khalid hnandeh
khalid hnandeh

@khalid_hnandeh

40 تغريدة 19 قراءة Apr 06, 2020
عن الحقيقة النسبية:
"الحقيقة الخالصة بمثابة السم لبعض الناس"
أندريه موروا
في معمعة النقاش الدائر اليوم في مواقع التواصل حول أي قضية أو فكرة يتم تخنيث الحقائق والمفاهيم باستخدام طرح نسبية الحقيقة، فما تراه حقا قد لا يكون كذلك عند غيرك، وما تراه باطلا قد يكون هو الصواب عند غيرك.
بغض النظر عن كون رأيك أو رأي الأخر محقا من عدمه، الأمر الذي يحول أي نقاش إلى حوار طرشان، يجادل فيه الأطراف لغاية الجدل فقط، حوار عقيم لا يلد سوى الحوار لأجل الحوار، شيء يشبه برامج "التوك شو" التي يطرح بها كل الأطراف ارائهم وينتهي وقت البرنامج بدون الوصول إلى نتيجة!
ويزعم القائلون بنسبية الحقائق بأن هذا الطرح هو الباب للتعدد الفكري والتفكير خارج الصندوق وحرية الرأي والرأي الأخر، وأن نسبية المعرفة ستحرر الإنسان من دوغمائية الثوابت والمسلمات وكفن التقليد وتوكيدية الجمود، لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن
وبدلا من أن تعلي النسبية إرادة الإنسان حولته إلى كائن هش لا يحسن اتخاذ القرار، حتى في أبسط الأشياء، يجلس في عصر يوم جمعة أمام شاشة ويتقلب ويقلب ألف محطة بدون أن يملك القدرة على الثبات على واحدة منها.
والنسبية اليوم،إضافة إلى البراغماتية والفردية صارت في الفكر الليبرالي الغربي أساسا عاما للحكم على الأشياء، وهي تعني أن الحقائق ليست مطلقة ولا نهائية، وتتعدد حتى في الشيء الواحد، فهي نسبية تختلف من فرد لأخر ومن جماعة لأخرى، ومن وقت لأخر، بلا أي معيار موضوعي.
وهي تنقسم إلى نسبية معرفية، فلا حقيقة أكثر مصداقية من الأخرى مما يسقط فكرة وجود حقيقة مطلقة عند البشر، ونسبية أخلاقية يستوي فيها الحسن والقبيح، والصواب والخطأ، والخير والشر، ونسبية النصوص التي انتهت إلى أن تفسير وتأويل النص أمر نسبي متفاوت بين كهنة الحروف.
وفكرة نسبية الحقيقة ظهرت تاريخيا عند السفسطائيين، مدرسة فلسفية ظهرت في القرن 5 ق.م في اليونان، وقامت على أساس تمويه الحقائق واستخدام المغالطات المنطقية والتلاعب بالألفاظ في الجدال بغية إفحام الخصم وأعلت من شأن النزعة الفردانية عند الإنسان
وتلخص مقولة الفيلسوف السفسطائي بروتاغوراس: "الإنسان مقياس كل الأشياء ما يوجد وما لا يوجد" فكرة نسبية الحقيقة، فهو بذلك قد جعل المعرفة والحقيقة شخصية لا موضوعية، الفرد فيها هو الحكم على الأشياء بلا أي معيار ثابت، أو بعبارة أخرى:
فإنا وحدي من يملك الحرية في صياغة الحقيقة التي تناسبني عن الأشياء والقيم، بلا أساس أو مقياس يوحد تلك الصياغة بشكل ثابت مستقر، ويكون هو الحَكم في الحُكم على صحة النتيجة التي تم التوصل لها، اللهم باستثناء مقياس المصلحة النفعية المحضة.
