خالد عاذي الغنامي
خالد عاذي الغنامي

@kalghanam

34 تغريدة 140 قراءة Feb 27, 2020
1-سأغرد اليوم عن الفيلسوف اليوناني/الليبي أرسطبوس القورينائي عاشق اللذة, وعن المدرسة الهيدونية التي أسسها.
2-كان أرسطبوس فيلسوفاً من تلاميذ سقراط. رجل من أهل قورينة - في مقاطعة برقة بليبيا - التي كانت تحت حكم اليونان. وتعرف مدرسته باسم الهيدونية, أي مذهب اللذّة Hedonism. هذا الرجل هو أول من ادعى أن معاصره أفلاطون قد شوّه صورة سقراط وأن بينهما اختلافاً كبيراً.
3-لا ندري على وجه اليقين, هل كان هناك فرق بين سقراط الذي لم يكتب قط وبين سقراط الأفلاطوني الذي نراه بطل كل المحاورات التي كتبها أفلاطون, لكننا نعلم على وجه اليقين أن هناك اختلافاَ عميقاً وغائراً بين أرسطبوس وأفلاطون.
4-. في هذا الاختلاف, إشارة إلى صدق المقولة "سقراط ترك خطوطاً عريضة أكثر من اللازم بحيث اختلف التلاميذ في تفسير مقصوده بالخير الأسمى, فصار كل واحد منهم يفسرها حسب ميوله أو فهمه".
5-مذهب أرسطبوس يقوم على إن اللذة الراهنة هي أساس السلوك, وهي الخير الأسمى الذي تحدث عنه سقراط, اللذة هي المحور الذي يدور حوله كل شيء.
6-اللذة هي القاعدة التي تسير عليها الحياة والمشاعر المسيطرة على النفس في لحظة معيّنة.
7-إنْ رغبنا أن نكون واقعيين, فلا بد من الإقرار بأن هذا التقرير لا يخلو من الصحة, فأنت ترى من نفسك أنك تكون متكئاً على مرفقك الأيمن ثم تتحول لتتكئ على الأيسر لأنك شعرت بألم يسير من ذلك الاتكاء, وأنك تُبعد يدك عن النار عند أدنى شعور بحرقها,
8- وأنك قد لا تقاوم الاستزادة من الطعام اللذيذ برغم شعورك بالامتلاء, وكأن حرصك على اللذة وفرارك من الألم, يأسرك ويتحكم فيك.
9- يرى أرسطبوس أن السعي لتحصيل اللذة أو للتحرر من ألم ما, ينبغي أن يكون للذّة ذاتها, وليس لسبب آخر. إنه المحامي الأول عن اللذة الحسية, وهو هنا يلغى كل واعز أخلاقي نعرفه, بما في ذلك صوت الضمير أو الدين أو الروح.
10-. إلا أنه يرجع قليلاً عن هذا التطرف فيقول إن اللذة التي يعقبها الألم ليست بلذة, بل هي شيء مذموم. بعد ذلك يعود فيقرر أن قاعدته هذه, تنطلق من ضرورة نفسية, نخضع لها قسراً, ثم يخلص إلى أن اللذة هي الغاية من الحياة وهي الخير الأسمى The Greater Good.
11- وأن واجب الإنسان العاقل هو الطلب الدائم للذة والعبّ منها ما استطاع لذلك سبيلا, ما دام أنها لا تتحول لألم. من هنا كان داعية للسباحة في متع الحياة, بغرض أن تكون اللذائذ في حياة الفرد أكثر من الآلام, فاللذة والألم يشكلان دستور الحياة الإنسانية.
12-هكذا لا يوجد واجب أخلاقي على الإنسان,سوى هذا الواجب الذي قرره هذا الفيلسوف غريب الأطوار.الخير هو اللذة,والشر هو الألم, هكذا باختصار وحزم, حسم المسألة بحيث جعل اللذة هي الأصل والمركز الذي تدور السعادة والخير والحياة كلها حوله, وبحيث يُحدد مقدار تحققها, ما في الأشياء من خير وشر.
