لهذم
لهذم

@L1400M

28 تغريدة 77 قراءة Feb 17, 2020
عقيدة المحبة وزواج الحب..
«العالم الحديث مليء بالفضائل المسيحية القديمة التي أصبحت مجنونة»
~غلبرت جسترتون
«الحب هو أهم ما في الحياة» هذه العبارة المبتذلة ومثيلاتها التي نجدها أينما إلتفتنا تقريباً، تعكس ذلك التقديس لمفهوم الحب في هذا العصر
وفي كثير من الأحيان على حساب المبادئ والدين والأعراف، بل وحتى على حساب الأطفال
هذا التقديس لم يظهر لدى البشر المعاصرين نتيجة انتصار مفاجئ لعقيدة الحب في حد ذاتها بقدر ما هو جزء من انتصار للعقيدة المسيحية وخضوع العالم للمبادئ الغربية التي قد تبدو معادية للدين أحياناً من حيث الظاهر
لكنها في العمق مشبعة حد التخمة بالتراث الكنسي الذي ظل كما هو في الوجدان الغربي ولم يتغير منه شيء إذا ما استثنينا جانب الغيبيات وانطلاقه بشكل مجنون في كل اتجاه.
حتى الاحتفال السنوي بعيد «الحب» الذي تبناه العالم كله هو في النهاية احتفال بـ (قديس)
احذف من خطاب أي قس عادي ألفاظ «الرب، الابن، روح القدس، العذراء»
ولن تجد فيه تقريباً أي اختلاف جوهري عن خطاب «المحبة» لدى ذلك الهيبيز وهو يقول وفي يده سيجارة ماريجوانا "مارسوا الحب لا الحرب" أو تلك المراهقة ذات 30 ربيعاً التي تكتب "علموا أبناءكم الحب"
أو ذلك الملتحي صاحب العمامة الذي قال "يكون الدين محبة .. عندما تكون المحبة ديناً" (علي الجفري).
«إن ما ينفّرنا هو الكنيسة وليس سمّها... فبقطع النظر عن الكنيسة نحن أيضاً نحبّ السمّ"»
~ نيتشه وهو يصف أحد الكتاب الملحدين من نوع "ديني الإنسانية"
المسيحية كدين ظهر في البداية بين اليهود كدعوة لليهود، ولكنه لم يأتي بجديد يضيفه للشرائع التوراتية التي كانت تحكم حياة اليهود. هذا النقص في الخطاب الديني لدى المسيحية عوضته بخطاب تبشيري يرتكز تقريباً على فكرة مثالية واحدة هي «المحبة»
حاولت المسيحية من خلال ذلك تمييز نفسها عن منافستها اليهودية. والنتيجة؛ أصبحت المحبة هي بالمطلق أسمى قيمة أخلاقية
قد يصل إليها المسيحي. هذه الفكرة الطوباية من أقوى العوامل التي شكلت وعي "الفرد" الغربي البسيط الذي نعرفه الآن.
