فرانز النمساوي
فرانز النمساوي

@DerOsterreicher

30 تغريدة 424 قراءة Feb 22, 2020
سافرت خارج الزريبة الأم في مهمة عمل قبل أقل من شهر، ولأنه اي رحلة للخارج تستلزم رحلة داخلية اولاً، اخذنا سيارة ايجار من هرتز باتجاه عدن وانطلقنا الساعة 6 الصباح، السيارة مريحة والتكييف شغال، الدنيا شتاء والجو بديع لغاية ما وصلنا الى نقطة يسلح مدخل صنعاء الجنوبي
الجندي (لو صح الاسم هذا لأنه لابس مدني في الحقيقة) شاف نحنا وقال وين رايحين قلنا عدن قال جنبوا، قلت بيني وبين نفسي بدري عادنحنا في يسلح مسرع قد بدا التفتيش والتهباش، نزل السواق وخير اللهم اجعله خير قله ياخي هذي الفين ريال من الجديد بادلوني بها قديم انتم رايحين عدن،بادلناه ومشينا
مشينا على انغام ايوب وكل نقطة توقفنا رايحين عدن نقلهم ايوه، اللي يبدل الف والا معه خمسة الف وهكذا طريق طريق لكن بدون مضايقة او استفزاز او تفتيش، عدينا سماره والغيم يغطيها في منظر يصعب وصف جماله، ومشينا من اب اللي كبرت بشكل ملفت او انه انا اللي قد لي فترة منها الله اعلم
وصلنا جمهورية الحوبان الشقيق كما يحلو لأهل تعز تسميتها على الساعة 11 ونص ودخلنا مطعم الراسني علشان نتغدى، تسأل المباشر أكلكم زي حق الراسني اللي بصنعاء قال: لا، أحسن منه، تأكل لقمتين وبينك وبين نفسك تقول الا لعنة الله على الكاذبين، تغدينا وانطلقنا لما وصلنا نقطة الحوبان الرئيسية
وين رايحين قلنا عدن، قال جنبوا.. هاتوا البطايق، جبناها له، قال وين مسافرين قلنا عمّان، قال ومن عمّان للخليج تجيبوا دواعش، قلت له يا فندم الشنط حقنا صغار والدواعش يجوا سمان مرّه من اكل الثريد، كتم ضحكة بالعافية وزر وجهة وقال باطلعكم الادارة، قلنا ايش التهمة، قال هاتوا عشرة الف ?
من هنا لهنا جبنا له 5 الف وتخارجنا، وبدأنا نخزّن ونمر على الدمنة، مفرق حيفان، نقيل الزربي، وصوت ايوب يغني وانا فاصل تماماً اتذكر زمان لما كنت اروح القرية واشوف الوضع الصادم الان ونقاط الحوثة راس حيفان وشعاراتهم على الجبال لدرجة تحس معها بالغربة التامة
نزلنا الى وادي الأحكوم والنقاط الحوثية مستمرة، كلهم يسألوا الى وين رايحين ويطلبوا البطايق الى ان وصلنا الى نقطة التماس اللي تنتهي معها اخر نقطة حوثية وتبدأ اول نقطة للواء الرابع حزام، الجندي اللي شكله من ابناء المنطقة طلب الجوازات، شاف لقب الحكيمي قال يا رجل البلاد بلادك تفضل
ومن اول نقطة حزام الى ان دخلنا عدن مافيش ولا نقطة سألتنا من وين والا ايش بتعملوا والا هانوا بطايق مش عارف هل الموضوع هذا طبيعي والا بسبب تخديرة القات، كل النقاط تسأل فقط لوين نقول لعدن يقولوا تفضلوا، وصلنا عدن الساعة 4 العصر، وانطلقنا عبر البريقة الى الفندق في كريتر
اول ما توصل كريتر تأسرك تفاصيل الزحمة اللي فيها والشوارع والناس والاضاءات وشم البخور وطالبين الله، وصلنا الفندق قلت لهم نخرج نمشي في السوق انا تستهويني الأجواء هذي، قالوا لا نتعشى ونروح ساحل ابين نلتقي ببقية الزملاء وفعلاً تعشينا في كريتر صانونة سمك ورحنا الساحل.