13- لكل ذلك, وجدناه في كل آراءه, قريباً من الحس المباشر, فهو يرى مثلاً أن علم الرياضيات أدنى منزلة من الصنائع اليدوية, لأنها لا تنفع الإنسان العادي نفعاً مباشراً محسوساً.
14-هذا يؤكد صلته بأستاذه سقراط , فكلاهما أعرض تمام الإعراض عن دراسة الطبيعة, مكتفياً بتركيز جهده على الأخلاق ethica "علم الحياة السعيدة" إلا أن ما نعرفه من سيرة الرجلين يجعلنا نميل إلى أن دوافعهما لهذا الإعراض, تختلف.
15-منطق فلسفة أرسطبوس, ولكل فلسفة منطق, يقوم على نظرية تقول إن الإنسان يتحرك دائماً, وفي صورة قياسية مطردة, باتجاه التحصيل المستمر للذة. أما نظريته الأخلاقية فتؤسس لحق الإنسان – طبيعة وعقلاً – في أن يتحرك لتحصيل اللذة, أو لكي تترجح مساحة اللذة في حياته على مساحة الألم.
16-ينبغي أن نلاحظ, أن أرسطبوس يتحدث عن اللذة ويقصد اللذة الحسية بالدرجة الأولى, أما اللذة المعنوية التي نحصّلها من المعرفة والثقافة, بل ومن الفضيلة, فهي ليست سوى وسائط, وسائط نصل من خلالها للذة المطلقة, وليست غايات في ذاتها.
17-هكذا تنحصر فائدة الفضيلة عنده, في أنها تمنع الإنسان من الإفراط في الانفعالات التي تؤدي للألم, هذا هو الدور الضئيل الذي تخيله للفضيلة. وهكذا يكون قد وضع النص الأصلي لفكر الهيدونية.
18-يبدو لي أن ما سردته هنا, يكفي في تصور مذهب أرسطبوس, ويُغني عن الاستمرار في استقراء تفاصيل فلسفته وقصصه المخجلة, وقد أعرضت عن تفاصيل كثيرة هي أكثر غرابة, تتعلق بسيرته الشخصية وكيف عاش. إنها فلسفة كما ترى , لا تبقي مجالاً لوازع ديني ولا لواجب أخلاقي يعود بالمنفعة على المجتمع.
19-لقد تأثر أرسطبوس بفكر سقراط في تسليط الضوء على حياة الإنسان الفرد و رفاهه, هذا واضح. إلا أن التأثير الأكبر عليه وخصوصاً في نظرية المعرفة, جاء من بروتاغوراس السفسطائي, وتقريره الخطير بأن الإنسان معيار كل شيء, وقد كان أرسطو يعد أرسطبوس في السفسطائيين.
20-ولا يعدم أرسطبوس تأثراً بديمقريطس ,من جهة أن الأخير يؤسس لنظرية مادية حسية. ينبغي أن نسجل هنا من الناحية التاريخية, أن أرسطبوس قد تعرف على السفسطائيين وتأثر بهم, قبل أن يتتلمذ على سقراط, والبنية الأولية "أو الحب الأول إن شئت" يكون لها أعمق الأثر على سيرة المفكر العقلية.
21- أما تأثيره هو, فقد كان عميقاً فيمن جاء بعده, عاد مذهبه بعد موته مع أبيقور "النسخة المنقحة من أرسطبوس", على خلاف في التفاصيل بينهما, وفي مدرسة الإسكندرية الفلسفية, وفي الفلسفة الرواقية التي كانت مشغولة بتخليص الإنسان من الألم.
22-وأخذ يترحّل بين العصور مروراً بتوماس هوبز الإنكليزي الذي اصطبغ المذهب معه بصبغة أكثر أنانية وتطرفاً, حيث يقرر هوبز أن "الإنسان ذئب أخيه الإنسان", يظهر هذا في أهم كتبه " التنين ".
