عند تناول قضية الإلحاد، ثمة خطأ شائع كما يوضح الكاتب عبد الله الأندلسي، وهو الإعتقاد بأن الإلحاد يقابله الدين، إلا أن الحقيقة تتمثل باعتبار الإلحاد يعني الإعتقاد بعدم وجود الله، ونقيضه هو "الربوبية" أي الاعتقاد بوجود الله.
وعليه، يشير الأندلسي إلى أن الاعتقاد بوجود الله أو عدم الاعتقاد بوجوده لا يؤدي وحده إلى التغير في السلوك، وإنما يتغير السلوك سلباً أو إيجاباً بما يتبع هاتين الفكرتين من رؤى كونية ومقولات ونظم اعتقادية.
بذلك، لا تمثل حالة الاعتقاد بوجود الله مسبباً مباشراً لوجود الرؤية الكونية، حيث لا تنبع تلك الرؤى من فكرة وجود الله مجردة، بل لا بد لها من استناد إلى الدين والشرائع المختلفة اللاحقة لهذا الإيمان.
الأمر ذاته ينسحب في حالة الإلحاد، فالرؤية الكونية تنبثق من الفلسفات المادية التي تستبعد التدخل الإلهي في الكون وتقرير مصائرنا كبشر، كالشيوعية والداروينية الاجتماعية والفاشية وغير ذلك.
يؤكد الأندلسي ما سبق بقوله: "لا يوجد مؤمن يقتل بإسم (وجود الله)، لكنه يقتل باسم الدين، وكذلك لا يوجد ملحد يقتل باسم (عدم وجود الله) وإنما يقتل الملحد باسم الفلسفات المادية والرؤى الكونية التي يؤمن بها تبعاً لإلحاده".
تلك العلاقة الفلسفية بين الإلحاد والجرائم التي يرتكبها معتنقوه، اختصرها الكاتب الأمريكي دينيش دسوزا بقوله: "ارتكبت جرائم الإلحاد عموماً من خلال أيديولوجية متغطرسة ترى أن الإنسان هو صانع القِيم وليس الله".
وباستخدامه لأحدث تقنيات العلم والتكنولوجيا، يسعى الإنسان إلى "تهجير الله" وخلق جنة الإلحاد على وجه الأرض. وبطبيعة الحال اذا كان هناك بعض الناس غير الأكفاء فيجب القضاء عليهم من أجل تحقيق هذه المدينة الفاضلة!
هذا هو الثمن الذي أبدى الطغاة الملحدون -ومن يبرر لهم- استعدادهم لدفعه، وهم هنا يؤكدون مقولة دوستويفسكي: "إن لم يكن هناك إله، فكل شيء مباح".
في ذات الإطار، قام "نفيد شيخ" أستاذ العلاقات الدولية والمحاضر بجامعة كيل البريطانية، بنشر دراسة مثيرة للاهتمام بعنوان "عداد القتلى؛ دراسة إحصائية للعنف السياسي في حضارات العالم".
والتي قام فيها بمراجعة كل الحروب التي جرت بين الدول، بما في ذلك الحروب الأهلية والمذابح العرقية والجماعية وغير ذلك من الأحداث العنيفة التي تخطى عدد القتلى في الحدث الواحد منها 10.000 قتيل، ليقوم بقراءة هذه الأحداث التي جرت منذ العام الأول الميلادي وحتى العام 2008.
استطاع شيخ أن يحصر 276 حدثاً عنيفاً خلال هذه الفترة الزمنية الكبيرة، ثم قام بتصنيف ديانات العالم إلى 7 ديانات وحضارات رئيسية: الملاحدة، البوذية، المسيحية، الهندوس، الإسلامية، البدائية، والصينية. واضعاً وفق تصنيفه كل حدث عنيف في الحضارة التابعة له، مع إحصاء عدد القتلى في كل حضارة.
وهو ما يناقض تماماً بروباجندا فردوس السلام الإلحادي الذي لا يتوقف مدّعوه عن اعتباره رسالة سامية جاءت لتنقذ الناس من عنف الأديان !
وقد مثلت الدول الشيوعية، أقسى نموذج يتبنى الإلحاد، فقد اعتنق الشيوعيون في روسيا ثم في البلاد المجاورة العقيدة المادية التاريخية الصلبة، وصارت مذهباً عاماً للبلاد والعباد، وارتكبت بسببها جرائم فظيعة بحق البشر، في روسيا والصين وكمبوديا وغيرها.
وقد وثق كل ذلك الكتاب الأسود للشيوعية؛ الجرائم والإرهاب والقمع"، والذي صدر عام 1997م، لمجموعة من الأكاديميين الذين قرروا البحث في عدد ضحايا الأيدولوجيا الشيوعية المعادية للدين.
وحدث ذلك حين بدأ بعض الفلاحين بمنطقة "فيندي" بالتظاهر ضد الوضع الاقتصادي الطاحن، وتحالف معهم المتدينين الكاثوليك، فطبقت عليهم حكومة "التنوير" سياسات شديدة الوحشية، ويُنقل عن أحد جنرالات الحكومة حينها أن قال: "إنني آمركم بحرق كل شيء قابل للحرق، وبإعمال السيف في كل رقبة" !