بالنسبة للغربي المعاصر المحبة هي الحل السحري والمفتاح لكل شيء، المحبة هي الجواب المعلب لكل شيء. لديك مشكلة مع تربية الأطفال؟ ما عليك سوى إغراقهم بالحب فهو كل ما يحتاجونه. تعتقد أنك غير سعيد في حياتك؟ إذن ينقصك بعضٌ من الحب في حياتك
تجد صعوبة في تسويق أفكارك؟ ما عليك سوى تضمينها عبارات عن المحبة وسيتقبلها الجميع
وفي المقابل أصبحت الكراهية هي الأخرى بالمطلق أعظم إثم قد يرتكبه إنسان ويعلق عليها كل الأوزار والأثام في العالم. عليك أن تحب كل الناس مهما كانوا وإلا ستعتبر مهرطقاً وصاحب خطاب كراهية مقيت تجب محاربته
وقد تقع تحت طائلة قانون العقوبات الذي لا يتسامح مع من ينشر «الكراهية» لم يعرف البشر أبداً عبر التاريخ قبل هذا العصر جريمة إسمها «نشر الكراهية» ولك أن تتخيل كيف يمكن استعمال هكذا قوانين في كل المناسبات والحالات
عقيدة شمولية مثل كل العقائد الطوباوية وتناقض كلياً الفطرة البشرية وتجعلهم مازوخيين، لا تنسى أن المسيح يقول «أحبوا أعدائكم»
«أغلبية الناس ما كانت لتقع أبداً في الحب، لو لم تسمع عنه من قبل»
~ La Bruyère - أديب فرنسي
عقيدة الحب؛ هي بالتأكيد أقوى ضربة تلقتها مؤسسة الزواج والأسرة
مع ضربة «الثورة الجنسية» وجعلتها تحيد عن دورها الرئيسي
زواج الحب جعل مركز الثقل في الأسرة يتحول من الأطفال إلى الزوجين، و بالتالي تقديس العلاقة الزوجية بدل العلاقة الأبوية والأسرية، و بالتالي تغليب مصلحة الزوجين (في أغلب الأحيان أحدهما فقط) على مصلحة الأطفال والأسرة ككل
الأمر الذي جعل قرار الطلاق في أيامنا يتخذ بسهولة، وكأنه إجراء روتيني عادي، و يحدث لأتفه الأسباب، قد يكون مجرد نسيان تاريخ عيد الميلاد أو عيد الزواج أو حتى مجرد تعليق في غير محله سبباً كافياً لإنهاء زواج
هذا النوع من الزواج العاطفي وبخلاف ما قد يخطر على بال البعض، كان في الحقيقة أول من شجعه هو الكنيسة ضد الزواج التقليدي
والأرستوقراطي الذي كان هو إلى وقت قريب، القاعدة العامة لدى البشر ويميزه عن زواج الحب كونه رابطة بين عائلتين أكثر من كونه علاقة بين فردين حتى لو جمعهما علاقة حب
«الإنسان الحديث لا يحبّ، بل ينشد ملاذاً في الحبّ. إنّه لا يأمل، بل يطلب ملجأً في الأمل. وهو لا يؤمن، بل يبحث عن مأوىً في عقيدة»
~ نيكولاس ڠوميز داڤيلا
هذا النوع من الزواج القائم على «العشق» حول العلاقة الزوجية من علاقة بين رجل وامرأة ثم بين أب وأم مسؤولين عن أسرة
إلى علاقة بين عشيقين فأصبح بذلك الحب هو الدافع الوحيد للزواج والسبب الأوحد لبقاءه، ولا شيء غيره حتى أنه من المألوف سماع إحدى تلك الكليشيهات المعاصرة التي تقول بأن الزواج بدون علاقة «غرامية» سابقة ولاحقة هو نوعٌ من البربرية
بالنسبة لهم معنى «العلاقة غير شرعية» و«الزنا» هو الزواج بدون حب سابق هذا
يعني أن الزواج قضية ثانوية ومجرد مناسبة للاحتفال وأخذ الصور
وسينتهي بدون أدنى شك مع زوال مظاهر شغف العشاق الزائلة حتماً. وأقول مظاهر الشغف، لأن الناس في الواقع وبسبب التقديس المعاصر للحب بطريقة تشبه التدين
أصبحت تعشق فكرة «العشق» في حد ذاتها ولا تعشق الآخر فعلاً
ومع زوال تلك المظاهر (لم تعد تهتم بي مثل الاول)، تعود الناس لرحلة البحث عن عشقٍ جديد.