23-تحور فكر أرسطبوس في قرن آخر مع الانكليزي جيريمي بنثام حيث أكتسب مذهبه صفة قانونية في نصوص بنثام المليئة بالمواد التشريعية,إلا أنه أطّر مذهبه بمطالبة الفرد بأن يسعى لتحقيق المنفعة على أساس من اللذة النفسية,وذلك من خلال حرص الفرد على السمعة الطيبة وكسب الصداقة واحترام المجتمع
24-بمعنى أنه طالب بتجاوز بعض اللذات الأنانية لتحقيق منفعة اجتماعية يعود نفعها على الفرد في نهاية المطاف.
25-يعتبربنثام, ومن بعده جون ستيوارت مل , الفيلسوفان اللذان حوّلا هذا المذهب, من كونه مذهب اللذة الفردية ليصبح مذهب المنفعة العامة utilitarianism وقد سعيا في بحوث متعددة إلى التحوّل عن قصر النفع على النفس ليكون المذهب لمنفعة لكل البشرية وكل الكائنات الحساسة, بحسب ما يكون نافعاً.
26-لن نجد صعوبة في أن نرى ملامح مذهب أرسطبوس واضحة في الفلسفة الذرائعية الأمريكيةعند تشارلز بيرس ووليام جايمس وجون ديوي حيث التمثيل الأوضح للواقع الأمريكي, مجتمع المهاجرين الذين هاجروا للأرض الجديدة بحثاً عن مستقبل أفضل بخط فكري جديد لا يهتم بما هو حقيقي بقدر ما يهتم بما هو نافع
27-كيف فعلوا ذلك؟ لقد جعلوا المنفعة معياراً للحقيقة. فكل شيء في الوجود يحكم عليه بأنه حقيقي وصائب أو غير حقيقي وخاطئ بمقدار ما يحققه من المنفعة, وليس بسبب شيء في ذاته. هذا معناه أن الوصول إلى الحقيقة لم يعد مطلباً كما كان عند الفلاسفة الأوائل
28-وعندما يجري الاستفتاء في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم على قضية ما, فمعيار الخطأ والصواب هو فقط في مقدار ما يحققه هذا الفعل من منفعة أو ضرر لأميركا, وليس لأي لسبب آخر
29-وقد تفرّع مذهب أرسطبوس, لمذهب المنفعة الاقتصادي ومذهب المنفعة السياسي وغيرها, ثم جاء البريطاني هربرت سبنسر بمذهب المنفعة التطوري الذي رد النفعية كلها, بحيث أصبحت عنده, أثراً من آثار نظرية التطور.
30-مذهب المنفعة العامة هذا, لا يزال إلى وقتنا هذا, يواجه مشكلات عويصة تقدح في أسسه وتثبت تناقضه, ألا وهي عجزه عن البرهنة على عدم تعارض المصلحة الشخصية مع المصلحة العامة, بناء على أصولهم. لكن مركب هيغل يحل المشكلة دائماً.
31-أرسطبوس فيلسوف سفت عليه السوافي
32-فصار مذهبه أبقى من اسمه. الناس ينسبون مذهبه لأبيقور, وأبيقور بريء تماماً من هذه التهمة. هذا سببان دعياني لإحياء الكتابة عنه.
33-وفي حال الرغبة في الاستزادة من أخباره,يمكن الرجوع إلى كتاب "النظريات الهيدونية من أرسطبوس إلى سبنسر" للفيلسوف الكندي جون واتسون, فقد قسم كتابه إلى خمسة فصول كبيرة وخص أرسطبوس بالأول منها وسرد شيئاً من سيرته الغريبة وعلاقته بملوك زمانه وعشيقاته ونظرته الغريبة للوجود والحياة.
34-أول من قال إن تلاميذ سقراط اختلفوا كثيراً لأن سقراط كان يوجه الناس إلى الخير الأسمى, دون أن يحدد لهم بالتفصيل ما هو الخير الأسمى, هو الفيلسوف الألماني "فيلهلم ويندلباند" في كتابه History of Philosophy الصادر في 1893.

جاري تحميل الاقتراحات...