علي الوردي
علي الوردي

@AliAl_Wardi

12 تغريدة 31 قراءة Feb 19, 2020
[عبرة التاريخ]
كان القدماء يرون أن العدالة الإجتماعية تنشأ عن فكرة مجردة تخطر ببال الحكام فيندفعون بها في طريق العدل. وهذا الرأي لا يستسيغه المنطق الإجتماعي الحديث. فالفكر المجرد عاجز عن توجيه سلوك الإنسان. وما الإنسان في الغالب إلا آلة بيد ظروفه النفسية والإجتماعية والحضارية.
إذ لا يستطيع الفكر أن يؤثر في سلوك الإنسان إلا ضمن نطاق محدود جداً.
إن العدالة الإجتماعية لا يمكن تحقيقها بمجرد أن تعظ الحاكم أو تخوفه من عذاب الله. فالحاكم قد يخاف الله أكثر منك وهو قد يعظك كما تعظه ويتضرّع بين يدي ربه مثلما تتضرّع.
وأنت لو وعظته ألف مرة لبقي كما كان - يظلم الناس ويقول ساعدني يا رب!
العدالة ظاهرة إجتماعية لا تتأتى في مجتمع إلا بعد تنازع الحاكم والمحكوم فيه. إن الحاكم لا يستطيع أن يكون عادلاً من تلقاء نفسه، إذ هو قبل كل شيء إنسان، فيه من نقائص الطبيعة البشرية ما في غيره.
وهو مهما كان تقياً في أعماق نفسه فإنه لا يفهم العدل كما يفهمه رعاياه القابعون في الأكواخ البعيدة.
الإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان. وصديقك الذي تستعذب حديثه وتستطيب مظهره وأدبه، قد يكون من أظلم الناس إذا تولى زمام الحكم. هو الآن طيب لأنه بعيد من مباهج الحكم. وأنت لا تدري ماذا سوف يفعل إذا جلس على الكرسي وحف به الجلاوزة والجلادون من كل جانب.
يقول المثل الانجليزي:((إذا أردت أن تعرف حقيقة إنسان فأعطه مالاً أو سلطة)).
إن صلاح الحكم على كل حال أمر نسبي. فما يرضى عنه قوم قد لا يرضى عنه آخرون. والحاكم مهما كان صالحاً في ذاته فإنه لا يدري ماذا يقوم به الأصهار والأعوان والأحباء حوله من مكايدات ومؤامرات في سبيل الاستغلال والترف. فهؤلاء ينهبون الناس من ورائه وهو لا يشعر.
إنه يرى مظهرهم الوديع وابتسامتهم العذبة فلا يدري ماذا يختفي وراء ذلك من كوارث ومظالم.
كل حاكم محاط بحاشية تحجب الناس عنه. وهو قد يخادع نفسه فيخرج إلى الناس يستمع إلى شكواهم. ولكنه لا يستطيع رغم ذلك أن يفهم عن حقائق المجتمع أكثر مما يستسيغه إطاره الفكري الذي صنعته له حاشيته والحافون به.
إنه قد يريد الخير للناس ولكنه لا يدري بما يجري في أرجاء الأرض من شر خفي لا يعرفه إلا أولئك الواقعون بين أنيابه وهم ساكتون.
إن الحاشية التي تحيط بالحاكم تستطيع أن تجعل الأسود في عينه أبيض. فإذا هاج الناس يريدون خبزاً قالت الحاشية عنهم أنهم يريدون البقلاوة. وإذا جاءه متظلم يشكو قالت عنه أنه زنديق يريد أن يهدم دين الإسلام.
ويعمّ البلاء حين يحف بالحاكم مرتزقة من رجال الدين. فهؤلاء يجعلونه ظل الله في أرضه، ويأتون بالملائكة والأنبياء ليؤيدوه في حكمه الخبيث. وبهذا يمسي الحاكم ذئباً في صورة حمل وديع.

جاري تحميل الاقتراحات...