تم على إثرها إعدام أكثر من 6,000 أسير أكثرهم نساء وأطفال وشيوخ، وإغراق أكثر من 3000 امرأة في المياه، كما تم دهس الأطفال الرضع تحت أقدام الخيول، بالإضافة إلى حرق المساكن والبيوت والمزارع عن بكرة أبيها.
بحلول عام 1796م، وصل إجمالي عدد القتلى طبقاً لبعض الإحصائيات إلى حوالي 500,000 إنسان، تم حصد رؤوسهم حرقاً، وإغراقاً وذبحاً، أو دهساً تحت أقدام العربات والخيول!
ورغم عدم شهرة هذا الحدث إلا أن أستاذ التاريخ البريطاني -ألان فورست- يقول: "حتى الآن يتذكر الغرب هذه المذابح كصراع بين الفلاحين والكاثوليك على جهة وبين الجمهوريين والملاحدة على الجهة الأخرى".
وبالطبع، وكما ذكرنا في البداية، فإن قتل هؤلاء الناس لم يكن باسم الإلحاد وإنما كان بإسم التنوير والحرية والعقلانية.
- هتلر والداروينية:
عندما نشر تشارلز داروين كتابه (أصل الأنواع) عام 1859م تُرجم فوراً إلى اللغة الألمانية ولاقى قبولًا كبيراً في الوسط الثقافي الألماني. كانت ألمانيا حينئذٍ مستعدة لاستقبال الأفكار الداورينية بسبب شيوع ثلاثة اتجاهات فكرية متوازية.
عندما نشر تشارلز داروين كتابه (أصل الأنواع) عام 1859م تُرجم فوراً إلى اللغة الألمانية ولاقى قبولًا كبيراً في الوسط الثقافي الألماني. كانت ألمانيا حينئذٍ مستعدة لاستقبال الأفكار الداورينية بسبب شيوع ثلاثة اتجاهات فكرية متوازية.
الأولى هي المادية العلموية التي قادها لودفيج فيورباخ وكارل فوجوت، والثانية المادية الديالكتيكية ورائدها الأبرز كارل ماركس، أما الأخيرة فهي اليمين الهيجلي.
هيأت هذه التيارات الفكرية الأرضية الثقافية المناسبة لإستقبال أفكار داروين التطورية، لا في شقها العلمي وإنما في توظيفها الاجتماعي، والتي تقوم على أن البشر والثدييات الأخرى هم نتيجة لما أسماه بالإنتخاب الطبيعي، أي الصراع الأعمى الذي يبقى فيه الأصلح حياً وتموت على إثره الأقل صلاحية.
وكما يعمل السياسيون وأصحاب المصالح المادية على توظيف الأفكار لخدمة مساعيهم دون أي اعتبار أخلاقي، فقد صنعت أفكار داروين جيلاً جديداً من القادة السياسيين والمفكرين الاجتماعيين والعلماء، بما اعتبروه تبريراً بيولوجياً مادياً لسيطرة الألمان حول العالم.
كما ذكر أستاذ التاريخ ريتشارد فيكارت: "الداروينية وحدها لم تنتج النازية، لكن بدونها لم يكن لهتلر أو لأتباعه النازيين أن يدعموا فظائعهم الوحشية بالأدلة العلمية الكافية لتحويلها إلى أفعال أخلاقية".
يبدو الموقف الديني لأدولف هتلر لغزاً للوهلة الأولى، فعلى جانبٍ صرح هتلر في أكثر من خطاب له أنه كاثوليكي مخلص، إلا أنه على جانب آخر كان مؤمناً للنخاع بالداروينية الإجتماعية، وهي فلسفة غارقة في المادية كما هو معروف.
لم يقتل هتلر باسم الإلحاد، ولكنه لم يقتل باسم الله كذلك، وإنما قتل باسم الداروينية الاجتماعية، وهي رؤية كونية تابعة للإلحاد لا لوجود الله، حيث أنها فلسفة تقوم على نفي أي دور للإله في الكون ومن ثم تستبعد بناء أي رؤية كونية تعتبر أن الله له تدخل في الكون من قريب أو من بعيد.
ويكمل ريتشارد فيكارت بقوله: "إن عقيدة الألمان التي تقوم على بطش الإنتخاب الطبيعي المبني على الصراع التنافسي القاتل؛ هي بمثابة الكتاب المقدس للمفكرين الألمان".
وبذلك يظهر أن كلاً من الإيمان بالله أو الإلحاد، لا يعد سبباً في ذاته لارتكاب المجازر، بقدر ما تمثل الشرائع وما يلحقها من أفكار وتفسيرات وما يتبعها من سلوك، دافعاً لتبرير قتل الأبرياء.
-انتهى.
-انتهى.
جاري تحميل الاقتراحات...