DrawningMind.
DrawningMind.

@NawafHarrow

32 تغريدة 6 قراءة Feb 21, 2020
إحدى الروائع الخالِدة في الشاشة الصغيرة.
الحِكاية التاريخية الملحمية، القِطعة الأثريّة الكامِلة، التُحفة البليغة بسلاستها، والنابِضة بحيويّتها. أحد أفضل الإنتاجات التلفازيّة في العقد السابق إن لم يكُن أفضلها.
تقييمي المفصّل ورأيي الشامل عن المسلسل...
Boardwalk Empire (2010-2014)
(الإزدواجيّة)
هي ماكانت تعتمد عليه طبيعة المسلسل، سواء في الهيكل السردية او في كِتابة الشخصيات ومقياس نِطاقها.
في الناحية السرديّة كان الأسلوب النمطي في نِطاق خطوط الأحداث اولًا، يخلق روابط دراميّة بين القصص الرئيسيّة والجانبيّة لمُحاكاة سلاسة القصّة وتسلسل أحداثها...
تسلسل الأحداث الذي كان فُقدانه لمقياس وتيرة الرتم أهم ما تميّز به
لأن القصّة مهمًا تطوّرت وتقدّمت تكون الأحداث ثابتة سرعة التوازن. لاتتبع تقليديّة النزول والصُعود المُعتادة
بل كانت أكثر إهتمام لتطوّرات حيّز عالم القصّة لتوسيع آفاق المُشاهد وتمهيد تأمّله تِجاه إطار العمل بشكل أوسع
وبذلك لم نرى إهتمام او تواجد حتى لتصاعد أحداث او مفهوم الذروة بشكل عام
وهذا ما أعتقده أحد أهم مُميّزات العمل، لانه إن أعتمد على الأسلوب السردي التقليدي و بلغت الأحداث ذروتها ستفقد بريقها في الموسم التالي، وهذا سيجعل جودة الأحداث وتسلسلها مُتفاوته وباهته.
الأحداث المِحوريّة لكُل موسم التي تأخذ القصّة بتوجّهات جديدة و تُغيّر مجرى التفاصيل يتم إدارتها بشكل إستثنائي، من نفس إنحلال عُقدة حدث الموسم يتم إستخلاص قصص وشخصيات فرعيّة للموسم الذي يليه
بكُل دهاء، ليس بِنار هادِئه، بل خلف النار الهادِئه.
وهكذا يمضي المسلسل وتحرّكات قصته الخطّي، عمليّة مُتلاحمة العوامل تسعى إلى هدف أبعد من مُجرّد إبهار لحظي للمُشاهد.
بعدما يتم إستخلاص القصص والشخصيات الفرعيّة يتم تشريح أبعادها وتراكيبها على مدار الموسم حتى تتناغم مع خطوط الأحداث الرئيسية في أثناء تفكيك سياقها..
لتكوين حَدَث يهدف لتطوير القصّة وتقدّمها بكل عبقريّة مُطّلَقة مع التحفّظ النسبي لكي لايقع تسارع مُتفاوت للأحداث.
وهذا أحد أبرز العوامل التي أذهلتني في العمل.
وهذا خير مِثال على التوظيف المُناسب للشخصيات الفرعية وقصصها في ربطها مع مركز القصة الرئيسي، غاية في السلاسة.
الأداة البِنائية المُشتركة بين حيثيّات العمل كانت في المقام الأول قبل كل شيء :الحوارات.
لذلك دائِمًا رأينا سواء قبل وضع ركائز الشخصيّة لتضمين نِطاقها على مُستوى سياق الأحداث او حتّى لرسم تطوّر للقصّة عن طريق خِتام حدث او لخِتام شخصيّة...
مهمًا كان العُنصر الذي يتم بِناءه تكون الحوارات أول مُساهم في عمليّة بِناءه...
لهذا كانت الحوارات بهذه النموذجيّة والموضوعيّة، بسبب دسامتها في توظيف السياق وتراكيب العوامل المُتجانسة خلف العبارات والحوارات في كل حلقة.
والأشبه بالركيزة لأسلوب المسلسل السردي...
المنهجيّة في بوصلة توجيه الشخصيّات أقل مايُقال عنها درس لكُل كاتب تِلفازي.
فـ سأتطرّق لهذه النُقطة عن طريق الشخصية المكتوبة بِخالِص الدهاء (نيلسون)
أولًا ما شهدناه مع شخصيّة نيلسون كان تحوّل كُلّي وليس مُجرّد نقطة إنعطاف هدفه توضيح تركيبة الشخصيّة او تفريع نِطاقها لقصص جانبية...