روحت بالليل الفندق وانا مرهق من السفر نمت وصحيت الساعة 2 بالليل على صوت قطرات ماء من المكيف اللي بالغرفة اللي فوقي على المكيف اللي عندي، تك تك تك.. تحس معها باحساس المعتقلين في جوانتانامو
صباح اليوم التالي صحيت بدري وخرجت لوحدي استكشف، مشيت وسط كريتر طريق طريق بغير وجهة لما وصلت لمقهاية زكو، ذكرت الاسم واتصلت لأبي اقله اني بالصدفة وصلت لهنا، هاجت الاشجان في قلبه وهو اللي تربى هنا وجلس يقلي على يمينك في كذا وفي الخلف في كذا، قلت ياباه معتقدش الحال على ما تركته ?
اصطبحت في مطعم هناك ووصل صاحبي اللي في عدن بسيارته قلت له الوضع شكله طبيعي ومافيش مضايقات، قال ايوه بس الامر ما يخلى لو انت عايش هنا، بتلاقي لك كلمة كلمة في السوق مثلاً او الشارع وانت ماشي، اخذنا بسيارته ومرينا على مناطق عدن كلها تقريباً وكانت جولة عظيمة لي انا اللي ما اعرف عدن
عرفت بعدها اني الصباح وانا امشي مريت على الزعفران والطويل و الشوارع المحيطة من غير ما ادري، بس مش مهم.. اهم شي شعورك وانت ماشي واحساسك بالتفاصيل، على الظهر رحنا مطعم في ساحل ابين اسمه السومحي واسمحوا هنا بلا شيباني بلا خورمكسر بلا راسني بلا اي مطعم في صنعاء
المطعم هذا يعمل لحم "مدفون" ياخذ عليه اوسكار اقسم بالله، خيال خياااااااال، رحنا بعدها اخذنا القات من سوق اقل تخزينة فيه بـ 10 الف وعادك تمد بها وانت مستحي من اللي حولك، الفلوس تتطاير هناك زي الحمام في الهواء لدرجة تحس معها ان سكان عدن مليونيرات!
رجعنا نخزن بعدها في استراحة مطلة على البحر في الدور الاخير بفندق رويال ان، المنظر ولا اروع والجو لطيف واللمة حلوة، انضم لنا رجل محترم من ابناء عدن ابتدأ حديثه بقصيدة عصماء من شعره في هجاء عبدربه، فطسنا ضحك وللاسف ما اخذتها منه والا كانت تستحق النشر
على المغرب خرج الجميع علشان يتعشوا ويستأنفوا الشوط الثاني، ولأني من انصار الشوط الواحد فقط كملت التخزينة انا وصاحب عدن وقلت فرصة اسأله عن الوضع واشوف رأيه، قلي ان الناس طفحت خلاص ومعد يهمها حاجة غير ان الاوضاع تستقر والاسعار تتصلح لأنه المعيشة غالية
تكلمنا عن الاحداث الاخيرة وقلي ان موقفه مع الانتقالي موقف قضية، بس قال بعد اللي حصل في يناير اقسم بالله ان الانفصال بيفتح بوابة جحيم بيكون معها اللى حصل في 86 مجرد نزهة، واردف بقهر: دخلوا لنا للبيوت، الانتقالي يمارس اقصاء غبي وفي توقيت حرج
ولما سألته عن موقف الناس فعلياً من الوحدة والانفصال، قلي بعد الاحداث الأخيرة في ناس كثير بدأت تشعر بالقلق وانا منهم رغم موقفي الواضح ضد الوحدة، بس الانفصال مش حل، بعد كذا بدأ يسألني على صنعاء والوضع فيها واكثر سؤال حسيته يبحث عن اجابه له هو ليش الناس راضخين للحوثي
ورغم اني شرحت له طبيعة القبضة الأمنية والصوت المناؤى للحوثي الا انه مقتنعش، حتى انه قلي ان الجبهات اللي في الشمال لا تقاتل لأنها بشكل او بآخر مع المشروع الحوثي او مستفيدة من استمرار الحرب، رجعت بعدها اسأله عن بدايات تشكيل المقاومة في عدن وناسها واللي متصدرين المشهد الآن
ساعة ونص من الجلوس لشخص من ابناء عدن تعطيك تفاصيل واقعية وحقيقية افضل الف مرة من الاستماع لهرتلات هاني بن بريك وادعياء القضية الجدد، المهم ان ولا حاجة في عدن لها علاقة بوجود الجمهورية اليمنية، النقاط كلها انتقالي والاعلام كلها انتقالي فيما تنتشر صور يتيمة لعبدربه في بعض الأماكن
ثاني يوم بكرنا للمطار الساعة 5 مع ان الرحلة الساعة 8 ونص، استكملنا الاجراءات وجلسنا ننتظر، جلس جمبنا 2 دكاترة مسافرين لنفس وجهتنا يتكلموا عن نقطة الحوبان اللي وقفوهم، قلت لهم: اتهموكم انه بتسيروا الخليج تدوا دواعش؟، لفتوا لعندي باستغراب وقالوا ايوه ايش عرفك؟?