"في زمن الخداع العالمي، يصبح قول الحقيقة عملا ثوريا"
جورج أورويل
وقد لبست نسبية الحقيقة في العصر الحديث ثوبها السفسطائي الجديد المرقع بخرق الحداثة على يد نيتشه لتصل إلى العدمية بكل مدارسها المختلفة حتى انتهت في عالم ما بعد الحداثة إلى النسبية المطلقة
استند نيتشه على نظرياته الفلسفية كموت الإله وإرادة القوة عندما قرر أن الحقيقة ليست سوى "مجموعة من الاستعارات والتشبيهات والمجازات وأنها مجرد وهم"، ليصل بذلك إلى النسبية المعرفية والأخلاقية التي لا صواب فيها ولا خطأ، لا حسن ولا قبيح، باستثناء ما تقرره أنت ويحقق مصلحتك!
وبذلك فإن الحكم على الفعل بأنه خيّر أو شرير يحدده الفرد لا الفعل ذاته، فالتصدق على الفقراء فعل حسن إذا تم خصم مساعدتك المالية من قيمة ضرائبك، وهو ضرب من العبث إن كان لتحقيق غاية روحية مثلا، مجرد وجهات نظر تختلف باختلاف الزاوية التي تنظر بها إلى جنازة السيدة أخلاق.
وبسقوط المعيارية الموضوعية التي تحدد الحقيقة المعرفية والأخلاقية، تموت الحقيقة في صراع وجهات النظر ووجهات العمى، ووحده الأقوى والأعلى صوتا هو من يمتلك ناصيتها بقبضة يده!
"أهلا بك في صحراء الحقيقة"
مورفيوس- فلم ماتريكس
في فلم الخيال العلمي ماتركس يقوم مورفيوس بتخيير نيو ما بين الحبة الزرقاء التي تبقيه على جهله القديم، وما بين حبة حمراء تعطيه حالة كشف صوفي إن جاز التعبير ليكتشف أنه يعيش في داخل سيميوليشن أو محاكاة
الفلم متأثر بفلسفة جورج باركلي وهي شكل أخر من أشكال نسبية الحقيقة، قائمة على التشكيك بالوجود الخارجي حيث يقول باركلي بأن "ليس ثمة شيء موجود إلا إذا كان مدركا بالحواس، ومن ثم فإن العقل هو الحقيقة الواقعة، والمادة أسطورة أو خرافة"
ويمكن ملاحظة هذه الفكرة في العديد من المسلسلات والأفلام الأجنبية كفلم ذا ترومان شو وفلم ترون ليغاسي ومسلسل ويست وورلد، كان الأسقف باركلي قد توصل لفلسفته هذه للرد على الفلاسفة الماديين واللاأدريين، فتم استخدام أفكاره لنفي معظم حقائق العالم الخارجي من قبل خصومه
هنا ندخل في معضلة فكرية، إن كنا نعيش في محاكاة أو في داخل فيديو جيم، وتمكنت من الاستيقاظ من وهمك واكتشاف واقعك الحقيقي وتمييزه عن الافتراضي، فما الذي يمنع أن وجودك ووجود عالمك الوهمي الذي استيقظت منه للتو ووجود مبرمج عالمك ذاته هو الأخر جزء من لعبة فيديو جيم أخرى
صممها مبرمج أكثر تطورا من مبرمج عالمك، وما الذي يمنع أن يتكرر هذا السيناريو اللا متناهي ملايين المرات، وأن استيقاظك المتكرر هو الأخر مجرد وهم! شيء يشبه جلوسك في صالون ناجح للحلاقة وأمامك مرآة وورائك مرآة وأنت تنظر في الانعكاسات المتكررة لصورتك الذاتية ضائعا بين تلك الانعكاسات
نظرية لا أدرية غبية وتشكيكية لا تنتج أي نوع من أنواع اليقين والاستقرار المعرفي، تقيس الشاهد على الغائب، والواقع على الممكن الذي لا يدعمه أي دليل عقلي، وتقوم على الحجة "المتناقضة ذاتيا" وهو الافتراض الذي إن صدق كذب!
فإن قلت أن هذا الواقع المادي الذي تعيش فيه افتراضي أو أنه مجرد برمجة أو لعبة أو أن دماغك موضوع داخل وعاء مختبر فمن يضمن أن تفكيرك في الوجود الخارجي ليس هو الأخر مجرد برمجة وأن إدراكك لحقيقة عالمك الافتراضي هو الأخر جزء من هذا الوهم، فيصبح إداركك لكُنه العالم وعدم إدراكك سيّان!
