطق بلسان الله،وتُعبِّر عن مراده،حكمنا عليك بالسجن لارتكابك تلك الهرطقة.
١٢-مسكينٌ أنت يا جاليليو وبائس أنت يا من كل يفكر بشكل غير اعتيادي، ولكن في اليوم التالي مباشرة رأت الكنيسة تخفيف الحكم إلى تحديد إقامته في بيته بحيث لا يغادره أبدا، ومنعه من الحديث عن نظريته بأن الأرض ليست هي المركز أو أنها تدور حول الشمس والقمر يدور حولها
١٣-كلهم قالوا إنها نظرية جوفاء خرجت من مهرطق سابق هلك ومات هو كوبرنيكوس، وسيلحقه هذا المهرطق، وستبقى الأرض ثابتة لا تتحرك رغم أنف من يريدون تحريكها،ومنذ أن تم تنفيذ الحكم اعتكف جاليليو في بيته وحافظ على عدم نقاش مسألة دوران الأرض إذ لو ناقشها أو دافع عنها سيفقد رقبته تحت المقصلة
١٤-واكتفى جاليليو في بيته بدراسة حركة أقمار "المشترى".وفي عام 1983 قدمت الكنيسة اعتذارا لجاليليو،وفي عام 2008 أقاموا له تمثالا في الفاتيكان،ولكن التاريخ ظل يحمل قصته وينقلها للأجيال،ويقول لنا هل يمكن أن تتعظوا من تلك القصة وتعرفوا أن أفكاركم ليست هي الدين،وما أنتم إلا بشر
جاري تحميل الاقتراحات...