سألتهم كم دفعتهم قالوا عشرة الف، انا حطيت رجل على رجل وقلت لهم بكل فخر: انا دفعت خمسة بس، ضارباً عرض الحائط بكل الحقائق اللي تقول انحنا تعرضنا لعملية ابتزاز واني جالس افاضل في مستويات قذارتها مش اكثر ?
في رحلة العودة الى عدن،هبطت الطائرة اليتيمة الساعة 4 العصر، الطاقم بانتظارها،موظف الجوازات يسألني من فين جاي؟ مسكت نفسي بالغصب كنت اشتي اتلاكع واقله قده مافي الا طيارة وحدة ووجهة وحدة من وين بكون جاي يعني من موسكو؟ بعدين شفت صورة عيدروس الزبيدي معلقة على الجدار واتقرصت العافية
موظفة من وزارة الصحة تقيس الحرارة لكل الركاب بجهاز تحسباً لأي حالات لفيروس كورونا المستجد كوفيد 19، واللي حرارته مرتفعة تعطي له نصائح طبية وتخليه يمشي، ضحكت وقلت يلله ولا مافيش كثر الله خيرك وشكر سعيك
في اليوم التالي انطلقنا باتجاه صنعاء ، النقاط نفس النقاط مع فارق انه محد يدور تغير له فلوس والنقاط الوسخة اللي من مفرق الحوبان لمفرق حيفان كلها تشحت فلوس بشكل مهذب، يا عمّنا بيوقع حق التخزينة اليوم؟ وكلهم يسألوا جايين من الصين؟ على اساس يعني عاملين احترازات حجر صحي ?
بنهاية الرحلة ومع كل المشاعر اللي تحس بها تكتشف انه في حقيقة واحدة ثابتة، الغربة.. داخل صنعاء غريب وفي الطريق منها غريب، وسط قريتك غريب، في عدن غريب، وما عد تدري اين هو الوطن هذا اللي نتكلم عليه، طيب متى بيرجع والا ما عد بيرجعش والا ايش بالضبط؟
نصيحة للإخوة المغتربين اذا كنتم تحنون الى البلد هرباً من مشاعر الغربة فلا تعودوا الآن، والله انها غربة وقعها على النفس اقسى، خليكم كذا عايشين على فكرة العودة الى الوطن زي الفلسطينيين، الوطن اللي تدوروه وهم لم يعد له وجود، انما خينا شتسبر.. خينا
الشيئ اللي يخطر في البال كمان انه كيف بنتجاوز هذي الكمية من المشاعر مستقبلاً؟ يعني كيف بتتجاوز كمية العداء للوحدة وكل ما هو شمالي في عدن حتى لو تم الانفصال فعلياً؟ الاحتقان اللي في نفوس الكثير هذا واللي يحاولوا يعبروا عنه على مستوى غلاف التلفون والشعارات على الفنايل، كيف بيهدأ؟
الجروح اللي خلفتها الحرب، الطائفية اللي معد نقدرش نهرب منها ولابسانا من راسنا لرجولنا كيف بنفتك منها؟ وكم بنجلس نعالج انفسنا؟ الله يخارجنا بس
شكراً لكل من علق هنا، حب وتقدير ❤️

جاري تحميل الاقتراحات...