فقَرُبتُ منه لأنظُرَ إليه وأسمَعَ كلامَه، فوجدتُه يدلّ على فهمٍ وأدب، فداخَلْتُه (كلّمته) فإذا برجلٍ فاضلٍ، يروي الشعرَ ويفهم النحوَ، فطمعتُ فيه (أي طمع أن يردّ عليه ما سُرق منه)، وعملتُ في الحال أبياتًا مدحتُه بها.
فقال لي: لستُ أعلم إن كان هذا مِن شعرِك، ولكنِ اعمَلْ لي على قافيةِ هذا البيت ووزنِه شعرًا الساعةَ (الآن)، لأعلَمَ أنّك قلتَه، وأنشَدَني بيتا.قال: فعمِلتُ في الحال إجازةً له ثلاثةَ أبياتٍ.(لم يذكر التنوخي الأبياتَ في كتابه) فقال لي: أيُّ شيءٍ أُخِذ منك لأرُدَّه إليك؟
قال: فذكَرتُ له ما أُخِذ مني،وأضفتُ إليه قماشَ رفيقَيْن كانا لي.فردّ جميعَ ذلك، ثم أخذ مِن أكياسِ التُّجّار التي نهبها كيسا فيه ألفُ درهمٍ، فوهبه لي.قال: فجَزَيتُه خيرا (أي قال له: جزاك الله خيرا) ورَدَدتُه عليه.فقال لي: لِمَ لا تأخُذُه؟ فوَرَّيتُ عن ذلك (لم يبيّن له السبب حقيقة)
فقال: أحبّ أن تَصدُقَني. فقلت: وأنا آمِن؟ فقال: أنت آمن. فقلت: لأنك لا تملكه، وهو من أموال الناس الذين أخذتَها منهمُ الساعةَ ظلمًا، فكيف يحِلُّ لي أن آخُذَه؟ فقال لي: أمَا قرأتَ ما ذكره الجاحظُ في كتاب "اللصوص" عن بعضهم قال:
إنّ هؤلاءِ التّجّار خانوا أماناتهم ومنعوا زكاةَ أموالهم، فصارت أموالُهم مستهلَكَةً بها، واللصوصُ فقراءُ إليها، فإذا أخذوا أموالَهم، وإنْ كرِهوا أخْذَها، كان ذلك مباحًا لهم، لأنّ عينَ المال مستهلَكَةٌ بالزكاةِ، وهؤلاء يستحقّون أخْذَ الزكاة بالفقر، شاء أربابُ الأموال أم كرهوا.
قلت: بلى، قد ذكر الجاحظُ هذا، ولكن مِن أين يُعلَمُ أنّ هؤلاء ممّن استهلكت أموالُهُمُ الزكاةَ؟ فقال: لا عليك، أنا أُحضِرُ هؤلاء التجّار الساعةَ، وأريك بالدليلِ الصحيح أنّ أموالَهم لنا حلالٌ. ثم قال لأصحابِه: هاتوا التجّار، فجاؤوا.
فقال لأحدهم:منذ كم أنت تتّجر في هذا المال الذي قطعْنا عليه؟قال:منذ كذا وكذا سنةً.قال:فكيف كنتَ تُخرِجُ زكاتَه؟فتلَجْلج،وتكلم بكلامِ مَن لا يعرف الزكاةَ على حقيقتِها فضلا عن أن يُخرِجَها.ثم دعا آخرَ...فامتَحَنه فما أحسن الجوابَ.ثم دعا بآخر فطرح عليه مسألةً في الزكاة فما وعى السؤال
فصَرَفَهم، ثم قال لي: بان لك صِدقُ حكايةِ أبي عثمان الجاحظ؟ وأنّ هؤلاء التُّجّار ما زكَّوْا قَطُّ؟ خُذِ الآنَ الكيسَ.قال: فأخذتُه، وساق القافلةَ لينصرفَ بها.فقلتُ: إنْ رأيتَ أيها الأميرُ أنْ تُنْفِذَ معنا (ترسل) مَن يبلّغُنا المَأْمَنَ، كان لك الفضلُ. ففعل ذلك.
انتهت الحكاية.
انتهت الحكاية.
جاري تحميل الاقتراحات...