فـ الكتابة التركيبيّة للشخصيّة إنقسمت على قسمين
القسم الأول؛ عندما كان ضابط حظر خمور، مؤمن ومُتمسّك بمبادئه التي تُصارع بتضادّها الحاد لبيئته المُحيطة. لان مايُحيط به سواء من أشخاص وأفكار وأيدولوجيّات تجعل تمهيد السبيل لغايته الأسمى غاية في الإعجاز...
وهذا ما أغرق حيثيّاته، وماجعل أفكاره تخنقه بعدميّة وجودها في ظِل هذا الأقرب مايسمّى لجحيم بالنسبة لها.
القسم الثاني؛ الخضوع الفِكري والنفسي لتضادّات البيئة المُحيطة، ونهاية الصراع الداخلي لنيلسون، وجزء وجدانه الذي كان يُناجي بإستشعاره لأي خطيئة أخلاقيّة او تعدّي قانوني...
وهنا عندما حدث التحوّل - لا أتذكّر اي موسم بالضبط ولكن ما بين الرابع والخامس-
عندما تلوّن نيلسون بألوان تتناسب تفاعله الوجودي في ظل كل هذه التناقضات. عندما اتّخذ غاية أُخرى بنفس السبيل. وأعتقد ان تحوّله حتمي نسبيًا، إمّا ان يموت او يتحوّل لنفس الأسباب التي كان يُحاربها...
وهذا مارأيناه، قد تحوّل لعدو نسخته القديمة من ذاته. عدا ذلك لن يكون توجّه الشخصيّة منطقي، من وجهة نظري على الأقل.
أما بالنسبة للشخصيّة الإستثنائيّة (ريتشارد هارو)
أعتقد ان معيار وتركيبة الشخصيّة كانت تبلغ في مقصد أبعد بكثير مما قد لاحظناه...
بمحاولاته البائسة لإلتقاط ما فقده مُسبقًا، بوقوعه المستمرّ في الحلقة الأبديّة التي تدور بها عجلة ذكرياته.
في أبسط مشاهده الحواريّة تتجلى السوداويّة الروحيّة في كل كلمة تخرج منه، لفقدانه المعاني من كل ما قد إهتم له من قبل، او كنّ له مشاعر على الإطلاق...
لا أستطيع القول بأنه عاجز، بل أقرب إلى مُحاصر، من شظايا روحه المُتهشّمة، من الهروب الإنهزاميّ من الذِكرى، من الحاضر المسلوب بكُل قسوة.
الشخصيّة هذي تُجسّد جميع مايعجز الإنسان عن بلوغه، عن التلويح بقُربه، سواءً مشاعر او حتى أشياء قد تم فُقدانها مُسبقًا.
لاينكف عن الغرق...
الإطار الذي تم تأطير الشخصيّة به كان إستثنائي على أصعِدة عديدة، من أسلوب رمزيّ للشخصيّة، او حتى من خلق أبعاد دراميّة تراجيديّة أثناء كشف تركيبته حلقة بعد حلقة
اما مضمون الشخصيّة كان تأمّلي، مثل قصيدة شعّرية، او أغنيّة عانقت غيمةً بكلماتها
في حين تلاشي ألحانها...
تُبعثِر المدارك لتجعلنا ننظُر في ما قد سقط فيه روح هذه الشخصيّة المُحطّمة، في كل كلمة تخرُج منه كانت بمثابه قُدّاس جديد لقبره، لقبره الفارغ، المملوء بتساؤلات مُتراكمة تبحثُ في وجدانه عن إجابات لا أساس لها...
مثل هذه الشخصيّة العظيمة يحتاج لها إختيار تمثيلي مناسب...
الممثل لشخصيّة ريتشارد كان مُتمسّك في أدائه، لاينفجر بمشهد ومن ثم يحتفظ بأسلوب العواطف الهادئه في سائر المشاهد
على العكس، أذهلنا بثبات أداء وتماسك في التعامل مع المشاهد الحواريّة والعاطفيّة.
أداء مِثالي، لشخصية بلغت من الكمال شيئًا بعيدًا.
اما بالنسبة لشخصيّتنا الرئيسيّة (إينوك تومبسون)
لم تكُن تطبيق لأيدولوجيّة، ولا لتفسير أخلاقي مُعيّن بل كانت شخصيّته متمثّله في العبثيّة الأخلاقيّة والمُعاناة للخطيئة ذاتها
مع ناكي خُضنا جُزئين.
الأول كان ؛ محاولات التوفيق الملحمي بين روتينه كرجل عصابة وسياسي في الوقت ذاته...
فـ كما رأينا مع توافر جميع العوامل التي تُساعده في بِناء السبيل لتمهيد الغاية إلّا ان رغبة ناكي المُتجددة كانت العائق الدائم لأي نجاح له
أستطيع القول بأنه متوسّع الأبعاد الحسّية، فـ في حين بلوغه قدمًا نحو هدفه الموضوع يكون قد إستخلص هدفً آخر من السبيل ذاته...