من العادي جداً في زممنا أن تسمع مثلاً سيدة تجاوزت الـ 35 سنة من عمرها، عاشت عدة علاقات غرامية (طبعاً، كل واحدة منها كانت هي حب العمر)
وربما عدة زيجات وعدة أطفال في بعض الأحيان، تقول أنها ما تزال تبحث عن «حب العمر». وتعبيرها فعلاً دقيق، فهي لا تبحث في الحقيقة عن حب رجل ملائم لتعيش معه، هذا آخر همها في الواقع. هي تبحث فقط عن مظاهر «الحب» الرومنسية
أما المحبوب في حد ذاته كشخص، فهو مجرد تفصيلٌ ثانوي
الحب بالنسبة لها هو مجرد سلعة استهلاكية كغيرها من السلع، وهذا ما يتوافق تماماً مع روح العصر
ولا تستيقظ عادةً من أوهام المراهقات هذه إلا بعد أن يصفعها الواقع إذا لم تكن قد أنجبت ليذكرها بأن عمرها كأنثى أقصر مما كانت تتوقع وهي صبية مزهوة بملاحقة الشباب لها
فينقلب أحياناً لديها ذلك التعلق بالحب إلى نوعٍ من الحقد على الرجال الذين لم يحققوا حلمها
ولأن الناس أدخلوا بدعة على الزواج ربما لم يعرفها البشر أبداً طيلة وجودهم على الأرض، وجعلوا المعيار الوحيد للزواج هو الحب الذي تسقط أمامه كل الحصون كما يقولون
وكل الحدود والثقافات والأديان والمعتقدات، فليس من الغريب أن تحدث انحرافات باسم هذا الحب عن الشكل الطبيعي للزواج وهو «رجل وامرأة» لتدفعه أكثر نحو الهاوية وتجعله مؤسسةً سخيفة من خلال زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة وتجعل من ذلك مألوفاً لدى الناس التي أصبحت تعتقد أن المعيار الوحيد
في الزواج هو وجود «الحب»
ما كان أبداً ليخطر في بال إنسان قبل عقود قليلة فقط فكرة زواج الشواذ جنسياً لولا معيارية الحب المعاصرة. مثلما لا يخطر على بال أغلب الناس الأن أن الليبرالية ستستعمل مرة اخرى «الحب» لتشريع زواج الأخ من أخته والأم من ابنها
سيقال كالعادة: ما دام الحب موجوداً، ولا يعتدون على أحد، فمن أنتم لتحكموا عليهم، يا من لا تدركون معنى الحب والموسيقى؟
وباسم الحب أيضاً سيشرع «الزواج الجماعي» لدى من حارب التعدد لزمنٍ طويل
زواج جماعي سيضم كل الاحتمالات الممكن تخيلها
(موضوع مطروح فعلاً للنقاش في أوروبا وأعتمد رسمياً في الأرجنتين). سيقولون: ثلاث نساء ورجلين أحبوا بعضهم البعض فتزوجوا، من أنتم لتحكموا عليهم يا أعداء الإنسانية؟
هل هذا يعني أنه لا ينبغي أن يوجد حب مع الزواج؟ أبداً ليس هذا هو القصد
لكن فقط لا ينبغي أن يكون هو الهدف من الزواج فيهدد بذلك وجود مؤسسة اجتماعية هي احد اهم اسباب بقاء البشر واستمرارهم
ففي الأصل وجدت مواثيق الزواج لإلزام الرجل بتحمل مسؤولية ما تنسب المراة إليه من اولاد لتكوين اسرة مستقرة لتربية الاطفال وتكاثر البشرية وتحقيق الغائية من الخلق
وليس لإظهار حجم المحبة بين الأمير والوحش للناس، ولا هو معيار لدى محبة العاشق المجنون لمعشوقته
لكن اذا وجدت الحب للشخص لا لفكرة الحب فلم لا؟
جاء رجل لعمر بن الخطاب يريد تطليق امرأته لأنه لا يحبها
فقال له عمر:
"ويحك ألم تبن البيوت إلا على الحب؟ فأين الرعاية وأين التذمم؟"
وقال لامرأة تبغض زوجها:
"فلتكذب احداكن ولتجمل فليس كل البيوت تبنى على الحب، ولكن معاشرة على الأحساب والإسلام"

جاري تحميل الاقتراحات...