ما بين بطة الحقيقة وعنزة النسبية:
يقول المثل الانجليزي: "اذا كانت تبدو كالبطة، وتمشي كالبطة، وتصيح كالبطة، فهي على الأغلب.. بطة"، وهو يلخص ما يعرف باختبار البط، وفحواه أنه يمكن تحديد ومعرفة حقيقة شيء غير معروف من خلال ملاحظة ودراسة خصائص هذا الشيء
ومن ثم مطابقة النتيجة المتوصل لها بالواقع، فالحقيقة هي انطباق الفكرة على واقعها، فالفكرة وكل أفكار العالم لا تشكل حقيقة بحد ذاتها إلا عند انطباقها على الواقع، فالفكر هو الحكم على الواقع، فإن طابق هذا الحكم الواقع كان حقيقة، وإن خالف هذا الحكم الواقع كان وهما أو حكما مغلوطا
فالشكل الهندسي الذي له أربع أضلاع متوازية متساوية وأربع زوايا قائمة يسمى مربعا عند البشر، فإن وجدت شكلا له نفس الأوصاف السابقة يمكنك أن تحكم عليه بأنه مربع وأنت مطمئن، وأما تسميته بالمثلث فرغم أنه قد يكون فكرة عند البعض، إلا أنها مجرد فكرة لا حقيقة لعدم انطباق الفكرة على واقعها
وبالعودة للسيدة بطة، فلو كنت في مزرعة ووجدت مخلوقا له شكل وريش وأجنحة البطة التي تعرفها، وتتمشى بين الحشائش وتتهادى بدلال كمشية بطة، وتصيح كواك كواك كبطة، وتسبح في الترعة كبطة وتطير كبطة، فهي بطة عند العقلاء من البشر لانطباق الفكرة على واقع البط
اللهم باستثناء بعض ليبراليي العرب القائلين بنسبية الحقيقة والذين لو طارت البطة أمامهم فسيرونها عنزة ولو طارت وسبحت وصرخت أمامهم كبطة وقدمت لهم هوية شخصية ومضبطة مختار وشهادة عدم محكومية ومعرفين إثنين عدول يشهدون أنها بطة ولن يصدقوها ولوحلفت لهم بالطلاق ثلاثا أنها بطة!
هل النسبية نسبية أم مُطلقة:
ومن يقول بنسبية الحقيقة لا ينتبه أساسا أن دعواه هذه هي حجة تنقض نفسها بنفسها وتحمل في داخلها بذور تدميرها، فإن كانت نسبية الحقيقة قاعدة فكرية مطلقة وصحيحة دائما، فهي بذلك قد تحولت إلى مفهوم أو حقيقة مطلقة لا نسبية فيها!
تتناقض أساسا مع النتيجة التي أراد القائلون بالنسبية من الوصول لها من حرية التعدد الفكري وفتح مجالات وفضاءات الإبداع، أو كما يقول عبد الوهاب المسيري: "يصبح النسبي هو المُطلق الوحيد، ويُصبح التغير هو نقطة الثبات الوحيدة"!
أما إن كانت نسبية الحقيقة مجرد مفهوم ظني أو نسبي فتكون هي بذاتها نسبية في مقابل قول القائلين بعدم نسبية الحقيقة، ويستلزم ذلك صحتها وبطلانها في آن واحد وهذا تناقض، وتكون قد نقضت غزلها بنفسها!
