أحد أسباب قلّة الإنجاب التي بدأت تجتاح مجتمعاتنا العربية قياسا للماضي ليس غلاء المعيشة وصعوبة الحياة، ولا ما يسمّونه "زيادة الوعي" لدى الناس، فلا علاقة بين زيادة الوعي وعدد الأطفال، بل السبب الرئيسي هو الدعاية المنظّمة التي عملت على أمرين:
- الأول زيادة مساحة الاستهلاك في سلوك المواطن، وإزاحة مساحة هائلة من "الكماليات" إلى خانة "الحاجيات" و"الضروريات"، وقد أدى ذلك إلى أن الطفل الواحد صار يكلّف ما كان يكلّفه ثلاثة أطفال أو أكثر في الماضي
وليس الأمر مع الأسف أن هذا الاستثمار في الطفل هو في إحسان التربية والتثقيف وإكسابه أدوات الفلاح في الدنيا والآخرة، ولكن معظم هذا الاستثمار توجه إلى الاستهلاك التجاري؛
سواء من خلال شراء الملابس ذات الماركات الباهظة وترسيخ فكرة "الماركة" كضرورة، أو من خلال الإنفاق الزائد على مختلف أنواع الأطعمة والحلويات، أو من خلال السفر الذي أصبح ضرورة عند بعض العائلات، أو السيارات وغيرها من مساحات الإنفاق التي تضخّمت
فضلا عن آفة الديون الربوية التي اجتاحت مجتمعاتنا فشلّتْ قدراتها الاقتصادية وأوقعتها في نزيف الديون والقلق من أي إنجاب جديد يزيد الإنفاق
- والأمر الآخر الذي مارسته الدعاية المنظّمة هو الربط بين "التحضّر" و"الثقافة" من جهة وقلة الإنجاب من جهة أخرى، لكن الواقع أننا رأينا عائلات أنجبت طفلا أو طفلين فقط وكانت مع ذلك خالية الوفاض من الوعي والثقافة والتربية والقيم الفاضلة
مما أدى إلى نشأة هذين الطفلين نشأة متخلفة لا علاقة لها بالتحضر والثقافة ورفد المجتمع بالخير. وفي المقابل وجدنا نماذج أكثرت من البنين وفي ظروف اقتصادية صعبة جدا ولكنهم كانوا جميعا من خيرة شباب البلد وخيرة فتياتها.
من يفهم اليوم (خصوصا في واقعنا في الداخل وتحدّياته) ينجب أكبر عدد يطيقه من الأطفال، يتقشّف في حياته ولا يقع فريسة عالم الاستهلاك الرأسمالي، ويبذل جهدا في إحسان تربية هؤلاء الأطفال وإكسابهم الأدوات ليكونوا عناصر تغيير للأفضل بإذن الله
لا أحد يطالبك بإنجاب ثمانية أطفال أو عشرة، ولكن على الأقل أن يكون لديك أربعة ترفد بهم الأمة بعد إحسان تربيتهم، فهذا العدد ذي الجودة رصيد مهم في نهضة الأمة. إنّ الكيف مهم نعم، ولكن الكم أيضا مهم، والكيف بغير كم أثره ضعيف
إن أخطر ما وقعنا فيه أننا سلّمنا لكل معطيات الاستهلاك وكأنها ضرورات، وقد وقعنا في شيء من ذلك عندما أنعم الله علينا بسلمى، كانت كل مرحلة من طفولتها تستدعي شراء أداة جديدة للطفل، لاحقا أدركنا أن الكثير من هذه الأمور مجرد "ترف" زائد، ولا حاجة لها
إننا بحاجة إلى أن نعيد نحن تعريف "الضروري" و"الحاجي" و"الكمالي"، لا المجتمع ولا التلفزيون ولا الإنترنت، حتى نوفر قدراتنا الاقتصادية ونستثمرها في النافع المفيد، وبحاجة إلى تقليل مساحة الترفيه وزيادة مساحة بناء الشخصية والثقافة وأدوات التغيير والتأثير ونشر الخير
فأمة في حالنا هذا هي أحوج ما تكون إلى ذلك!
جاري تحميل الاقتراحات...