وهذا ماقد خلق العُقدة الفِكريّة لقراره حول قانون حظر الخمور في المقام الأول
مقصدي، بأنه كان يعاني بالرغم من سهولة الدرب الذي يمضي فيه، كان يُحارب للحِفاظ على مايملكه مُسبقًا!
وهذا ما أعتقد انه عائد لطبيعة الزاوية لمنظوره حول تقبّل سلوكيّاته من عدمه.
القسم الثاني؛ إنفصاله عن مجاله السياسي وتاريخه، وإنعزاله كتاجر خمور ورجل عصابات...
الرابط الذي تم أخذ الشخصيّة في منحناه كان يهتم بملاحظة الشخصيّة ودِراستها أكثر من مُجرّد تحوّل في الغاية او في توجّة الشخصية وبوصلتها
كان يهتم بالأسباب قبل أي إستعراض بالشخصيّة...
فـ الأسباب كانت منطقيّة تمامًا
أولاً، ناكي لم يتراجع عن منصبة وشأنه كرجل سياسي وذو خبرة في المجال إلّا حينما بدأت أشعّة طمعه الساطعة تُشرِق قليلًا على حياته، ويرى عائِداته، لانه دائمًا يُريد توسيع نِطاق قبضته، وملذّته المُلِحة للسيطرة التامّة على الطبقات الإجتماعيّة كافّة...
لذلك كانت الدوافع النفسيّة والشكليّة للسيطرة والرغبة المُتجددة لناكي مبنيّة بشكل خطّي نسبيًا، فـ حلقة بعد حلقة نكتشف توسّعات جديدة لعناصر تركيبة ناكي، يتم تشريحها وتفصيلها في قصص جانبيّة او حتى مشاهد حواريّة إلى ان يتم تأطيرها داخل تركيبته الأساسيّة...
بكل سلاسة وأسلوب مِثالي في السرد القصصي للشخصيّات.
أيضًا أحد أهم العوامل التي تميّز بها العمل هو : الموسيقى
لم تكُن إستثنائية في كلماتها او حتى في ألحانها، بل بتوظيفها ببيئة الأحداث، لانها ساهمت في خلق رحلة تُسافر في المُشاهد للعشرينات بتناغمها المُذهل مع الدقّة التاريخيّة...
وإمتزاجها المتوازن في خلفيّة كل مشهد بشكل خلّاب يخدم وضوح الدقّة التاريخيّة للحقبة وشدّة إنسجام المُشاهد بِرفقتها.
اما بالنسبة للإخراج وعن إختيار الزوايا والألوان المدروس؛
دائِمًا زوايا التصوير تكون مُختارة لإتاحة المُشاهد الخيارات لقراءة المشهد بكُل أريحيّة...
بتفاصيله، بالأحوال النفسيّة والخارجيّة للشخصيّات لتضمين المشهد وزيادّة حِدّته والحِفاظ على تشويق المُشاهد، بأسلوب إستعراضي للقُدرات الإخراجيّة الممتازة للمسلسل.
مع إلتحلام القصص المُتناسبة، وإرتباط الشخصيّات، وبناء الرابط الذي يتماسك في نِطاق توسيع حيّزهم علو مركز القصّة الرئيسيّة يتم إغلاق عالم القصّة بعد توسّعاته المدروسة بإنهاء العنصر الأساسي في البُنية للمقام الأول...
*على
أعتقد ان ماضي ناكي يبرر سلوكيّات حاضره. وهو لايتعدّى العشر سنوات، تم إرغامه بدفن جثّة أحته وحفر قبرها بنفسه. إختلط بالسياسيين الفاسدين وتلقّن تصرّفاتهم التطبيقيّة أمام عينيه، كل هذا قد تم حفره في أيدولوجيّة أخلاقيّته مع تقدّم عمره...
وهذا ما ارتبط به نهايته، بنهاية جيمي دارمودي
الأبن الصالح لناكي، والجندي الوفي له.
كانت نهاية نامي والمسلسل مرتبطة في بعض برابط مُتعاكس، بمُجرّد إغلاق شخصيّة ناكي إنتهى المسلسل بقصّته.
وهذا برأيي أفضل خيار لإنهاء قصّة تم سردها بهذا الأسلوب، بالنظرة الأخيرة لمحور قوّتها.
بعد إغلاق الشخصيّات الجانبيّة والقصص الرئيسيّة بنفس الوزن الذي تم تشكيل حيّزها في عالم القصّة بالمقام الأول داخل مادّة دراميّة غاية في الكمال.
آمُل اني أسّتطعت نقلُ تجرُبتي بِما أستطعت مع هذا المسلسل العظيم برحلته الإستثنائية، في الخِتام..
"You Can't be half a gangster"

جاري تحميل الاقتراحات...