وهناك انتقادات أخرى توجه لفكرة نسبية الحقيقة، فبعض مدارس النسبية تقول بعدم وجود معيار موضوعي لتمييز الحق عن الباطل أو الحقائق عن غيرها، وعندها تصبح النسبية ذاتها بلا معيار يصدقها أو يكذبها وندخل في اللاآدرية المعرفية
وإن كان معنى النسبية هو أن الحكم على الأشياء والأفكار بالصواب والصدق والخطأ والكذب يختلف بحسب الزمان والمكان والظرف والمجتمع، فعندها تكون النسبية صحيحة في زمن وخاطئة في أخر، متلونة بحسب الظرف والمكان والمجتمع
ولو فرضنا أن النسبية صحيحة وصائبة دائما، فإنها تكون خاطئة دائما بناءا على مذهب النسبيين القائل بأن المعارف المتعاكسة والمتناقضة صحيحة دائما، وبذلك تسقط القواعد المعرفية ومنها النسبية ويصدق نقيضها عليها، وندخل في حالة ميوعة فكرية ومعرفية
الحقيقة كمفهوم هي مطابقة الفكر للواقع، ولأقرب المسألة تأمل التالي:
عملية التفكير هي نقل الواقع إلى الدماغ بواسطة الحواس وبوجود معلومات سابقة تفسر الواقع
الفكرة هي الحكم على الواقع، مجرد حكم قد يشكل حقيقة أو مغالطة، وهي ناتج لعملية التفكير
الحقيقة هي انطباق الفكرة على واقعها
أي أن الوصول للحقيقة يمر عبر المراحل السابقة، عملية تفكير ينتج عنها فكرة أو حكم على الواقع ومن ثم يتم البحث في مدى انطباق الفكرة على الواقع، فيكون مقياس اعتبار الحقائق عن الأشياء مضبوطا عن طريق البحث العقلي ذاته، في وجود الشيء أو ماهيته أو صفته
فإن كان الحكم العقلي يتعلق بوجود الشيء وعدمه فهو قطعي دائما لأن الحكم هنا جاء عن طريق الإحساس بالواقع والحس لا يخطئ بالوجود والعدم، فلو كنت تجلس وحيدا في المنزل وسمعت صوت باب المنزل يفتح ويغلق وسمعت وقع خطوات في الصالة ورأيت الصالة قد اضيئت فستعرف أن أحدهم قد دخل المنزل
وإن لم تعرف من هو، أما إذا كان الحكم عن ماهية الشيء أو صفته فالحكم هنا ظني (حتى يصدقه البرهان أو يكذبه) وفيه قابلية للخطأ، لأن الحكم على ماهية الشيء وصفته جاء عن طريق معلوماتك عنه، أو ربط دماغك للواقع المحسوس بالمعلومات عنه
وهنا الحكم في الماهية والصفة متفاوت بين شخص وأخر ويختلف باختلاف القدرة على التحليل وكم المعلومات والمعطيات التي تعرفها وتجهلها عن الشيء، فقد يكون من دخل المنزل هو أمك أو أباك أو حتى لص قرر أن يسرق ما لم تسرقه الحكومة بعد من المنزل، والبرهان اللاحق يُصدق الحكم أو يكذبه
وقد يقول قائل أن الحكم في الماهية والصفة حقيقة نسبية، ولكن عدم المعرفة أو التأكد هنا من الماهية ليست حقيقة أصلا لتكون نسبية بل هي بحث ينقصه المعلومات عن الماهية، وبكل بساطة بدخولك إلى الصالة ستعرف من الذي دخل المنزل، وسينتهي ما تظنه حقيقة نسبية ويتحول إلى حقيقة مجردة
وحتى لو سلمنا بوجود النسبية (قطعا للجدال) في الأحكام والأفكار فهذا لاينفي وجود الحقائق القطعية، فشروق الشمس كل يوم حقيقة، موت نابليون حقيقة، غليان الماء عند مستوى سطح البحر بدرجة 100 مئوية حقيقة، الكل أكبر من الجزء حقيقة، الجاذبية الأرضية حقيقة
ولكن البعض مغرق في نسبيته لدرجة انكار حتى الحقائق الحسابية كالبروفسور لورانس كراوس (عالم من الراسخين في الفيزياء والفلك والتحرش الجنسي) الذي يمزج ما بين النسبية والإلحاد ليحاول تسويق معادلته الشهيرة القائلة بأن 2+2 = 5 !

جاري تحميل الاقتراحات...