سليمان الناصر
سليمان الناصر

@salnasser

10 تغريدة 26 قراءة Feb 18, 2020
كثيرًا ما يتهم المتجادلون بعضُهم بعضًا بأسماء وأوصاف تتضمن التحقير والإزراء، وغالبًا ما تكون هذه التهم جُزافًا وبدون تدقيق بما تعنيه هذه الأسماء والمصطلحات وما تدل عليه، ومن بينها مصطلح(الدغمائية)، فيصف أحدُنا خصمَه بأنه(دغمائي) و هي صفة تعني طريقةً في الاعتقاد تمنع صاحبَها من=
سماع أي نقد سماعًا صادقًا، وهو ما نسميه
بـ" التعصب"، ولكن الذي يحصل أن كثيرًا ممن يستعملون هذا التهمة يقصدون بها اتهام أي مستوى كان من الاعتقاد، وكأنهم يطابقون بين معنى الدغمائية وبين معنى الاعتقاد، مع أنه لا إنسان يخلو من الاعتقاد حتى الشكاك كما سيتبين،
مهما يكن من أمر =
فمن الأفضل- في ظني- الفرز بين أربعة أوصاف، كل وصفين متقابلين في مستوى واحد،
فصار عندنا مستويان، وأطراف أربعة،
المستوى الأول مجاله وصف علاقة المعتقِد بمعتقداته، وله طرفان:
الاعتقاد(اليقين)- الانتقاد(الشك).
المستوى الثاني مجاله علاقة المعتقِد بالمخالف، وطرفاه: =
التعصب والانغلاق(الدغمائية)- الانفتاح والتواصل.
وبناء على هذا؛ يمكننا الخروج بقسمة أخرى:
الاعتقادي نوعان: متعصب، ومنفتح،
الانتقادي نوعان: متعصب، ومنفتح،
هل القسمة بهذه الصرامة دومًا؟
بالتأكيد ليس كذلك، فحال الإنسان متقلبة(سُمي القلب قلبًا لتقلّبه)بسبب عوامل متعددة، ظاهرة وخفية،=
لنلاحظ هذا المثال؛ القران العظيم يحث المؤمنين على الحوار ومجادلة المخالفين مجادلةً بالتي هي أحسن، ويطلب منهم إعلان مبدأ( قل هاتوا برهانكم) و(هل عندكم من علم فتخرجوه لنا)، فالإيمان والاعتقاد واليقين لا تعارض الانفتاح والحوار والتواصل والاستعداد لاتباع البرهان، كما يظن كثيرون من=
خصوم اليقين والايمان، وأما النزعة النقدية(الشكية) فليست دائما منفتحة، بل كثيرًا ما نرى شُكاكًا متعصبين لشكهم، وتلك مفارقة عجيبة، أن لا يشك الشكاكُ بشكِّهم، ولا يشكوا بصحة موقفهم الرافض لليقين، يقول أحد الفلاسفة ( لا شيء أخطر على المعلم من تعالميه، إنه يهرم دون أن يتفطن! وأفكاره=
تتصلب مع تصلب شرايينه، وعندما يُعلّم الشك فإن الشك لا يخامره هو بالذات، فيصلح المنهج النقدي بين يديه منهجًا دغمائيًا)، وقد عرّف الفيلسوف كانط الدغمائية بأنها(العقل المحض الذي لم يقم بنقد مسبّق لقدراته الذاتية) وهذه المفارقة تكشف لنا أن الانسان لايمكن إلا أن يأخذ بطرفٍ من اليقين=
وطرفٍِ من التردد والشك واللاأدرية، فلسنا كائنات عاجزة عن اليقين دومًا، وبنفس الوقت لسنا كائنات يمكنها التيقن من كل معارفها ومعلوماتها، بين هذا وذاك، فالإعتقاد والانتقاد ليست ثنائية متضادة كما يظن كثيرون، بل هي تجلي لقوانا الادراكية التي لا تنفك عن الاعتقاد والانتقاد، =
فالنقد شرط للعقد، كما العقد شرط لإمكان النقد، فكل معتقد هو منتقد، وكل منتقد هو معتقد، ليس فقط أنه يعتقد صحة مبدأ النقد، فهذا ظاهر، لكنه أيضا يعتقد المسلمات الخفية المؤسسِّة لنقدُه، فلا يمكنه أن ينتقد ويشك بشيء ما إلا انطلاقًا من مسلمات ما، سواء وعاها، أو خفيت عليه غفلةً منه.=
إذن التعصب والانغلاق ( الدغمائية) والانفتاح وقبول النقد واتباع الدليل هي مسالك وأوصاف يمكنها أن تنطبق على الأشخاص من كل الاتجاهات أكثر من انطباقها على المذاهب والاتجاهات الفكرية،

جاري تحميل الاقتراحات...