العقل في زمن الكاميرا – ثريد –
ماذا فعل الله بتلك العقول التي كانت تنثر الدرر على صفحات الكتب ومقالات الصحف الورقية قبل عقدين وأسبق؟
ولماذا خبى نجمهم إبان ثورة وسائل التواصل التي برّزت غيرهم؟ فبات الأولون يولولون ويندبون مجدا ضاع أو ضيّعوه ...
ماذا فعل الله بتلك العقول التي كانت تنثر الدرر على صفحات الكتب ومقالات الصحف الورقية قبل عقدين وأسبق؟
ولماذا خبى نجمهم إبان ثورة وسائل التواصل التي برّزت غيرهم؟ فبات الأولون يولولون ويندبون مجدا ضاع أو ضيّعوه ...
الأكثر إيلاما أن ذلك حدث على حين غرة، وفي منافسة غير شريفة، أو كما يقول الإنجليز off guard إذ أُخذوا غيلة حين استأمنوا جيلا شب عن الطوق فصار يقارعهم -بل ويقرّعهم- في ساحات التواصل!
يدعي النخبة أنهم يملكون من الثقافة ما لا يملكه الغوغاء والدهماء، والحقيقة أنهم في زمن مضى كانوا يسيطرون على وسائل النشر، حيث استحوذ الصحويون على الشريط والمنشورات والكتب، وبقي لمن سواهم مقالات الصحف وكتب الأدب اللطيف.
كان الجميع واقعا في فخ (الاختزال العقلي)، فحين لا ترى من المثقف سوى مقالة سهر عليها ليال عشر، ثم راجعها ونقحها وروجعت له، وقد سرق نصف محتواها من طرف كتاب لا يسهل البحث عنه، إذ لا قوقل ولا موقل حينئذ، ثم ينشرها فيشتغل الناس بالحديث عنها وكأنها (ترند) تلك الأيام...
فيصدّق الجميع حينها -بمن فيهم المثقف- أنه لم تلد أمّ مثله! ولم يسبق إلى بديع قوله سواه، ويتهادى ذلك إلى كل مسمع. إن ذلك المشهد بكل تفاصيله الناقصة يختزل المثقف إلى صورة رمزية مُهابة، لا يعرف حقيقتها سوى زوجته وأبنائه!
تميل عقولنا إلى الاختزال دائما، فذلك يبعثها على الراحة من عناء التفكير والمقارنة. وإنه لمن الشائع لدرجة لا يمكن إغفالها تبجيل الرموز حد التقديس في المجتمعات الجاهلة، إذ يزداد التقديس اطرادا مع جهل المجتمع الحاضر، وقِدَمِ الرمز ومدى ارتباطه بالموروث الديني والعربي.
وعلى سبيل المثال فإن قداسة ابن تيمية والمتنبي في العقل الجمعي ليست كقداسة ابن سينا و غازي القصيبي -هكذا أدّعي-.
لقد سحبت التكنولوجيا الرداء من على مثقفين زائفين استتروا خلف كلماتهم الرنانة ومقالاتهم المرصعة باقتباسات ونصوص لا تدل إلا على ضعف منتوجهم الفكري فضلا عن أي ذكاء يتلبسونه ويدعونه، وذلك هو تلبيس إبليس بعينه ...
الناجون منهم أولئك الذين ركبوا سفينة تويتر وفيسبوك ويوتيوب وسنابتشات. ومن تطاول الطوفان بجبلٍ من وهمه غرق غير مأسوف عليه.
يا أيها المثقف الحقيقي اركب معنا، وتوخّ حذرك فإن المنافسة صارت أصعب، إذ يملك الملايين غيرك ذات وسائل النشر، فستنشر وينشرون! لقد صار العامة متعلمين يزاحمونك في معارض الكتاب، ويقارعونك الحُجة عبر قوقل ومحركات البحث، ولئن كانت القدسية والرمزية ملاذ سابقيك فلن تكون لك ...
ولئن كانت القدسية والرمزية ملاذ سابقيك فلن تكون لك. وإن هربت من الكاميرا فلسوف تلاحقك ويعرف الجميع حقيقة ثقافتك!
لن يكفيك أن تلوم الناس على اختيار من تتابع، ولن يكفيك تضجرك ممن تسميهم التافهين والسفهاء، ولن تتصدر الإعلاميين بوصم غيرك بالإعلانيين! اركب معنا وأوصل عقلك إلى الكاميرا. انظر بعينيك إليك، وكُن أنت بلا زيف ولا تكلف.
الناس بحاجة إلى مثلك فلا تيأس.
الناس بحاجة إلى مثلك فلا تيأس.
جاري تحميل الاقتراحات...